رئيس التحرير: عادل صبري 01:21 صباحاً | الثلاثاء 18 يونيو 2019 م | 14 شوال 1440 هـ | الـقـاهـره °

تركيا تجازف بإغضاب الصين من أجل «الإيجور».. لماذا الآن؟

تركيا تجازف بإغضاب الصين من أجل «الإيجور».. لماذا الآن؟

العرب والعالم

مظاهرات ضد اضطهاد الإيجور

تركيا تجازف بإغضاب الصين من أجل «الإيجور».. لماذا الآن؟

إنجي الخولي 20 فبراير 2019 01:33

تجاوزت الحكومة التركية مخاوفها بشأن الاستثمارات الصينية المستقبلية، ومكانة بكين الناشئة باعتبارها قوة عالمية رئيسية، وجهرت بموقفها بشأن التعامل الصيني مع الإيجور.

 

 ففي الوقت الذي تخشى العديد من الدول الإسلامية التعبير عن غضبها من ممارسات الصين ضد الأقلية المسلمة هناك، عبر تركيا عن استيائها مؤخراً من قمع بكين للإيجور.

 

الموقف التركي المفاجئ من هذه القضية أثار العديد من التساؤلات حول توقيت هذا الغضب الذي عبرت عنه أنقرة، فيما يرى البعض أن الهدف هو الانتخابات البلدية المزمعة في تركيا، يرى آخرون أن الموقف التركي نابع من العلاقات العرقية التي تربط الأتراك بالإيجور الذين يتحدثون اللغة التركية.
 

 

اتخاذ موقف

 

انتقدت القوى الغربية وحتى الأمم المتحدة طيلة سنوات تعامل الصين مع أقلية الإيجور الإثنية والأقليات المسلمة الأخرى في إقليم شينجيانغ.

 

والآن تشير تركيا، التي هدَّأت قبل سنوات دعوات القومية الجامِعة للشعوب التركية التي تبنَّتها لتعزيز مصالحها بين أبناء العمومة الإثنيين في بلدان آسيا الوسطى والصين، إلى أنَّها على استعداد للتحدُّث بصورة أقوى في ما يتعلَّق بقضية الإيجور.

 

ويتحدث الإيجور لغةً تركية مختلفة عن قومية الهان التي تُشكِّل الأغلبية في الصين.

 

 وبعد سلسلةٍ من الهجمات الإرهابية التي شنَّها متطرِّفون، سِيق عشرات الآلاف إلى معسكرات تلقين، يخضعون فيها للتعذيب النفسي والبدني، وذلك بحسب مدافعين دوليين عن حقوق الإنسان.
 

وفي السنوات الأخيرة، شنَّت مجموعات مسلحة عدداً من الهجمات المميتة غربي الصين. لكن في حين تزايدت في السنوات الأخيرة التقارير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان غربي الصين، التزم الكثير من البلدان الكبرى ذات الغالبية الإسلامية التي تسارع في كثير من الأحيان بإدانة سوء المعاملة التي يتعرَّض لها المسلمون في الغرب وإسرائيل –بما في ذلك إيران، والسعودية، وتركيا، وماليزيا، وإندونيسيا، وباكستان، ونيجيريا- الصمت، على ما يبدو بسبب قلق تلك البلدان من إمكانية إغضاب بكين ، بحسب صحيفة "الأندبندنت" البريطانية.

 

 وتعرَّض عددٌ من كبار المفكرين الإيجوريين المعاصرين للاضطهاد. إذ سُجِن بيرهات تورسون، وهو أحد كبار الشعراء والكُتَّاب في اللغة الإيجورية، في فبراير 2018.

 

وأُفيد بوفاة نور محمد ياسين، وهو مؤلف، داخل السجن عام 2011. واتُّهِم كل هؤلاء بدعم الإسلام السياسي أو المجموعات الانفصالية ذات التوجهات القومية التركية التي تعتبرها الصين تنظيمات إرهابية.

 

ومؤخرًا منعت المقيمين في إقليم شينجيانغ من الاتصال بأقاربهم في الخارج، مهددة من يخالف هذا الأمر بالاعتقال والإخفاء القسري.

 

في الآونة الأخيرة، كثرت أحداث الاختفاء الذي تتعرض له اقلية الإيجور المسلمة، فقد وثق مشروع حقوق الإنسان الإيجوري الأمريكي في الشهر الماضي اختفاء نحو 338 من الأكاديميين والأطباء والصحفيين وغيرهم من الباحثين منذ 2017 في ظروف غامضة في إقليم شينجيانغ، حيث تحتجز الصين أكثر من مليون من الإيجور في معسكرات يخضعون فيها لشتى أنواع التعذيب.

 

تركيا تتنقد

 

جاء بيان الخارجية التركية يوم 9 فبراير مدفوعاً بالتقارير حول وفاة هييت، الذي سُجِن قبل ثماني سنوات.

 

بثَّت الصين بعد ذلك مقطع فيديو للشاعر والموسيقار الإيجوري يؤكِّد وجوده في السجن وخضوعه للتحقيق، وأصرَّت على أنَّه في صحة جيدة. لكنَّ هذه الحادثة جاءت بعد أشهر من الضغط من جانب مجموعاتٍ إسلامية تركية مُحافِظة تضغط على أنقرة للتحرُّك بشأن قضية الإيجور.

 

وتجاوز البيان التركي قضية هييت، فتطرَّق إلى قضية تعامل الصين مع الإيجور، ودعا بكين لإغلاق "معسكرات الاعتقال" التي تصفها الصين بأنَّها منشآت للتدريب المهني، بحسب الصحيفة البريطانية.

 

وفي أغسطس الماضي، قالت لجنة حقوقية تابعة للأمم المتحدة إنها تلقت تقارير ذات مصداقية عن أن مليونين أو أكثر من الإيجور محتجزون فيما يشبه "معسكر اعتقال ضخم".

 

بينما نفت بكين وجود معسكرات إعادة التأهيل والتثقيف تلك، قال شهورات زاكير، رئيس حكومة شينجيانغ، في تصريحات إلى وكالة شينخوا الصينية الرسمية، في أكتوبر ، إنَّ المنشآت هي أداة فعالة لحماية البلد من الإرهاب وتوفير التدريب المهني للأويجور.
 


وجاء في البيان الذي تلاه الناطق باسم الخارجية التركية حامي أقصوي: "لم يعد سراً أنَّ أكثر من مليون من الإيجور الأتراك يتعرَّضون لاعتقالاتٍ تعسفية وتعذيب وغسيل دماغٍ سياسي في معسكرات الاعتقال والسجون. كما أنَّ الإيجور غير المُحتجزين في هذه المعسكرات يتعرَّضون لضغطٍ شديد".

 

الصين ترد بقسوة

 

 ردَّت الصين بقسوة غير معهودة. فأصدرت السفارة الصينية في أنقرة بياناً يرفض الاتهامات باعتبارها "مُختلَقة من العدم"، لافِتةً إلى أنَّ تركيا هي الأخرى تواجه تهديدات من الإرهاب.

 

فقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية هوا تشون يينغ يوم 11 فبراير: "أخطأ الجانب التركي خطأً فادحاً وغير مسؤول بإطلاقه اتهامات لا أساس لها".

 

 وأصدرت بكين في اليوم التالي تحذير للمواطنين الصينيين من السفر إلى تركيا.

 

 واتهمت صحيفة Global Times، وهي صحيفة موالية لبكين، تركيا بالانقياد لـ"الأخبار الزائفة"، وانتقدت تعامل تركيا مع الأقلية الكردية لديها.

 

ووفقاً لقسم الرصد لدى هيئة الإذاعة البريطانية BBC، فإنَّ الأنباء بشأن وفاة هييت ظهرت لأول مرة في منشورٍ على موقع فيسبوك نشره أحد المغنين الشعبيين الأتراك، زَعَم فيه أنَّ هييت مات في السجن بعد تعرُّضه لتعذيبٍ شديد.

 

 وبعد ظهور مقطع الفيديو الخاص بهييت وانتقاد الصين لتركيا، شعر بعض الإيجور من إمكانية تراجع أنقرة عن بيانها. لكنَّ تركيا تمسكَّت به.

 

صدام دبلوماسي

 

يأتي هذا الصدام الدبلوماسي في وقتٍ تسعى فيه تركيا لتحسين علاقاتها مع شركائها القدامى في أوروبا وتقليص جهودها الوليدة لبناء علاقات تجارية واستثمارية مع الصين.

 

وبدا أنَّ بيان وزارة الخارجية إشارة على فتح الباب على مصراعيه في ما يتعلَّق بقضية الإيجور، التي باتت سريعاً موضوعاً ساخناً في البرامج الإخبارية العامة.

 

 فقال مراد يشيلتاش، وهو محلل أمني بمركز أبحاث "سيتا"، وهو مركز أبحاث مُقرَّب من الحكومة التركية: "لا يوجد أي سبب كي تخشى تركيا الصين. فالاقتصاد التركي ليس معتمداً على الصين. ولا يوجد تعاونٌ عسكري".

 

 وينظر بعض الخبراء في الشأن التركي إلى أنَّ الدافع وراء هذا التحوُّل المفاجئ من جانب أنقرة هو السياسة الداخلية. إذ يواجه حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتخاباتٍ بلدية الشهر المقبل يُنظَر إليها باعتبارها أول اختبار لشعبية حكومته بعد الأزمة المالية التي ضربتها العام الماضي.

 

 ويُنظَر إلى أنَّ كلا الحزبين القوميين –حزب الخير الذي تتزعمه ميرال أكشينار وحزب الحركة القومية الذي يتزعمه دولت بهتشلي- يجتذبان الأصوات من حزب العدالة والتنمية.

 

لماذا الآن؟

 

يتساءل سليم سازاك، وهو باحث في الشأن التركي بجامعة براون الأمريكية: "لماذا الآن؟ الإجابة هي الانتخابات. أكشينار توجِّه لهم ضربات قوية. وهناك تململ في صفوف قاعدتهم الشعبية، من جانب كلٍ من حزب الحركة القومية والمحافظين داخل الحزب".

 

 ويضيف سازاك أنَّه في هذه الانتخابات المتقاربة، "أي شيء قد يُغيِّر مسار الانتخابات"، بحسب الصحيفة البريطانية.
 

لكنَّ آخرين يرفضون هذه النظرية، لأنَّ كل شيء في الانتخابات التركية يتعلَّق بالمخاوف الاقتصادية، ويعتبر الكثيرون أنَّ التعامل مع أقلية في دولة بعيدة مجرد مسألة ثانوية في الانتخابات.

 

ويقول يشيلتاش: "لا أعتقد أنَّ الأمر يتعلَّق بالانتخابات. فالمبادئ أولاً. تتعامل الحكومة مع هذه القضية الآن لأنَّ المشكلة تسوء. الشعب التركي حساس تجاه هذه القضية ويرغب في معالجتها على المستوى الحكومي".

 

ويقول أيوب إنَّ الكثير من الإيجور كذلك يتساءلون عما إن كان دفاع تركيا الصريح المفاجئ عن أقاربهم في الصين يعود إلى الوضع السياسي الداخلي أم الخارجي، لكنَّه كان ممتناً أيَّاً ما كان الدافع.

 

 ويضيف: "يقول البعض إنَّ تركيا لم تتمكَّن من الحصول على ما كانت ترغبه من الصين. وأيَّاً ما كان الأمر، فهذه بداية جيدة وإشارة إيجابية لنا. لأنَّ تركيا طرف فاعل رئيسي في الشرق الأوسط، وقد تناصرنا بعض الدول بعد (موقف) تركيا".

 

الإيجور في الصين
 

الإيجور هم قومية من آسيا الوسطى ناطقة باللغة التركية وتعتنق الإسلام يعيش أغلبها في إقليم شينجيانغ الذي كان يسمى تركستان الشرقية قبل ضمه من قبل الصين.

 

وقبل الاستقرار في تركستان الشرقية بغرب الصين كان الإيجور قبائل متنقلة تعيش في منغوليا، وقد وصلوا إلى هذا الإقليم بعد سيطرتهم على القبائل المغولية وزحفهم نحو الشمال الغربي للصين في القرن الثامن الميلادي.

 

واللغة الأويجورية هي لغة قارلوقية، من الغات الترکية ويستعملون الحروف العربية في كتابتها إلى الآن.

وكان الإيجور يعتنقون عددا من الديانات على غرار البوذية والمسيحية (النصطورية)، والزرادشتية إلى حدود القرن العاشر الميلادي حيث دخلوا في الإسلام و غالبيتهم سنية حنفية، وأقلية شيعية إسماعيلية.

 

وتتمتع شينجيانغ بالحكم الذاتي داخل الصين مثل إقليم التبت في جنوب البلاد.


ومنذ 1949، تسيطر بكين على الإقليم الذي يعد موطن أقلية "الإيجور" التركية المسلمة، وتطلق عليه اسم "شينجيانغ"، أي "الحدود الجديدة".

 

 ويعتبر إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية سابقا) أحد الأقاليم الصينية الخمسة التي تتمتع بحكم ذاتي، وبحسب أرقام الحكومة الصينية فإن أكثر من نصف سكان الإقليم هم من المسلمين الذين ينتمون أساسا إلى عرق الإيجور.

 

 وقام السكان الإيجور بعدة ثورات في القرن العشرين للاستقلال عن الحكومة المركزية في بكين، أبرزها ثورة 1944 التي نجحوا على إثرها في إعلان دولة تركستان الشرقية المستقلة، لكن سرعان ما ضمتها الصين الشيوعية عام 1949.

 

ومنذ ذلك الحين وهم يتعرضون لحملات قمع متواصلة من حكومة بكين طالت كل مناحي الحياة، وأسفرت عن تغيرات بنيوية شملت الديموغرافيا والثقافة والدين واللغة، وجميع مناحي الحياة.

 

 ويتمتع الإقليم بثروات طبيعية هائلة، أهمها الفحم والغاز الطبيعي والنفط الذي يسد حوالي 80% من الاحتياج الصيني، ولا يمكن أيضا إغفال مساحة الإقليم الشاسعة التي تمثل خمس مساحة الصين والتي طالما كانت تشكل هاجسا أمنيا بالنسبة للسلطات الصينية لتقاطع حدودها مع خمس دول مسلمة.

 

 وحتى عام 1949 كان الإيجور يمثلون 80% من سكان إقليم تركستان الشرقية، ومارست السلطات الصينية صنوفا مختلفة من القمع والاضطهاد ضد أبناء قومية الإيجور، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف منهم إلى الدول والمناطق المجاورة.
 


ومهدت هذه الهجرة الطريق أمام الحكومة الصينية لحث الصينيين من قومية الهان على الهجرة إلى الإقليم تحت شعار الانفتاح والتعايش السلمي بين القوميات، وهو ما أدى بشكل تدريجي إلى زيادة في نسبة السكان من قومية الهان الصينية الذين أصبحوا يمثلون اليوم قرابة 42% من سكان الإقليم البالغ عددهم 24 مليونا.

 

وتشير إحصائيات رسمية إلى وجود 30 مليون مسلم في البلاد، 23 مليوناً منهم من الإيجور، فيما تؤكد تقارير غير رسمية أن أعداد المسلمين تناهز الـ100 مليون، أي نحو 9.5 بالمائة من مجموع السكان.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان