رئيس التحرير: عادل صبري 02:51 مساءً | الخميس 24 يناير 2019 م | 17 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 21° صافية صافية

أطفال فلسطين.. «ملائكة» يقاومون انتهاكات الاحتلال

أطفال فلسطين.. «ملائكة» يقاومون انتهاكات الاحتلال

العرب والعالم

جرائم الاحتلال لا تنتهي

أطفال فلسطين.. «ملائكة» يقاومون انتهاكات الاحتلال

أحمد علاء 28 ديسمبر 2018 22:20
في كل مرة يشن فيها الاحتلال الإسرائيلي حملة غارات أو اعتقالات يُفاجئ بصدورٍ تتلقف الموت؛ طلبًا للشهادة ودفاعًا عن تراب الوطن، يقف المحتل يتساءل: ها أنتم ثانية، ألم أقتلكم؟، فيرد المناضلون: "نعم قتلتنا ونسينا أن نموت". 
 
على مدار تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، خاض الأطفال الفلسطينيون مراحل مهمة من النضال المشروع ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وفضحه بأبسط الطرق والأساليب أمام عالمٍ صامت لا تحركه انتهاكات الاحتلال.
 
في فلسطين، لا يقتصر تواجد الأطفال في الملاعب أو الحدائق أو المدارس والنوادي، بل يمكن رؤيتهم يتقدمون الصفوف الأولى في الفعاليات الوطنية والمواجهات مع جيش الاحتلال، وفي المسيرات يحملون علم وطنهم، ويرددون الهتافات، بل في كثير من الأحيان يردد الكبار الهتاف وراء طفل يُحمل على الأكتاف، ليكون ذلك الطفل مشروع قائد. 
 
أشهر ما ارتبط بهذا النضال الملائكي الرقيق يتمثل في تسمية "أطفال الحجارة" التي برزت خلال أحداث الانتفاضة الأولى عام 1987، وذلك بعد انتشار عدة صور لأطفال عزّل في المدن والقرى الفلسطينية، يحملون الحجارة مجتمعين في مواجهة الآليات العسكرية والرصاص الكثيف الذي كان يرد به جنود الاحتلال الإسرائيلي.
 
يعج التاريخ الفلسطيني بالكثير من النماذج البطولية للأطفال المناضلين، أشهرهم الشهيد محمد الدرة، والذي احتلت لقطة استشهاده وسائل الإعلام العربية والعالمية لعدة أعوام إبان اندلاع انتفاضة الأقصى.
 
استشهد "محمد" وهو في سن 12 عامًا، وهو يحتمي في حضن والده خلف حاجز أسمنتي، وقد ساهم هذا المشهد في الإسراع من وتيرة انتفاضة الغضب، وقد ظلّ صوت الأب حاضرًا في أذهان الكثيرين حين صرخ: "مات الولد .. مات الولد".
 
وأثارت الطريقة البشعة في اغتيال الطفل في 30 سبتمبر 2000 في قطاع غزة، غضبًا فلسطينيًّا سرعان ما تحوّل إلى مواجهات عنيفة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي في مناطق عدّة في فلسطين، كما خرجت العديد من التظاهرات في العالم العربي تطالب بوقف أعمال القتل بحق الأطفال.
 
"إيمان حجو" أيضًا شكّلت علامة لافتة في سجّل انتهاكات الاحتلال، فالرضيعة - صاحبة الأشهر الأربعة فقط - خطفها الظلم والقهر الإسرائيلي من حضن أمها، بعد أن اخترقت شظية قذيفة جسدها الوهن.
 
وقعت الحادثة في 7 مايو 2001، تزامنًا مع "انتفاضة الأقصى"، حيث قصفت مدفعية الاحتلال مخيم خانيونس في قطاع غزة، واخترقت إحدى شظايا القصف جسد إيمان، بينما أصيبت أمها بجروح بالغة، في جريمة بشعة، أضيفت إلى انتهاكات الاحتلال.
 
وفي الفترة الأخيرة، مثّلت الطفلة عهد التميمي التي اعتقلت ثم أفرج عنها لاحقًا، حالة نموذجية على نضال الأطفال ضد الاحتلال.
 
"عهد"، طفلة شقراء مثلت في سن صغيرة (16 عامًا) أيقونةً للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.
 
وُلدت "عهد" الطالبة في الثانوية العامة، الفرع الأدبي في مدرسة البيرة الثانوية للبنات، بقرية النبي صالح شمالي رام الله في 30 مارس 2001، وفي الرابعة من عمرها ظهرت كأصغر الفتيات اللواتي يتوسطن جموع المحتجين على اعتداءات الاحتلال في القرية، لتجدها بجوار أمها تشارك في غالبية المسيرات المناهضة الاحتلال، حتى لفتت أنظار العالم لها وهي في عمر العاشرة، حين أخذت تدفع جنود الاحتلال عن أمها "ناريمان التميمي" خلال مسيرة سلمية مناهضة للاستيطان في أغسطس 2012.
 
واصلت الفتاة نهج التصدي والتحدي لجيش الاحتلال في اعتداءاته على عائلتها وجيرانها، حتى وقعت الحادثة الثانية التي أظهرت شجاعتها، إذ شاركت أمها في تخليص شقيقها "محمد" من يد جندي للاحتلال داهم الطفل على صخرة وهو مكسور اليد في العام 2015، وأشيد حينها بشجاعة تلك الطفلة التي تمكنت من تخليص شقيقها من الاعتقال.
 
وحين وصلت "عهد" سن المراهقة لم تنشغل بما يمكن أن يشغل بنات جيلها، فقد استغلت شجاعتها في الميدان، وكانت تمنع جنود الاحتلال من اعتقال شبان قريتها، ومنعتهم أكثر من مرة من استهدافهم بالرصاص الحي والمعدني المغلف بالمطاط، وكان آخرها في حادثة اعتقالها؛ إذ رفضت الفتاة ترصد قوات الاحتلال بالشبان من أمام بيتها.
 
 
 
ولمواقفها الشجاعة المتعددة، حصلت "عهد" على جائزة حنظلة للشجاعة عام 2012 من قبل بلدية باشاك شهير التركية، وهي تطمح إلى دراسة القانون لتصبح محامية، وتقول: "لمّ أكبر بدّي أصير محاميّة؛ لأساعد أهلي ووطني والأسرى، لأظهر للعالم ولمحكمة العدل العليا الدولية (تقصد محكمة لاهاي الدولية) حقوق أبناء شعبي"، وتضيف: "هناك قوانين لحقوق الإنسان يجب أن تطبّق، ويكون هناك عدل بين الفلسطينيين وبقيّة الشعوب، لازم تنتهي العنصريّة بالعالم". 
 
وفي نهاية العام الماضي، شنّ إعلام الاحتلال حملة شرسة ضد "عهد"، بعد أن انتشر فيديو لها وهي تصفع جنود الاحتلال المدججين بالسلاح وتطردهم من بيتها، حيث خرج وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينت يقول: "يجب أن تقضي تلك الفتاة سنواتها في السجن".
 
وقد اقتحم الجنود الصهاينة دارها، واعتقلوها دون مرعاه لحداثة عمرها في ديسمبر من العام الماضي، ولا لأي مواثيق دولية لحماية الأطفال، بل صرح متحدث جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي: "تخيلوا ماذا كان ليحدث لهذه المستفزة لو تصرفت بهذا الشكل مع ضباط أو جنود عندكم؟".
 
واعتقلت قوات الاحتلال "الطفلة عهد" برفقة والدتها، ووجّهت إليها تهمة صفع جندي إسرائيلي، بعدما تمت مداهمة منزلها، وبعد جلسات من التحقيق والمحاكمات، تقرر حبس عهد لمدة ثمانية أشهر، ووالدتها لمدة خمسة أشهر.
 
حالة أخرى تجسّدت في الطفل "خالد" الذي انضم إلى تعداد الأسرى في سن صغيرة، ليسير على درب أبيه الذي سبقه ونال شرف الاعتقال أيضًا.
 
"خالد" ابن بلدة بيت عنان شمال غرب القدس، أبوه اعتُقل أربع مرات، أولها عام 1984 وقتما كان عمره 16 عامًا، حين استهدفه الاحتلال عقاباً على نشاطه في الانتفاضتين الأولى والثانية.
 
حمل "حسام" صفة الأسير، وبعد مرور سنوات، في ديسمبر 2014، أصبح يحمل صفة "والد أسير"، إذ اعتُقل ابنه خالد، ابن الـ14 عامًا.
 
يتحدث والد الطفل لـ"مصر العربية" قائلًا: "ابني اعتقله أثناء ذهابه للتنزه في البلدة، اعترضته قوات الاحتلال، فأطلق عليهم الحجارة، فقُبض عليه، ثمّ اقتيد إلى سجن عوفر الذي خصّصه الاحتلال للأطفال المعتقلين.
 
ويضيف أنّ تجربة الاعتقال أثّرت عليه نفسيًّا بشكل كبير، كما أثرت عليه صحياً بعد حرمانه من تناول الدواء وهو يعاني من ضعف الدم. 
 
ويتابع: "اعتقال طفل عمره 13 سنة أمر غير طبيعي، لكن في الوقت نفسه هذا الأمر يعطينا الكثير من القوة في مواجهة الاحتلال، ويعلّمنا حب الوطن وأن نضحي بأنفسنا من أجل وطننا، لقد كنا نخبر أنفسنا بذلك في المعتقل".
 
ويؤكّد أنّهّ "مرّ بظروف قاسية في الاعتقال"، وتحدّث عن "انتهاكات تعرّض لها منها نقص الملابس ومنع أسرته من زيارته، بالإضافة إلى الضرب في بعض الأحيان وإتباع أساليب قمعية من أجل تخويفهم".
 
ورغم أنّ الاحتلال عمد من خلال اعتقال الطفل إلى ترهيبه ليكره القضية ولا ينضم إلى كتيبة الأطفال المقاومين، لكنّ العكس هو ما حدث، ويذكر خالد: "داخل المعتقل، عرفت تفاصيل كثيرة عن المقاومة الفلسطينية، وهذا من خلال الأسرى المعلمين.. كانوا يحكون لنا ماذا تعني المقاومة وأهميتها ضد الاحتلال، لذلك قررنا أن نثبت على موقفنا وأن نظل مقاومين مناضلين حتى تحرير الأرض والوطن".
 
ويوضح والد الطفل: "بحكم تجربتي ضد الاحتلال وفي المعتقل، نربي أطفالنا على حب الوطن والمقاومة.. نغرس فيهم فكرة أنّ الأرض لن تُسترد إلا بالمقاومة وحتى بالتضحية لأننا أصحاب حق".
 
وفي حالة نضالية أخرى، تنتشر بين الأطفال الفلسطينيين ما تُسمى بـ"لعبة جيش وعرب"، وهي من الألعاب الشعبية الفلسطينية، التي يشارك بها فريقان من الأطفال، أحدهما يلعب دور الجنود الإسرائيليين، والفريق الآخر لأطفال يرشقون الحجارة، أو مقاومين يطلقون الرصاص باتجاه الجنود. 
 
ولا شكّ أنّ تربية الأطفال منذ الصغر تلعب دورًا مهمًا في هذا الإطار، لا سيّما أنّهم دائمو التعرض لمشاهد انتهاكات يمارسها الاحتلال ضد الشعب الأعزل.
 
تعليقًا على ذلك، يقول مدرب التنمية البشرية مخلص سمارة، إنّه لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين تربية الأطفال في الأراضي الفلسطينية وبين تلك المشاهد التي اعتادوا رؤيتها على شاشات التلفاز، أو حتى أمام أعينهم أثناء المرور عبر الحواجز الإسرائيلية. 
 
ويضيف في تصريحات تلفزيونية: "الاحتلال ومفرزاته حاضرة، تلقي بظلالها على طريقة تفكير وتصرفات الأطفال، والحالة النفسية لهم، وبالتالي انعكاسها على ردود أفعالهم وطريقة تفكيرهم، التي ستنصب جلها في محور الاحتلال وكراهيته ورفضه وصولًا إلى مجابهته". 
 
ويتابع: "كما أنّ العنف داخل الأسرة والشارع والمدرسة ينعكس على الحالة النفسية للطفل، فالاحتلال بممارساته وأفعاله يترك الآثار الكبيرة على الطفل وتصرفاته وقناعاته، ويتشربها يومًا بعد يوم طالما السبب بقي حاضرًا أمام عينيه".
 
ويوضح سمارة أساليب التربية الواجب إتباعها مع الأطفال لا سيّما الأطفال الذين يتعرضون لانتهاكات الاحتلال بشكل مباشر: "إذا كانت العائلة والأسرة تربي أبناءها على رفض الظلم والاعتداء من ابن بلده وجاره وتطالبه بالرد على أي إساءة، فمن باب أولى أن نعلم أبناءنا أن الاحتلال بكافة أشكاله مرفوض، وأن نغرس في وجدان كل طفل من أطفالنا ثوابتنا التي نريد". 
 
سياسيًا، يقول الدكتور أيمن الرقب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس إنّه "منذ نشأة الاحتلال، كان يراهن على أنّ الأجيال ستنسى، لكن وقائع عديدة ومنها مسيرات العودة التي انطلقت في قطاع غزة مؤخرًا أثبتت فشل ذلك، فالأطفال تقدموا الصفوف بالآلاف ليؤكدوا إصرارهم على العودة إلى أرضهم".
 
ويضيف: "منذ أن وطأت أقدام الاحتلال أرض فلسطين، لم ينعم أطفالها، كما ينعم كل أقرانهم في العالم، بعيش طفولتهم ولم يتمتعوا بممارسة هواياتهم، لكنّ عندما يُولد الطفل الفلسطيني فإنّه يولد ومعه الهم لأنه موجود تحت الاحتلال ويتحمل أعباء الأوضاع المترتبة عنه".
 
ويفسّر "الرقب" نضال الأطفال الفلسطينيين ضد الاحتلال على مدار التاريخ، ويقول: "الطفل الفلسطيني في الداخل يجد أنّ أحد أفراد أسرته وربما كلهم قد اعتقلوا أو استشهدوا، وبالتالي يرضع الوطنية منذ بداية طفولته، وينتج عن ذلك أن يصبح جزءاً من هذه الحالة".
 
ويتابع: "الظروف في الداخل فرضت نفسها، وتجربة الخارج ارتبطت بنموذج آخر وهو وجود فلسطينيي المهجر الذين تعرضت بعض مخيماتهم للدك والقصف مثلما حدث في لبنان، في عدة مناسبات أكبرها ما حدث في بيروت عام 1982، حين قتل الإسرائيليون الأطفال جنبًا إلى جنب مع الفدائيين الفلسطينيين، ومن ثم أطلق عليهم لقب أطفال الآر بي جي".
 
ويذكر الرقب: "أطفال فلسطين.
 
ويختم: "الرهان معقود على هذه الأجيال التي تكبر، وفي آخر إحصائية كانت نسبة مَن هم دون الـ18 عامًا في المجتمع الفلسطيني 65%، ما يعني أنّ هذه النسبة من المجتمع أطفال، بحسب المعايير الدولية، وبالتالي نتحدث عن مجتمع فتي وناضج ونسبة الرجولة فيه عالية جداً، وهذا يؤكد أنّه لا يزال هناك أمل رغم سوداوية الصورة في المنطقة بشكل عام.
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان