رئيس التحرير: عادل صبري 10:27 مساءً | الاثنين 21 يناير 2019 م | 14 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 14° غائم جزئياً غائم جزئياً

انتفاضة الخبز.. رياح عاتية تهز عرش البشير

احتجاجات يقودها «الفقر»

انتفاضة الخبز.. رياح عاتية تهز عرش البشير

أحمد علاء 24 ديسمبر 2018 23:00
"يمر الوقت، يزداد الحراك، يكثر الصخب.. الرئيس السوداني في خطر".. لا يزال تعج الشوارع السودانية بالاحتجاجات العنيفة في أزمة ربما لم يمر الرئيس عمر البشير بخطرٍ يضاهيها.
 
أعاد السودان، منطقة الشرق الأوسط إلى أجواء ما بعد 2011، عندما اندلعت ثورات الربيع العربي، إذ يشهد البلد الواقع في شمال شرق القارة السمراء احتجاجات شعبية أطلق عليها "انتفاضة الخبز".
 
المظاهرات التي انطلقت يوم الأربعاء الماضي، تندّد بتدهور الأوضاع الاقتصادية في ظل انعدام الخبز ووقود السيارات وندرة السيولة النقدية، حيث تدهورت قيمة العملة المحلية (الجنيه) ليبلغ في السوق الموازية (غير الرسمية) إلى 60 جنيهًا مقابل الدولار الواحد، وجرّاء ذلك يعاني السودان من أزمات في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي.
 
الاحتجاجات، التي تبدو في ظاهرها اقتصادية، يرى مراقبون محليون أنّها تعبير عن أزمة سياسية لم تفلح الحلول الحكومية في معالجتها، ويذهب بعضهم إلى أنّ الحلول الاقتصادية المتكررة من جانب الحكومة لن تنجح ما لم تسبقها إصلاحات سياسية.
 
ميدانيًّا، اتسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل 12 ولاية من أصل 18، واندلعت في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل "شمال"، حيث تظاهر الآلاف من طلاب المدارس والجامعات والمواطنين هناك، منددين بانعدام الخبز، وارتفاع سعره لحوالي 3 جنيهات لقطعة الخبز الواحدة إن وجدت.
 
كما شهدت مدينة بورتسودان (شمال شرق) احتجاجات مماثلة شارك فيها المئات.
 
والخميس الماضي، اتسعت دائرة الاحتجاج وفق رصد لوكالة الأناضول التركية لتشمل - بجانب عطبرة وبورسودان - سبع مدن رئيسية أخرى، هي الخرطوم (وسط)، الفاشر (غرب)، كسلا (شرق)، دنقلا (شمال)، القضارف(جنوب شرق)، بربر والدامر (شمال) وسنار (جنوب).
 
وفي اليوم التالي، امتدت الاحتجاجات إلى مدن ربك (مركز ولاية النيل الأبيض)، الجزيرة أبا في الولاية نفسها، ومدينة الأبيض (مركز ولاية شمال كردفان)، بحسب وسائل إعلام محلية.
 
وتجددت الاحتجاجات، أول أمس السبت، في كل تلك المدن، إصافة إلى مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، واتسعت أمس، لتشمل مدينتي أم روابة بولاية شمال كردفان، والترتر بولاية جنوب كردفان (جنوب)، حيث ندد محتجون بالغلاء، وطالبوت بـ"إسقاط النظام".
 
‎وإجمالًا، شملت الاحتجاجات 15 مدينة في 12 ولاية، هي: نهر النيل (شمال)، الولاية الشمالية (شمال)، كسلا (شرق)، القضارف (شرق)‎، سنار (شرق)، البحر الأحمر (شرق)، الخرطوم (وسط)‎، الجزيرة (وسط)، شمال كردفان (جنوب)، جنوب كردفان (جنوب)، النيل الأبيض (جنوب)‎، شمال دارفور (غرب).
 
ومع اندلاع الاحتجاجات، بدأت السلطات السودانية في إعلان حالات الطوارئ، وكانت بداية تطبيقها في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، تلتها ولايات القضارف، النيل الأبيض، شمال كردفان، ومدينة دنقلا (شمال)، كما علقت الحكومة الدراسة بجميع مراحلها في تلك الولايات، إضافة إلى ولاية النيل الأزرق (جنوب شرق) والخرطوم (وسط).
 
ولم تخلُ الاحتجاجات من أعمال العنف، حيث تعرضت مبانٍ حكومية ومقرات لحزب المؤتمر الوطني الحاكم للتخريب والحرق، وأُحرقت مباني الإدارة المحلية والحزب الحاكم في سبع مدن، هي عطبرة، الدامر، الأبيض، القضارف، الرهد، ودنقلا، ربك، وبلدة الزيداب (شمال).
 
كما تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لسيارات دفع رباعي تابعة للقوات النظامية محترقة في القضارف.
 
وحتى أول أمس السبت، أعلنت السلطات السودانية سقوط ثمانية قتلى في ولايتي القضارف (شرق) ونهر النيل (شمال).
 
وإضافة إلى الحصيلة الحكومية، أعلن نشطاء سودانيون عن سقوط قتيل في الجزيرة أبا وآخر في دنقلا وأربعة في عطبرة.
 
بينما قال رئيس تحالف "نداء السودان" المعارض، زعيم حزب الأمة، الصادق المهدي، السبت، إن لدى حزبه حصيلة مفصلة بسقوط 22 قتيلًا وعشرات المصابين بمختلف المدن.
 
فيما أعلن تحالف قوى الإجماع الوطني "يضم أحزاب معارضة"، السبت، اعتقال 14 من قياداته، بينهم رئيسه فاروق أبو عيسى، أثناء اجتماع للتحالف في مدينة أم درمان بالعاصمة الخرطوم.
 
وذكرت وسائل إعلام محلية أنّ عدد المعتقلين من قيادات التحالف بلغ 43 معتقلًا.
 
واليوم ذاته، اعتقلت السلطات السودانية الأمينة العامة لحزب الأمة المعارض، سارة نقد الله، والقيادي بالحزب، إبراهيم الأمين.
 
كما أعلنت السلطات السودانية توقيفها لخلية بولاية الخرطوم كانت "تخطط لتنفيذ عمليات تخريبية على غرار ما حدث ببعض الولايات"، بحسب الوكالة السودانية الرسمية للأنباء.
 
ولم تشر الوكالة إلى أعداد الموقوفين ولا نوع الأعمال التي كانوا ينون تنفيذها.
 
لكنها ذكرت أن الخلية تضم كوادر حزبية معارضة، وأنها تعمل بتنسيق تام مع الحركات المسلحة، و"تم اتخاذ إجراءات قانونية" في مواجهتها. 
 
موقف الجيش أعلن في بيان رسمي، أمس، حيث أكّد التفافه حول قيادته، وحرصه على "مكتسبات الشعب".
 
ورئيس الجمهورية، عمر البشير، هو القائد الأعلى للجيش ويحمل رتبة مشير.
 
وشدد الجيش على حرصه على "مكتسبات الشعب وأمن وسلامة المواطن في دمه وعرضه وماله".
 
وأضاف أنّه يعمل ضمن منظومة أمنية واحدة ومتجانسة، تشمل القوات المسلحة، الشرطة، قوات الدعم السريع، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني.
 
كما صرح مدير المخابرات السوداني صلاح قوش، بأنّ "الأجهزة الأمنية رصدت تحركات لمنسوبين لحركة عبد الواحد (المتمردة)، قادمين من إسرائيل يخططون لتنفيذ أعمال تخريبية".
 
ويتزعم عبد الواحد محمد نور حركة "جيش تحرير السودان"، التي تقاتل الحكومة السودانية في إقليم دارفور (غرب).
 
وأضاف قوس، بحسب وسائل إعلام محلية، أنّ "العائدين من إسرائيل يبلغ عددهم 280، وبعضهم تم تجنيده من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية".
 
وفي تطور لافت اليوم الاثنين، بدأ في السودان اليوم إضراب عام في إطار موجة الاحتجاجات؛ تلبيةً للدعوة التي أطلقها "تجمّع المهنيين السودانيين".
 
الأكثر من ذلك، أصدر تجمّع المهنيين بيانًا قال فيه إنّه قرّر تسيير تظاهرة غدًا الثلاثاء إلى القصر الجمهوري "لتسليم مذكرة لرئاسة الجمهورية تطالب بتنحّي الرئيس فورا عن السلطة استجابة لرغبة الشعب السوداني وحقناً للدماء".
 
وأضاف البيان أنّ التجمّع يقترح إذا ما وافق البشير على التنحّي أن "تتشكّل حكومة انتقالية ذات كفاءات وبمهام محدّدة ذات صبغة توافقية بين أطياف المجتمع السوداني".
 
تختلف الالسودان" target="_blank">مظاهرات السودانية عما سبقها من رياح غضب محدودة، ربما كان البشير أول من يدرك عدم التأثر بـ"خماسينها"، بينما انتفاضة الخبز الدائرة حاليًّا تُشكل الكثير من الخطر على استقرار النظام.
 
ويرى محللون أنّ عدم وجود قائد لهذه الانتفاضة ربما يكون مؤشرًا على زيادة فرص نجاحها إلى حدٍ بعيد، فالسلطات لن تجد حزبًا سياسيًّا أو طرفًا ثوريًّا يمكن الحوار معه.
 
يُضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية الحادة التي تضرب البلاد رغم امتلاكها ثروات هائلة، يقول المحتجون إنّها كافية لتحسين ظروفهم المعيشية.
 
يقول الكاتب والمحلل السوداني يوسف جلال إنّ المظاهرات في السابق كانت تعبّر إما عن طبقة سياسية أو طبقة اجتماعية محددة لكنّ في المرحلة الراهنة يسود غضبٌ شديدٌ لدى فئات كثيرة تضررت من الأزمة الاقتصادية. 
 
ويضيف في تصريحات تلفزيونية، أنّ البلاد تشهد أزمة اقتصادية طاحنة، تطال تأثيراتها السلبية كل المواطنين في البلاد، مشيرًا إلى أنّ ذلك أوجد حالةً من الغضب في قطاعات واسعة بالسودان، لا سيّما في ظل ما أسماه "الفشل المتنامي" للجهاز الحكومي.
 
ويوضح أنّ القطاع الاقتصادي فشل في إدارة الأزمة في بلدٍ يتمتع بثروات هائلة، وهو ما قاد إلى إشعال حالة من الغضب لا تقتصر فقط على الشارع السوداني بل وصلت إلى دوائر سياسية وأحزاب مشاركة في السلطة، وهي ما تعرف بـ"أحزاب الحوار الوطني".
 
ويشير إلى أنّ الذي يقود المتظاهرين والمحتجين هو الفقر والجوع في البلاد في ظل أزمة وقود كبيرة وشح كبير في النقود سواء العملة السودانية أو النقد الأجنبي، مؤكدًا أنّ فئات كثيرة لا تحصل على الرواتب بالشكل المعتاد، فضلًا عن أزمة الخبز التي هي معروفة للجهاز الحكومي نفسه.
 
ويؤكد أنّ الأزمة تزايدت عندما قامت الحكومة بتقليص حصة الولايات من الدقيق المدعوم بنسبة 20%، الأمر الذي ضاعف من حالة الغضب، موضحًا أنّه لا يوجد أحد يمكن أن يزعم قيادته للمظاهرات سواء قوى سياسية أو حركات شبابية، لكنّ المواطن السوداني خرج من تلقاء نفسه، وهنا يمكن الخطر الذي يحدّق بالحزب الحاكم على اعتبار أنّ المتظاهرين ليسوا مجموعات منظمة.
 
ويلفت إلى أنّ عدم مركزية هذه التظاهرات تُصعّب معاملتها من قِبل الحكومة بسبب عدم وجود أي طرف يمكن التحاور معه، معتبرًا أنّ المطلوب من المؤتمر الوطني أن يسعى لحل الأزمة الاقتصادية، وفي حال فشله في ذلك فإنّ مزيدًا من المظاهرات لا مركزية ولا جغرافية ستواصل تحركاتها بشكل أعنف. 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان