رئيس التحرير: عادل صبري 03:01 صباحاً | الأربعاء 27 مارس 2019 م | 20 رجب 1440 هـ | الـقـاهـره °

بالمغرب «لغة موليير» في مواجهة «لغة الضاد».. فمن ينتصر؟

بالمغرب «لغة موليير» في مواجهة «لغة الضاد».. فمن ينتصر؟

العرب والعالم

تعليم اللغة الفرنسية بالمدارس

بالمغرب «لغة موليير» في مواجهة «لغة الضاد».. فمن ينتصر؟

إنجي الخولي 22 فبراير 2019 03:40

يقول الفيلسوف الفرنسي رولان بارت إن "اللغة ما إن يُنطق بها، وإن ظلت مجرد همهمة، حتى تصبح في خدمة سلطة بعينها"... والاستعمار الفرنسي خرج من المغرب، لكن اللغة الفرنسية لم تخرج معه، فالمغرب نال استقلاله عن فرنسا رسمياً في العام 1956، وكرّس دستور عام 1962 اللغة العربية لغةً رسمية في البلاد، قبل إلحاق الأمازيغية بها لغةً رسمية أيضاً.

 

وحتى الأن يستمر الخلاف في المغرب بين المدافعين عن اللغة العربية، والداعمين للفرنسية، بين من يعتبرون هذه الأخيرة "إرثا استعماريا"، ومن يقولون إنها بوابة المغاربة "للانفتاح على العالم".

 

وبالرغم من أن الدستور المغربي يبرز أن اللغتين العربية والأمازيغية هما اللغتان الرسميتان للبلاد، إلا أن اللغة الفرنسية تحضر بشكل قوي.

 

ويجري ذلك في اللقاءات والتظاهرات الرسمية وغير الرسمية وفي مراسلات الإدارات، مع العلم أنه قد صدر حكم قضائي، أخيرا، يقضي بعدم مشروعية استعمال اللغة الفرنسية في الإدارة المغربية.

 

والأن معظم المغارية يتحدثون لغة عربة مغاربية، وهي خليط من العربية والأمازيغية تتخللها كلمات من اللغتين الفرنسية والإسبانية.

 

لغة المدارس

 

وفي المدارس يتعلم الأطفال اللغة العربية الفصحى على الرغم من أنهم لا يستخدمونها خارج قاعات الدرس، وعندما يذهبون إلى الجامعة يتحول التدريس إلى الفرنسية، وهي لغة المستعمر السابق للمغرب والتي تستخدمها حالياً النخبة في المدن.

 

ويشعر الكثيرون في المغرب بأن هذه الازدواجية في التعليم تتسبب في حالة من الارتباك ما أثر بشكل سلبي على الطلاب، خاصة في صفوف التعليم الجامعي، فلم يكمل اثنان من كل ثلاثة أشخاص تعليمهما في الجامعات العامة بالمغرب لأنهما لا يتحدثان الفرنسية.

 

هذا الوضع المرتبك يؤثر بطبيعة الحال على النمو الاقتصادي وزاد من عدم المساواة في المغرب الذي تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة البطالة بين الشبان فيه تبلغ 25٪ ويقارب متوسط الدخل السنوي 3440 دولاراً للفرد، وهو أقل من ثلث المتوسط العالمي .

 

وفي ظل عدم إتمام كثير من الطلاب دراستهم الجامعية لعدم قدرتهم على تحدث الفرنسية، اقترحت الحكومة معاودة اعتماد الفرنسية لغة لتدريس العلوم والرياضيات والمواد التقنية مثل علوم الحاسب في المدارس العليا.

عودة الحديث عن ضرورة تدريس الفرنسية بهذا الشكل واسع الانتشار أثار ضجة في البرلمان، حيث يعتبر أعضاء حزب العدالة والتنمية ذي التوجّه الإسلامي والشريك الأكبر في الائتلاف الحكومي، حزب الاستقلال المحافظ تلك الخطط خيانة، وقد أجل الاختلاف بشأن تلك التغييرات التصويت عليها.

 

واستبقت الحكومة البرلمان ووفقت على اعتماد تعليم الفرنسية وحتى قبل أن يصوّت البرلمان على تلك التغييرات، وافق وزير التعليم حسن أمزازي على اعتماد تعليم الفرنسية في بعض المدارس، معلناً أن استخدامها في تدريس المواد العلمية "خيار لا رجعة فيه".

 

اللوبي الفرنسي

 

وشن رئيس الحكومة السابق عبدالإله بن كيران الذي كان قد انزوى عن السياسة بعد خروجه من منصبه هجوماً حاداً على من سمّاهم "اللوبي الفرنسي" في المغرب، وقال إنهم يسعون إلى سلخ المجتمع من هويته الإسلامية والعربية والأمازيغية عن طريق فرض اللغة الفرنسية في البلاد باعتبارها أداة هيمنة.

 

واعتبر بن كيران في فيديو بثه على صفحته على فيسبوك، الاثنين 18 فبراير 2019، أن اعتماد اللغة الفرنسية لغة تدريس لجميع المواد "مؤامرة وإجراماً بحق الشعب المغربي وضرباً لمبدأ تكافؤ الفرص"، وعدّها أيضاً بمثابة "ألعوبة من اللوبي ولفّ ودوران ومكر غير معقول ولا مقبول".

 

وقال نواب بالبرلمان إن التعديلات التي أدخلت على القانون مخالفة للنصّ الأصلي الذي صادقت عليه الحكومة، ومنها إقرار تدريس المواد العلمية بالفرنسية بدل العربية المعمول بها حالياً حتى مرحلة البكالوريا (الثانوية العامة).

 

 وأشار بن كيران إلى أن التعديلات التي أدخلت على القانون مخالفة للرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم التي سلّمت له من قبل الملك محمد السادس عندما كان رئيساً للحكومة وحثه على تنفيذها.
 

وقال إن هذه الرؤية هي "المعتمدة من الناحية السياسية ولا يمكن الخروج عنها".مشددا على أنه "لم يثبت أن سبب تدهور التعليم في البلاد راجع إلى كوننا ندرس المواد العلمية بالعربية. هذا غير صحيح".

 

 وقال بن كيران: "اللوبي الفرنسي في المغرب قوي، وهو من يحاربنا وهو خصمنا الحقيقي، ولا أعتقد أن هذا هو التوجّه الرسمي لفرنسا، إلا أن اللوبي الفرنسي مفرنس أكثر من الفرنسيين وحريص على مصالح الفرنسيين أكثر منهم".

 

وتدارك قائلاً: "نحن لسنا ضد فرنسا، فهي دولة مهمة وصديقة، لكن هذا لا يعني أن نزيل هويتنا العربية ونضع مكانها الفرنسية. فنحن لدينا لغة وتاريخ وغير مستعدين للتنازل عنهما مهما كلفنا الثمن".

 

لغة الاقتصاد

 

ويقول معارضون إن التغييرات تعكس واقع أن الفرنسية هي اللغة الأهم في عالم الأعمال وفي الحكومة والتعليم العالي، ما يعطي القادرين مادياً على الالتحاق بالمدارس الخاصة التي تدرس المواد بالفرنسية ميزة أكبر من أغلبية طلاب المغرب.

 

 وقال حميد العثماني، رئيس لجنة المواهب والتكوين والتشغيل التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب: "في سوق الشغل المغربي إتقان اللغة الفرنسية أمر ضروري. الأشخاص الذين لا يتقنون هذه اللغة هم في عداد الأميين في سوق الشغل".

 

وقال جمال كريمي بنشقرون، العضو بحزب التقدم والاشتراكية الشريك في الائتلاف الحاكم: "عندما يشرع صُناع القرار في تسجيل أبنائهم في المدارس العمومية آنذاك فقط يمكن القول إننا نعتمد على نظام تعليمي ناجح".
 

ويطلق الإحباط من نقص الوظائف والفقر شرارة احتجاجات بين الحين والآخر في المغرب، لكن المملكة تفادت حالة عدم الاستقرار التي عانت منها دول أخرى بشمال إفريقيا تسبب فيها الغضب المكبوت في انتفاضات.

 

 وأثبت الملك محمد السادس، صاحب السلطة المطلقة في المغرب، براعة وذكاء بإدخاله إصلاحات محدودة استجابة للاحتجاجات الشعبية.

 

 وتحدث علانية بشأن الحاجة إلى تدريس اللغات الأجنبية للطلاب بغية الحد من البطالة وجعل من الاقتصاد أولوية أولى للمغرب.

 

 وعزل العام الماضي وزير المالية بعد مطالبته الحكومة بفعل المزيد لتعزيز الاستثمار.

 

باريس مازالت حاضرة

 

تعكس هيمنة   اللغة الفرنسية استمرار تأثير باريس في المنطقة لا يعاني المغرب وحده من المشكلات المتعلقة باللغة.

 

ففي الجزائر، وهي أيضاً مستعمرة فرنسية سابقة، يتعلم الطلاب اللغة العربية في المدارس ليجدوا أنفسهم بعد ذلك في مواجهة الفرنسية في الجامعات والعمل.

 

 وتعكس هيمنة اللغة الفرنسية استمرار تأثير باريس في المنطقة. ففرنسا هي صاحبة أكبر استثمارات أجنبية مباشرة في المغرب وتوظف شركات كبرى مثل رينو وبيجو لصناعة السيارات عشرات الآلاف من المغاربة.

وتخصص جامعات خاصة مثل الجامعة الدولية للرباط مقررات دراسية موجهة للصناعات العالية النمو مثل الفضاء والطاقة المتجددة وتدرس موادها بالفرنسية والإنجليزية.

 

 لكن رسوم العام الدراسي الواحد في تلك الجامعة تصل إلى 10 آلاف دولار، وهو ما يفوق بكثير ميزانية معظم المغاربة الذين يلتحقون في المقابل بجامعات عامة مجانية كثيراً ما يمثل الانتقال المفاجئ إلى الدراسة بالفرنسية فيها عبئاً على الطلاب ومحاضريهم.

 

وقال أمين ضفير، أستاذ الاقتصاد بجامعة الحسن الثاني بمدينة المحمدية قرب الدار البيضاء: "في بعض الأحيان نجد أنفسنا نعطي دروساً في اللغة الفرنسية داخل حصص الاقتصاد".

 

البطالة ومتطلبات العمل

 

الاقتصاد المغربي لا يمكنه استيعاب كل الشبان الباحثين عن عمل،  حيث ان نحو 280 ألف خريج دخلوا سوق العمل العام الماضي، ولم تتوفر في السوق سوى 112 ألف وظيفة فقط.

 

وتفيد بيانات المندوبية السامية للتخطيط بأن معدل البطالة للخريجين يبلغ 17%، أي أعلى من المعدل الوطني البالغ 9.8%.

 

ويرجع ارتفاع معدل البطالة بين الخريجين في جانب منه إلى اعتماد المغرب على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي لا توظف عادة الخريجين، إضافة إلى سياسة التقشف التي قلصت الوظائف في القطاع العام.

 كما أن نظام التعليم يخفق في تأهيل الطلاب لتلبية احتياجات سوق العمل.

 

وبالإضافة إلى ارتفاع معدلات التسرب من التعليم فإن طلاب المغرب يسجلون نتائج سيئة مقارنة مع أقرانهم في الاختبارات الدولية.

 

ويذكر تقرير لصندوق النقد الدولي صادر أواخر عام 2017 أنه على المستوى الجامعي يقبل الطلاب بشكل كبير على مجالات العلوم الاجتماعية على حساب العلوم التقنية. وهذا يعني أن كثيرين لا تتوافر لديهم عند تخرجهم المؤهلات التي يبحث عنها أصحاب العمل.

 

واللغة الفرنسية لا غنى عنها حتى بالنسبة للأعمال التي لا تتطلب شهادة جامعية. فعلى الموقع الفرنسي الخاص بوكالة دعم الوظائف في المغرب يبحث كل أصحاب العمل تقريباً عن موظفين يتحدثون الفرنسية، بما في ذلك وظائف الحراس والنُدل والطهاة والسائقين.

 

السياسيون يختارون لغة "موليير"

 

ويؤخذ على مسؤولين مغاربة تجنبهم الحديث باللغة العربية. ويكمن الإشكال بحسب رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية الدكتور فؤاد بوعلي، في عدم اقتناع المسؤولين وأصحاب القرار في المغرب بدور اللغة في حماية السيادة الوطنية. ويعتبر بوعلي أن الدول التي تحترم نفسها وتُقدّر انتماءها تجعل من اللغة عنواناً لاحترام خياراتها الدستورية وهويّتها.

 

وأضاف بوعلي أن "المسئولين عندنا يفتخرون بالحديث بلغة موليير (أي الفرنسية) في حين يجتهد سفراء الدول الأجنبية غير العرب مثل روسيا والصين في الحديث باللغة العربية"، لافتاً إلى أن الإشكال ليس لغوياً بل ثقافي وسياسي يتعلق بوعي مسلوب للهوية لدى المسئولين دون الاجتهاد في إتقان العربية التي ينبغي لهم بحكم مسئولياتهم استعمالها بشكل صحيح وصائب".

 

ويفخر أغلب الساسة المغاربة بالحديث بالغة الفرنسية وبرز جهلهم باللغة العربية مما أثار الانتقادات ، فوزير الإسكان والسياسة المدنية السابق، محمد نبيل بنعبد الله مثلاً، اختلط عليه في مداخلة له في البرلمان، مصطلحا "الذعيرة" (مصطلح قانوني مغربي يعني الغرامة المالية) و"الدعارة"، وهذا ما وضعه في موقفٍ بالغ الحرج، إذ قال إن "أُسراً مستعدة للذهاب إلى المحكمَة لدفع الدعارة"، قبل أنْ يثير ضحك النواب ويستدرك.
 


وكانت مواقع التواصل الاجتماعي قد تلقت رسالةً وجهها وزير التربية الوطنية والتكوين المهني السابق، رشيد بلمختار قبل سنوات، لمناسبة اليوم العالمي للمدرس،  بكثير من التهكم بسبب احتوائها على عدد من الأخطاء النحوية في اللغة العربية. وعلّق ناشطون على أخطاء سابقة للوزير بلمختار عندما تلفظ بكلمة "نوادي" كجمع لكلمة "ندوة". قلةٌ من المعلقين آنذاك وجدت عذراً للوزير، إذ إن تكوينه العلمي والدراسي فرنسي بامتياز.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان