رئيس التحرير: عادل صبري 05:37 مساءً | السبت 19 أكتوبر 2019 م | 19 صفر 1441 هـ | الـقـاهـره °

احتجاحات العراق وخطط القوى الإقليمية.. هل ستصمد مدنية التظاهرات؟

احتجاحات العراق وخطط القوى الإقليمية.. هل ستصمد مدنية التظاهرات؟

محمد الوقاد 10 أكتوبر 2019 21:10

عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفضاء الإعلام الدولي كان المحتجون العراقيون، خلال المظاهرات الأخيرة التي شهدتها البلاد، يشددون على مدنية حراكهم، ويحرصون على المفاصلة مع مرحلتي العنف الطائفي، وتنظيم داعش الإرهابي.

 

كانت مدنية الحراك هي التي أعطته زخمه الذي تجاوز العراق كثيرا، ودفع الحكومة، أخيرا، إلى محاولة استرضاء المحتجين الغاضبين، وجلهم من الشباب، عبر حزمة إجراءات، اقتصادية بالأساس، بعد أن كانت لغة تلك الحكومة، في بداية الاحتجاجات قاصرة على التهديد والوعيد عبر عصا السلطة.

 

لكن هل كان الحراك مدنيا فعلا؟

 

كانت فترة الهدوء النسبي التي سادت في العراق بعد هزيمة داعش مؤقتة في ظل التوتر المتصاعد ضد الفساد؛ فبعد سقوط التنظيم الإرهابي لم يعد العامل الذي كان يوحد العراقيين قائما، وبالتالي فقد العراقيون تسامحهم مع الحكومة الفاسدة التي لم تنجز لهم شيئا.

 

صحيح أن الاحتجاجات ضد الحكومة تركزت على إدانة الفساد، لكنها أيضا سجلت موقفا سياسيا بالمطالبة بإبعاد القوى الخارجية ومنعها من التدخل بشؤون العراق، وكان الحديث، في أغلبه، يدور حول إيران.

 

هنا تحديدا، يتحدث محللون عن واقعة ربما تكون قد أسهمت في إيقاد شرارة الاحتجاجات، وهي عزل القائد العسكري "عبد الوهاب الساعدي"، صاحب الدور المعروف بين العراقيين في قتال تنظيم داعش، من منصبه كقائد لقوات جهاز مكافحة الإرهاب.

 

وكان "الساعدي" قائدا لقوات النخبة في مكافحة الإرهاب المعروفة باسم "الفرقة الذهبية"، وأنشأها الأمريكيون لتكون وحدة قوات خاصة بدون الاعتماد على الهوية الطائفية أو العرقية. وحظيت بدعم أمريكي وتدريب طوال الحرب على داعش.

 

نقطة تحول

 

ويعتقد الكاتب والمحلل "أحمد تويج"، في مقالة له مؤخرا نشرته صحيفة "فورين بوليسي" أن تجريد القائد المعروف من منصبه، وتحويله إلى عمل إداري في وزارة الدفاع، أغضب أنصاره وأدى إلى موجة التظاهرات الدامية التي لم يشهد العراق مثلها في السنوات الماضية.

 

وقبل هجوم الموصل في عام 2017 تقدم 300 ألف شخص للحصول على وظائف في "الفرقة الذهبية"، اختير منهم ألفا فقط، للالتحاق بالأكاديمية التي تديرها القوات الأمريكية والعراقية. ووكلت الفرقة بمهمة القتال في الخط الأمامي ضد تنظيم داعش، وتحت الراية العراقية فقط، مقارنة مع قوات "الحشد الشعبي" المكون من ميليشيات يحظى معظمها بدعم من إيران.

 

واعتبر الكاتب أن دور "الساعدي" في الحرب جعله في مركز متميز عن قادة العراق السياسيين الذين يقيمون في المنطقة الخضراء، ويتهمون بالفساد والعجز، حتى أنه تم نصب تمثال لـ"الساعدي" في الموصل اعترافا بدوره في المعركة ضد داعش.

 

ويشير الكاتب إلى عدة أمور تتعلق بـ"الساعدي" والفرقة الذهبية، أثارت حفيظة "الحشد الشعبي" وسادة المنطقة الخضراء، من بينها الدعم والتدريب الأمريكي، وزيارة "الساعدي" إلى السفارة الأمريكية في بغداد، مع أنه ذهب إلى هناك للحصول على تأشيرة سفر لإلقاء كلمة في هارفارد.

 

وعلى ما يبدو فإن الموقف الخائف من علاقة "الساعدي" مع واشنطن والضغوط من إيران أدت إلى عزله من منصبه؛ الأمر الذي يكشف عن إمكانية تفكيك الجيش العراقي، في ظل محاولات "الحشد الشعبي" تعزيز تأثيره داخل مؤسسات البلد ووضع شخص مؤيد لإيران بدلا من "الساعدي".

 

في المقابل، فإن قوة "الساعدي" وتأثيره الشعبي مخيفان للحكومة العراقية، التي تنظر إليه كتهديد، وتفكر في خطر احتمال تنظيمه انقلابا.

 

واحتجاجا على عزله من منصبه، قام "الساعدي" باستخدام منابر التواصل الاجتماعي ووصف الطريقة التي عاملته بها الحكومة العراقية بـ"الإهانة" و"العقاب"؛ الأمر الذي قابله أنصاره، الذين يعتبرونه بطلا، بتفاعل كبير، وخرج الكثيرون إلى الشوارع وعبروا عن رفضهم من خلال منصات التواصل الاجتماعي.

 

شيعة أو سنة؟

 

النقطة الأخرى التي تدعم دور "الساعدي" في الاحتجاجات العراقية هو أن معظم المشاركين في الاحتجاجات كانوا من الشيعة، وحملوا شعارات تعيد ذكرى الأئمة الشيعة، وكلها تعبر عن سخط من التدخل الإيراني في العراق، وهي نفس المشاعر الساخطة التي برزت في الاحتجاجات التي هاجمت القنصلية الإيرانية في البصرة، أما سكان المدن السنية فلم يشتركوا فيها بعد لأنهم في مخيمات اللجوء أو خوفا من توجيه تهمة الإرهاب لهم.

 

ويرى "تويج" أن الجذور التي أدت للمظلومية لم تعالج بعد. فعندما يعود مسلحون ومقاتلون مدربون إلى بيوتهم ليواجهوا المشاكل اليومية من نقص الطعام وغياب الوظائف وانتشار الفساد، فإن كل هذا يعد وصفة للنزاع المدني.

 

من هنا كان عزل "الساعدي" القشة الأخيرة التي أعطت العراقيين المبرر للثورة ضد الحكومة المركزية.

 

لذلك، فإن إيران لم تنظر بعين الارتياح إلى هذه الاحتجاجات، لأنها كانت تشجع الوضع القائم والذي تحتل فيه الميلشيات التابعة لها أكبر حيز في الفضاء السياسي والاقتصادي العراقي.

 

ووفقا لتلك المعطيات، فإن محاولة أية قوى إقليمية أو دولية استثمار هذه التظاهرات لصالحها لن يكون سهلا، ونتحدث بالتحديد هنا عن السعودية التي بدأ المشهد يتضح نسبيا عن توجه بالرياض يحتفي بتلك الاحتجاجات، باعتبارها وسيلة فاعلة لإبعاد إيران عن المشهد العراقي، فلا إيران ستبتعد بهذه السهولة، ولا العراقيين سيسمحون بأن تحل محلها السعودية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان