رئيس التحرير: عادل صبري 12:26 صباحاً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ألغام كادت تفجر الدستور التونسي

ألغام كادت تفجر الدستور التونسي

العرب والعالم

المجلس التأسيسي التونسي

ألغام كادت تفجر الدستور التونسي

أسامة إبراهيم 27 يناير 2014 10:18

بعد عدة أسابيع من الخلافات الشديدة والنقاشات المحتدمة، وافق أعضاء المجلس التأسيسي التونسي على مشروع الدستور الجديد، بعد توافق النواب على بنود أثارت جدلاً واسعًا بينهم، ويأتي إقرار الدستور عقب  ثلاث سنوات من اندلاع الثورة وهو ما يعده المراقبون  خطوة أساسية في دعم الانتقال الديمقراطي في تونس.

 

دستور ليبرالي.. يمنع التكفير!

المؤكد أن إقرار الدستور التونسي لم يكن بالأمر الهين، حيث كان من المقرر انتهاء المجلس من وضع مسودته خلال عام بعد انتخابات 2011، لكنه تأخر بسبب الخلافات السياسية في البلاد، فضلاً عن الشد والجذب المستمر بين نواب المجلس التأسيسي إلى انسحاب بعضهم واستقالة البعض الآخر.

 

وهناك جدل بين المراقبين والمحللين بين من يرى أن الدستور التونسي الجديد هو دستور ليبرالي، خاصة بعد تنازل الإسلاميين الذين يسيطرون على أغلب مقاعد المجلس التأسيسي في تونس عن اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع، ومن يرى أن بعض بنوده تكرس الدولة الدينية في البلاد.

 

ومن أكثر فصول الدستور التي شهدت خلافات حادة "الفصل السادس" الذي شهد  جدلا كبيرا بين أعضاء حزب حركة النهضة وبين نواب المعارضة قبل الموافقة عليه بعد تعديل البنود المتعلقة بحماية المقدسات ومنع التكفير، وهو ما أدى بدوره إلى انتقادات واحتجاجات واسعة بين الأحزاب الدينية على إقرار حرية الضمير ومنع التكفير بالدستور واستنكرت تلك الأحزاب الموافقة عليه.

 

يذكر أن نواب المجلس التأسيسي وافقوا على الفصل السادس بعد تعديل صياغته  التي تقول "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي، تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها".

 

وكان الفصل يقول في الصيغة التي صادق عليها المجلس التأسيسي في الخامس من الشهر الحالي التي أثارت جدلا "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يُحجَّرُ التكفير والتحريض على العنف".

 

وقد أدت الموافقة على الصيغة الأولى للفصل السادس لاستقالة نواب من حزب النهضة، الذي يمتلك أغلبية المقاعد (90 من 217 نائبًا)،  احتجاجًا على تمرير بنود اعتبروها "منافية لتعاليم الإسلام، ويشرّع لنشر الكفر والإلحاد ويمنع التكفير الذي جاء في شرع الله".

 

لكن الحزب الجمهوري المعارض يرى أن الاعتراض على الفصل السادس "ينمّ عن جهل بحرية الضمير التي لا تتعارض مع الإسلام القائم على التسامح وعدم الإكراه، مضيفا أن ظاهرة التكفير موجودة في تونس وأدت إلى اغتيالات سياسية، وأن منعها بالدستور هدفه "حماية الناس من التحريض على الكراهية"، وأن الفصل السادس يخلق توازنا بين حماية المقدسات وحماية المعتقدات.

 

دستور ليس نموذجيًا

وبعيدًا عن الفصل السادس المثير للجدل، يرى بعض المحللين أن هذا الدستور ليس بتلك القيمة التي تمتدحها وسائل الإعلام، وأقل مما كان منتظر بعد ثلاثة أعوام من التظاهرات والتوترات ودور منظمات المجتمع المدني التونسي. ومن ذلك أنه يحتوي بعض التناقضات التي لا تؤهله ليكون نموذجًا لدساتير الدول الأخرى، فعلى الرغم من عدم وضع الشريعة في الدستور، أو عدم اعتبارها مصدرًا للتشريع، ولكن بالنظر للمواد الأخرى، نجد بالفعل أن الشريعة هي المصدر وأنها جزء أساسي في بعض المواد الأخرى، فالمادة الأولى على سبيل المثال نجدها تنص على أن "تونس دولة دينها الإسلام".

 

وهناك مواد أخرى تتخالف مع فكرة عدم جعل الشريعة مصدر للتشريع، فوفق للمادة 38 والتي تنص على أن التعليم والتربية ينبغي يكونوا في الأساس وفق الهوية الاسلامية العربية للدولة ومن أجل دعم اللغة العربية"، وهو ما يعكس أن الإسلام جزء أساسي من النظام التعليمي للدولة.

 

وبينما تدافع المادة 41 عن الحق في الحصول على الثقافة للمواطنين وحرية الإبداع، ومواد أخرى تنص على حرية الاعتقاد، نجد المادة 73 تستلزم أن يكون رئيس الجمهورية لديه الجنسية التونسية حاصل على بعض الشهادات وأن يكون مسلم، كما يستلزم أن يكون جاهر بدينه، إذاً فالربط بين الدين والدولة يفرض نفسه على تلك المادة.

 

وقد تسببت بعض المواد المتعلقة بالدين الاسلامية في العديد من التوترات داخل المجلس التونسي نظراً للهوية التونسي المنقسمة بين العلمانية الشديدة وكذلك الإسلاميين. فهؤلاء العلمانيون يلومون على حركة النهضة بأنها تفرض ثقافات أجنبية على الشعب التونسي يرونها متطرفة من وجهة نظرهم.

 

أما ما يتعلق بالمساواة بين الجنسيين، فهذا ليس جديد في الدستور التونسي، وليس إبداع لحركة النهضة والمعارضة الحالية، حيث إن هذا الجزء مأخوذ من الدستور التونسي السابق.

 

اغتيال حرية الفكر

وقد اعتبر الخبير القانوني التونسي عياض بن عاشور أن مسودة الدستور التونسي الجديد تتضمن مسائل خطيرة متنوعة أبرزها "اغتيال الحرية الفكرية، وقال بن عاشور ، الذي ترأس هيئة تحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي التي تأست في بداية الثورة التونسية، خلال ندوة بعنوان "قراءة أولية في مشروع الدستور" أن هذا الخطر يكمن في تكرار ذكر احترام المقدسات "مما يدفع إلى التساؤل عن حقيقة مدنية الدولة التي يجب تكريسها بعد الثورة" معتبرا أن خيار تقديم المبادئ الأساسية على الحقوق والحريات "لا يتماشى مع مبادئ الثورة" وكان من الأجدى حسب رأيه "تقديم باب الحقوق والحريات".

 

وخلص إلى القول إن الدستور التونسي الجديد يمثل الثورة المضادة، ويمهد لديكتاتورية الدولة الدينية التي تمثل أسوأ أشكال الديكتاتوريات، وما يتعارض مع ما طالبت به الثورة التونسية، أي الدولة المدنية".


بنود ليبرالية

ومن المواد المهمة في الدستور الجديد هي المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، حيث تنص المادة 20 على أن: "جميع المواطنين والمواطنات يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات. فهم متساوون أمام القانون دون أي تمييز". وبفضل هذه المادة يصبح القانون الرئيسي لتونس الأكثر تقدماً من بين الدول العربية الأخرى بالنسبة للمساواة بين الجنسين.

 

وهناك مادة أخرى ترى أن الإسلام لا يعتبر مصدراً للتشريع، ولكن في الوقت ذاته لم يثبت في القانون الرئيسي بأن تونس هي دولة علمانية. فكما كان الحال في دستور عام 1959 يؤكد الدستور على أن تونس هي "دولة حرة مستقلة وذات سيادة والإسلام هو دينها". ومع ذلك يضمن الدستور الجديد "الحرية في العبادة والإيمان"، علماً أنه ينص على أن يكون الرئيس مسلماً، كما نقلت وكالة "إيترتاس".

 

وتقسم السلطة التنفيذية في البلاد بين رئيس الحكومة التابعة للبرلمان والرئيس المنتخب لمدة 5 أعوام، وفق الانتخابات الحرة. ويملك كل منهما حقوقاً بالمبادرات التشريعية، ويقوم رئيس الوزراء بتحديد السياسية الرئيسة للحكومة، في الوقت الذي يثبت الرئيس مسائل السياسية الدولية والدفاع والأمن القومي.

 

ضغوط العلمانيين

يذكر أن خمس جمعيات إسلامية أصدرت بيانا استنكرت فيه صياغة الدستور "تحت ضغوطات التيارات العلمانية من أجل فرض أفكار لا تمتّ إلى مقومات شعبنا الدينية والحضارية.

 

واستنكرت الجمعيات في بيانها، تمرير "تحجير التكفير" و"حرية الضمير" مؤكدة أنّ "هاتين المسألتين تتعاضدان حتما على انتشار العقائد الفاسدة والمذاهب المنحرفة وتضرب الوحدة العقائدية للشعب التونسي المسلم وتفتح البلاد أمام الطائفية الدينية والتطاول على المقدّسات الإسلامية وهو ما يخلّ بأمن البلاد".

 

أما وزير الشؤون الدينية نور الدين الخادمي لإذاعة خاصة "كان أولى إشراك الجهات المعنية كالمجلس الإسلامي الأعلى وجامع الزيتونة وديوان الإفتاء والوزارة في صياغة الفصل السادس".

 

فيما أوضح الحبيب بن الطاهر نائب رئيس الجمعية التونسية للعلوم الشرعية أن الدستور "خال من كل الضمانات التي تتكفل بحماية الإسلام، والمقصود هو الضمانات المؤسساتية التي تعمل باستمرار و باستقلالية وتتابع الشأن الإسلامي على المستوى الإعلامي والتربوي والقيمي فقد رفضوا دسترة المجلس الإسلامي الأعلى ومؤسسة الإفتاء وليس هناك في تونس الآن مؤسسة ذات نفوذ قوي فالإسلام الآن متروك إلى المبادرات الفردية وجهود بعض الأفراد والجمعيات التي قد تعمل وفق أجندات خارجية".

 

وأكد الشيخ بن الطاهر أنّ الدستور كتب تحت ضغوط تيارات علمانية متشددة ومتطرفة متسائلا عن سبب رفض المجلس الإسلامي الأعلى لشعب متجذر في الإسلام ومعتز به منذ 14 قرنا، فقد دستروا كل شيء إلا ما يهتم بالشأن الإسلامي.

 

وأبرز استياء العلماء والشيوخ استياء مستغربا من كون الفلسفات الغربية والإلحادية تقف على قدر المساواة مع الإسلام في تونس.

 

وأشار إلى أنّ "مفهوم حرية الضمير خطير جدا فهو يعمل على إضعاف الشعوب في خصوصياتها الدينية وهو مضمون غربي يقوم أساسا على حرية المعتقد بل على حرية الإشهار له جهرا وسرّا فرادى وجماعات وإقامة الشعائر في كل مكان وهذا ما يتناقض مع الإسلام الذي يقرّ حرية المعتقد ولكنه يلزم الدول على المحافظة على دياناتها الأصلية وحمايتها وتترك للفرد حرية الاختيار".

وقد وقع 33 من الأئمة والشيوخ على "فتوى شرعية"، جاء فيها أنّ "حرية الضمير" مفهوم "مبنيّ عند الغرب على عدم وجود مقدّس، وتخلّي الدولة عن رعاية المقدّسات وحمايتها"، و"أنّ الإسلام يوجب على الدولة أن تقوم بحماية المعتقد الإسلامي ولا تسمح بالدعاية لغيره وبالتالي فالتنصيص على أن تكون الدولة كافلة لحرية المعتقد والضمير يتعارض مع دورها الشرعي". وأكد البيان أنّ" ما جاء في الفصل السادس يخلّ بأعظم كلّيات الإسلام الضرورية الخمس ويفتح الباب على مصراعيه لانتشار الإلحاد وما يخالف العقيدة الإسلامية".

 

اقرأ أيضا:

- المساواة بين الجنسين في الدستور التونسي الجديد

- "كي مون" يشارك في إقرار الدستور التونسي

- "تحييد مؤسسات الدولة" فى الدستور التونسى

- إقرار باب السلطة القضائيّة في الدستور التونسي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان