رئيس التحرير: عادل صبري 04:26 مساءً | السبت 19 أكتوبر 2019 م | 19 صفر 1441 هـ | الـقـاهـره °

العملية التركية في سوريا| «الأكراد»..  قرن من الخيبات لشعب بلا دولة

العملية التركية في سوريا| «الأكراد»..  قرن من الخيبات لشعب بلا دولة

العرب والعالم

الأكراد في سوريا

العملية التركية في سوريا| «الأكراد»..  قرن من الخيبات لشعب بلا دولة

إنجي الخولي 13 أكتوبر 2019 03:06

"الرياحُ وصيَّةُ الكرديِّ للكردي في منفاهُ، يا اُبني .. و النسورُ كثيرةٌ حولي وحولك في الأناضول الفسيح".. كلمات من قصيدة "ليس للكردي إلا الريح" التي أهداها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش لصديقه الشاعر والروائي الكردي السوري سليم بركات.. عنوان القصيدة مقولة يرددها اليوم الأكراد أكثر من أي وقت مضى، تردد صداها مع تصدر الأكراد عناوين الصحف العالمية منذ بدء عملية "نبع السلام" العسكرية التركية في شمال سوريا. فمن هم الأكراد؟.

 

مع بدء العملية العسكرية ، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن الهدف من العملية هو إقامة "منطقة آمنة" بعمق 32 كيلومترا، بطول الحدود التركية السورية، وإعادة توطين مليوني لاجئ سوري فيها.

 

كما قال إنه يريد دفع قوات وحدات حماية الشعب الكردية إلى داخل سوريا، بعيدا عن حدود بلاده. وأصر على أن الوحدات ما هي إلا امتداد لحزب العمال الكردستاني والذي تعتبره تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تنظيما إرهابيا.

 

وتَعتَبِر تركيا وحدات حماية الشعب الكردي، المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، جماعةً إرهابية على صلة بحزب العمال الكردستاني الذي ظل يحارب تركيا على مدار أربعة عقود تقريبًا دفاعًا عن حقوق الأكراد.

وتنفي وحدات حماية الشعب هذا الاتهام. وهي المكون الأساسي في تحالف الميليشيات العربية-الكردية، الذي يُعرف بقوات سوريا الديمقراطية. كما كانت شريكا هاما على الأرض في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

 

وعلى نحو مفاجئ، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب قواته من الحدود مُفسِحًا الطريق أمام تركيا لتنفيذ عملياتها ضد قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد.

 

ورغم معارضة البنتاغون ووزارة الخارجية وغالبية الكونجرس، يُدلل الضوء الأخضر الواضح الذي منحه ترامب لتركيا على تخلٍ مُذهلٍ عن قوات سوريا الديمقراطية التي أعلنت فقدانها أكثر من 11 ألف مقاتل يتصدرون المعركة ضد "الدولة الإسلامية" (داعش) في شرق سوريا ، حيث أنشأ الأكراد خلال الحرب منطقة شبه مستقرة تتمتع بحكم ذاتي من الناحية الفعلية.

 

ما هو أصل الأكراد؟

 

الأكراد شعب يسكن المنطقة الجبلية الممتدة على حدود تركيا، والعراق، وسوريا، وإيران، وأرمينيا، ويترواح عددهم ما بين 25 و 35 مليونا.

 

ويختلف تعداد الأكراد ، ويعيش القسم الأكبر منهم في تركيا (ما بين 12 إلى 15 مليون نسمة، حوالى 20% من إجمالي السكان)، ثم إيران (حوالى 6 ملايين، أقل من 10%) ثم العراق (5 إلى 6 ملايين نسمة، ما بين 15 إلى 20%) وأخيرا سورياً (أكثر من مليوني نسمة، 15% من السكان).

 

ويعدون رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط، لكن لم تكن لهم أبدا دولة مستقلة في العصر الحديث.

وسهّلت جغرافيا المناطق الكردية الجبلية بمعظمها والواقعة في الداخل من دون أي منفذ على بحر، على الأكراد الحفاظ على لغتهم بلهجاتها المختلفة، وعلى عاداتهم وتقاليدهم وتنظيمهم المجتمعي.

 

وفي العقود الأخيرة، زاد دور الأكراد في التطورات الإقليمية، إذ قاتلوا من أجل حقوقهم القومية في تركيا، ولعبوا دورا هاما في الصراعات الداخلية في العراق وسوريا وآخرها قيادة المعارك ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".

 

تاريخيا، عاش الأكراد حياة قائمة على الرعي والزراعة في سهول بلاد الرافدين، وفي المناطق الجبلية المرتفعة الموجودة الآن في جنوب شرقي تركيا، وشمال شرقي سوريا، وشمالي العراق، وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا.

 

واليوم يشكلون مجموعة متميزة، يجمعها العرق والثقافة واللغة، رغم عدم وجود لهجة موحدة. كما أنهم ينتمون لمختلف الأديان والمذاهب.

 

لماذا ليس لهم الدولة؟

 

في مطلع القرن العشرين، بدأت النخب الكردية التفكير في إقامة دولة "كردستان" المستقلة. وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء الغربيون المنتصرون تصورا لدولة كردية في معاهدة سيفر عام 1920.

إلا أن هذه الآمال تحطمت بعد ثلاث سنوات، إثر توقيع معاهدة لوزان التي وضعت الحدود الحالية لدولة تركيا، بشكل لا يسمح بوجود دولة كردية ، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية.

وانتهى الحال بالأكراد كأقليات في الدول السابق ذكرها. وعلى مدار السنوات الثمانين التالية، سحقت أي محاولة كردية لتأسيس دولة مستقلة أو حكم ذاتي.

 

رأس الحربة في مواجهة "داعش"

 

في منتصف عام 2013، توجهت أنظار تنظيم الدولة الإسلامية إلى ثلاثة مناطق كردية متاخمة لحدوده في شمالي سوريا. وأطلق التنظيم هجمات متكررة. وظلت وحدات حماية الشعب، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، تتصدى لهذه الهجمات حتى منتصف عام 2014.

 

وكانت نقطة التحول هي هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في يونيو 2014، واستيلاؤهم على مدينة الموصل شمالي العراق، وهزيمتهم لوحدات الجيش العراقي والاستيلاء على أسلحتهم ونقلها إلى سوريا.

 

وأدى تقدم التنظيم في العراق إلى انخراط الأكراد في الصراع. وأرسلت حكومة الإقليم شبه المستقل في منطقة كردستان قوات البيشمركة لقتال الدولة الإسلامية في المناطق التي تراجع منها الجيش العراقي.

 

وكانت الاشتباكات بين البيشمركة وتنظيم الدولة الإسلامية صغيرة، حتى كثف التنظيم من هجماته في أغسطس 2014.

لكن قوات البيشمركة تراجعت وانسحبت من عدد من المناطق، فاستولى التنظيم على العديد من البلدات والمناطق التي تسكنها أقليات دينية، من بينها سنجار التي كان يسكنها الآلاف من الإيزيديين.

 

وأطلقت الولايات المتحدة سلسلة من الهجمات الجوية على مواقع التنظيم في شمال العراق، وأرسلت خبراء عسكريين، خوفا من حدوث مجزرة ضد الإيزيديين بعد انسحاب البيشمركة.

 

كما بدأت الدول الأوروبية في إرسال أسلحة لدعم قوات البيشمركة. كما انضم إلى جهود المساعدة مقاتلو وحدات الحماية الشعب من أكراد سوريا، ومقاتلو حزب العمال الكردستاني في تركيا.

 

ورغم تقدم البيشمركة أمام الدولة الإسلامية في العراق، إلا أن مقاتلي التنظيم استمروا في محاولة الاستيلاء على المناطق الكردية في سوريا.

 

وفي منتصف سبتمبر2014، شن التنظيم حملة على المنطقة المحيطة بمدينة عين العرب (كوباني) شمالي سوريا، وأجبر أكثر من 160 ألف شخصا على النزوح إلى تركيا.

 

وتمكن التنظيم من احتلال معظم أحياء كوباني وبقي عشرات المقاتلين محصورين في جيب صغير ورفضت تركيا السماح بدخول الامدادات إلى المدينة رغم المناشدات الدولية كما رفضت السماح للطيران الأمريكي باستخدام قاعدة انجرليك في شن غارات على مواقع التنظيم.

كما منعت تركيا مواطنيها الأكراد بالعبور إلى الأراضي السورية لمواجهة التنظيم، مما أجج الاحتجاجات الكردية، وهدد حزب العمال الكردستاني بالانسحاب من مباحثات السلام مع الحكومة.

 

وفي منتصف أكتوبر 2014، سمحت أنقرة لقوات البيشمركة بالمشاركة في القتال حول عين العرب.

 

وفي يناير 2015 وبعد معركة لقي فيها نحو 1600 شخص حتفهم استعادت القوات الكردية السيطرة على كوباني.

 

وخاض الأكراد الحرب مع العديد من الميليشيا العربية المحلية تحت راية قوات سورية الديموقراطية، وبمساعدة الغارات الجوية الأمريكية والتسليح والتدريب الأمريكي نجحوا في طرد قوات تنظيم الدولة من عشرات الآلاف من الكيلومترات في شمال شرق سوريا على الحدود مع تركيا.

 

وفي أكتوبرعام 2017 استولى مقاتلو قوات سورية الديمقراطية على الرقة عاصمة التنظيم وتقدموا في محافظة دير الزور آخر معاقل التنظيم في سوريا.

 

وسقط آخر جيب تابع للتنظيم في سوريا في قرية الباغوز في يد قوات سوريا الديموقراطية في مارس عام 2019 لتعلن نهاية دولة الخلافة ولكن في الوقت ذاته حذرت من الخطر الكبير الذي تمثله الخلايا النائمة حول العالم.

 

وكان على قوات سوريا الديموقراطية التعامل مع الآلاف من أسرى التنظيم وعشرات الآلاف من النازحين من النساء والأطفال.

 

والآن يواجه الأكراد هجوما عسكريا من قبل تركيا التي تريد إقامة منطقة آمنة بعمق 32 كيلومترا داخل شمال شرق سوريا لحماية حدودها من المسلحين الأكراد وإعادة توطين أكثر من مليوني لاجئ سوري في تركيا هناك. وقالت قوات سوريا الديموقراطية إنها ستدافع عن أراضيها بأي ثمن.

 

لماذا تعتبر تركيا الأكراد مصدر تهديد؟

 

ثمة صراع قديم بين الدولة التركية والأكراد، الذين يمثلون حوالي 15 أو 20 في المئة من السكان.

 

وعلى مدار أجيال، عاملت السلطات التركية الأكراد معاملة قاسية وحاولت طمس هويتهم وثقافتهم وتاريخهم. قاد الأكراد عدد من حركات التمرد في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لكن تم إخمادها بالحديد والنار وتم إبعاد عشرات الآلاف منهم الى مناطق بعيدة عن مدنهم وقراهم في إطار سياسية التغير الديمغرافي وتم تغيير اسماء القرى والبلدات والمدن الكردية وتم حظر الأسماء والأزياء الكردية. كما حظر استخدام اللغة الكردية، وأنكر وجود الهوية العرقية الكردية، وأطلق عليهم اسم "أتراك الجبال".

 

وفي عام 1978، أسس عبد الله أوجلان حزب العمال الكردستاني، الذي نادى بتأسيس دولة مستقلة في تركيا. ثم بدأ الحزب الصراع المسلح بعد ست سنوات من تأسيسه. ومنذ ذلك الحين، قتل أكثر من 40 ألف شخص وتدمير أكثر من 3 آلاف قرية وتهجير سكانها إلى غرب تركيا .

وفي تسعينيات القرن الماضي، تراجع حزب العمال الكردستاني عن مطلب الاستقلال، وطالب بالحقوق الثقافية والسياسية وتحقيق نوع من الادارة الذاتية مع استمرار القتال.

 

وفي عام 2012، بدأت محادثات السلام بين الحكومة التركية والحزب، بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة سنة. وطلب من مقاتلي حزب العمال الكردستاني التراجع إلى شمالي العراق. وفي عام 2013 تم التوصل لوقف لإطلاق النار بين الطرفين.

 

وانهار وقف إطلاق النار في يوليو عام 2015 بعد عملية انتحارية اعتبر تنظيم الدولة مسؤولا عنها وأسفرت عن مقتل 33 من النشطاء الأكراد في مدينة سروج ذات الأغلبية الكردية قرب الحدود السورية. واتهم حزب العمال السلطات بالتورط في الهجوم على قوات الجيش والشرطة التركية.

 

ومنذ ذلك الحين لقي الآلاف من بينهم مئات المدنيين حتفهم في اشتباكات في جنوب شرق تركيا.

 

واحتفظت تركيا بوجود عسكري في سوريا منذ أغسطس عام 2016 عندما أرسلت قواتها عبر الحدود لدعم هجوم المعارضة السورية ضد تنظيم الدولة.

 

وفي عام 2018 شنت القوات التركية والمتمردون السوريون المتحالفون معها هجوما على منطقة عفرين لطرد وحدات حماية الشعب الكردي من المنطقة وأسفر الهجوم عن مصرع العشرات ونزوح عشرات الآلاف من المنطقة.

 

وتقول الحكومة التركية إن وحدات حماية الشعب والحزب الاتحاد الديمقراطي امتداد لحزب العمال الكردستاني ويشاركونه نفس الأهداف وأنهما تنظيمان إرهابيان يجب القضاء عليهما.

 

ماذا يريد الأكراد السوريون؟

 

يمثل الأكراد ما بين سبعة وعشرة في المئة من تعداد السكان في سوريا، ويعيش معظمهم في محافظتي الحسكة وحلب إلى جانب العاصمة دمشق ومدينة حلب.

 

وتعرض الأكراد السوريين للكثير من القمع والحرمان من الحقوق الأساسية. وتم تجريد حوالي 300 ألف من الأكراد من الجنسية السورية منذ ستينيات القرن الماضي، وصودرت الأراضي الكردية وأعيد توزيعها على العرب في محاولة "لتعريب" المناطق الكردية.

 

ولم تتأثر المناطق الكردية كثيرا بالصراع السوري في السنتين الأوليين. وتجنبت الأحزاب الكردية الكبرى اتخاذ أي موقف من أي من طرفي الصراع. وفي منتصف عام 2012، انسحبت القوات السورية من المناطق الكردية لتركز على قتال المعارضة في مناطق أخرى، ففرضت القوات الكردية سيطرتها على المنطقة حيث أقام حزب الاتحاد الديمقراطي إدارات ذاتية في كل من القامشلي وكوباني وعفرين عام 2014. وأكد الحزب أنه لا يسعى للاستقلال بل إلى "إدارة محلية ديمقراطية" ، بحسب " بي بي سي".

 

في مارس عام 2016 أعلنت الأحزاب الكردية إقامة "نظام فيدرالي" يشمل المناطق العربية والتركمانية التي تم استعادتها من التنظيم.

ورفض هذا الإعلان من قبل الحكومة السورية والمعارضة السورية وتركيا والولايات المتحدة.

 

وأعلن حزب الاتحاد الديمقراطي (الحزب الكردي المهيمن في المنطقة) أن أية تسوية سياسية في سوريا لابد وأن تضمن الحقوق القانونية للأكراد والاعتراف بالحكم الذاتي لهم.

 

وكان رئيس النظام السوري بشار الأسد قد تعهد باستعادة كل شبر من الأراضي السورية بالمفاوضات أو القوة العسكرية. ورفضت حكومته المطالب الكردية بالحكم الذاتي.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان