رئيس التحرير: عادل صبري 09:16 صباحاً | الخميس 17 يناير 2019 م | 10 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 14° غائم جزئياً غائم جزئياً

مظاهرات السودان.. غضبٌ يؤشر لثورة (القصة الكاملة)

مظاهرات السودان.. غضبٌ يؤشر لثورة (القصة الكاملة)

العرب والعالم

مظاهرات الجوع في السودان

مظاهرات السودان.. غضبٌ يؤشر لثورة (القصة الكاملة)

أحمد علاء 21 ديسمبر 2018 22:21
لم تكد تمر بضعة أيام على الزيارة السرية المفاجئة التي أجراها الرئيس السوداني عمر البشير إلى سوريا، ولقائه برئيس النظام بشار الأسد حتى عاد إلى بلاده مصطدمًا بتظاهرات، بلغ وضعها الحرج حدًا لا يمكن إنكاره.
 
الأحداث أسفرت عن مقتل ثمانية متظاهرين وإصابة العشرات، خلال الاحتجاجات المستمرة في السودان، والتي امتدت إلى قلب العاصمة الخرطوم.
 
وقال مسؤولان لمحطة تلفزيونية محلية إن ثمانية أشخاص قتلوا في احتجاجات بمدينة القضارف السودانية وولاية نهر النيل أمس الخميس.
 
غضبٌ واشتباكات
 
بدأت التظاهرات الأحد الماضي، في مناطق متفرقة؛ احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية قابلتها الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع.
 
ونشطت دعوات منذ الأسبوع الماضي على مواقع التواصل الاجتماعي تحث السودانيين على النزول للشارع والتعبير عن رفضهم للحال الذي وصلت اليه الأحوال المعيشية بعد موجة غلاء فاحش تبعها ندرة بائنة في الخبز والوقود ما أدى الى انعدام وسائل المواصلات العامة.
 
ورصد موقع "سودان تربيون" احتجاجات في جامعة النيلين بالخرطوم، كما خرج الطلاب والمواطنين في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، والدمازين بولاية النيل الأزرق شارك فيها طلاب المدارس الثانوية.
 
وقال شهود عيان إن الفاشر تشهد منذ أيام ارتفاعًا حادًا في كل السلع، واستيقظت صباح الأحد على انعدام شبه كامل للخبز، بينما عمدت المخابز العاملة الى زيادة سعره بنحو لاقى رفضًا واسعًا وسط المواطنين، وأشعل بعضهم إطارات السيارات على الطرق الرئيسية، وسارع غالب التجار لإغلاق متاجرهم.
 
واحتج مواطنو أحياء "الثورة والرديف " ساندهم طلاب المدارس لكن الشرطة تدخلت لتفريقهم مستخدمة الغاز المسيل للدموع حسبما أورد موقع "دارفور 24".
 
وفي ولاية النيل الأزرق، قال حزب المؤتمر السوداني المعارض إنّ عشرات المواطنين تصدوا بالعصي لقوات الشرطة التي حاولت ملاحقة الطلاب المتظاهرين وشكلوا حماية للطلاب منعًا لاعتقالهم.
 
وأمس الأول الأربعاء، تظاهر المئات في مدن بورتسودان وعطبرة والنهود، احتجاجا على عدم توافر الخبز وارتفاع أسعاره.
 
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية، عن شهود عيان، أنّ متظاهرين أحرقوا مقر الحزب الوطنى الحاكم فى مدينة عطبره، فيما ذكرت وكالة رويترز أنّ لجنة أمن ولاية نهر النيل أعلنت حالة الطوارئ بمدينة عطبرة بعد احتجاج المئات على ارتفاع الأسعار.
 
وأوضحت اللجنة أنه تم فرض حظر التجول من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحا.
 
المؤامرة
 
بينما اتهم مسؤولٌ في حزب المؤتمر الوطني -صاحب الأغلبية الحاكمة في السودان- قوى سياسية معارضة بالعمل على التخريب وإثارة الفتنة وتقويض الأمن والاستقرار، وذلك في أعقاب اندلاع موجة الاحتجاجات العنيفة بمدن عطبرة وبورتسودان ولحقت بها ليلا الدامر والمتمة وأحرقت فيها مباني الحزب.
 
وقال رئيس قطاع الإعلام في حزب المؤتمر الوطني إبراهيم الصديق في تصريح نقلته وكالة السودان للأنباء، ليل الأربعاء، إنّ حق التعبير عن المواقف والآراء مكفول بنص الدستور، لكن التخريب غير مقبول ومرفوض.
 
وأضاف: "ما جرى في عطبرة من بعض المتظاهرين لا يتسق مع مفهوم التظاهرات السلمية ووصفه بمحاولة لزعزعة الأمن والاستقرار".
 
وتابع: "من المؤسف أن تأتى هذه الأحداث من فئة محدودة سعت لإشعال الفتنة بتدبير من حزب عقائدي عجوز هدفه الأساسي ان يعيش الوطن في حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي".
 
وتمثل عطبرة تاريخيًّا إحدى معاقل الحزب الشيوعي السوداني، حيث عرف الحزب هناك بنشاطه العميق وسط النقابات خاصة في السكة حديد.
 
الدائرة تتسع
 
بعد ذلك، اتسعت دائرة الاحتجاجات ضد الغلاء أمس، وشملت ولايات القضارف والخرطوم والشمالية وسنار، وأقرت حكومة القضارف بمقتل شخصين، وإصابة 11 آخرين، وفيما لقي طالبان مصرعهما بكريمة، أعلن الناطق الرسمي باسم حكومة نهر النيل ابراهيم مختار، مقتل شخصين بالعبيدية وبربر، وكشفت المتابعات عن إصابة العشرات في تظاهرات متفرقة.
 
ففي القضارف، خرج طلاب ومواطنون احتجاجًا على حالة الغلاء في أسعار السلع الاستهلاكية، وتم حرق بنك الخرطوم وبنك الجزيرة وهيئة مياه الخرطوم ومقر الكهرباء ودار المؤتمر الوطني وبلدية القضارف، ومخازن ديوان الزكاة وعدد من العربات الحكومية.
 
وأعلنت الوالي المكلف لولاية القضارف عواطف محمد علي الجعلي، مقتل شخصين، وإصابة 11 شخصًا من بينهم إصابة واحدة خطيرة تم تحويلها لمستشفى ود مدني.
 
وأكدت الوالي المكلف، فرض حظر التجوال من الساعة السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً، وقالت إنّ الاوضاع استقرت من بعد عصر أمس وإن القوات الأمنية تسيطر على الموقف تماماً، وأوضحت أن فرض حالة الطوارئ مسؤولية رئيس الجمهورية، وأضافت: "حال تأزم الوضع للحكومة رأي ويمكن فرض الطوارئ".
 
وتابعت: "هناك خسائر فادحة في الممتلكات الحكومية والخاصة يجري حصرها"، وأوضحت أنّ متظاهرين نهبوا المحصولات الزراعية واعتدوا على بعض البنوك وممتلكات ديوان الزكاة، ودعت المواطنين للتحلي بالصبر.
 
تقرير طبي
 
من جانبها، أصدرت لجنة أطباء السودان المركزية، تقريرًا عن الإصابات والوفيات بميادين التظاهر، وقالت إن الأخبار الواردة إليها من مستشفى القضارف تفيد بوفاة 3 أشخاص، بينهم "عثمان" الذي أصيب بطلق ناري اخترق زجاج غرفة العمليات وأصابه وهو يهم بنقل مريض خارج العملية.
 
وأضافت أنّ طوارئ الجراحة بمستشفى القضارف استقبلت ثلاث حالات إصابة بطلق ناري في البطن وحالتي إصابة في الصدر والعديد من الاصابات في الأرجل، وأكدت إصابة الطبيب أحمد محمد عثمان بطلق ناري أمام مستشفى القضارف أثناء تقديمه لواجبه.
 
وأشارت لجنة الأطباء إلى وفاة متظاهر واحد نتيجة إصابة بعيار ناري في مدينة بربر بنهر النيل، وتابعت: "توفي طالبان بالمرحلة الثانوية في مدينة كريمة بالولاية الشمالية، بجانب إصابة طالب بداخلية المجمع الطبي بجامعة الخرطوم برصاصة مطاطية في الرأس، وطالب آخر يعاني من كسور من الدرجة الرابعة بيده قد تحتاج إلى بتر".
 
من جهتها، أشارت قوى المعارضة السودانية بالقضارف -في بيان- إلى إصابة العشرات من المواطنين بالرصاص، تم نقلهم للمستشفيات، وأطلقت نداءً للجميع من أجل المسارعة للتبرع بالدم لإنقاذ الجرحى، وطلبت من المواطنين مواصلة التظاهر بصورة حضارية سلمية.
 
وشهدت مدن سنار ودنقلا وكريمة والعاصمة الخرطوم وأمدرمان احتجاجات، وصلت موقف الاستاد وجاكسون بالخرطوم وشارع العرضة بأمدرمان، حيث خرج مئات الطلاب من جامعات النيلين والخرطوم والسودان والأحفاد والقرآن الكريم، وسيروا تظاهرات في شوارع رئيسية بالخرطوم وأمدرمان.
 
وتصاعدت الاحتجاجات في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل لليوم الثاني على التوالي، رغم إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال في المدينة بقرار من لجنة أمن الولاية، وانضم المئات من المواطنين من مناطق خليوة وكنور شمال المدينة إلى المظاهرات رغم الحصار الذي فرضته قوات الشرطة وإغلاق الكبري الفاصل بين المدينة ومنطقة خليوة، وانطلقت مظاهرة ضمت المئات من المواطنين داخل أحياء (المطار، الشرقي، الشمالي، الحصايا والموردة)، في وقت أغلق تجار السوق الكبير محالهم التجارية.
 
الأمة والإخوان
 
وفي السياق، أعلن حزب الأمة القومي، دعمه للاحتجاجات الشعبية، ودعا كل عضويته بجميع أنحاء البلاد للمشاركة والاحتجاج بكل الطرق السلمية.
 
وأكّد الحزب أنّ حق التظاهر السلمي كفلته كل المواثيق الدولية والأديان والأعراف، كما ناشد كل قطاعات الشعب السوداني بالتعبير الحركي والرفض الواسع للنظام وسياساته التي وصفها بالخرقاء المستهدفة لقمة العيش وحق الحياة.
 
وحذر الحزب -في بيان- السلطات من مغبة التعرض للمتظاهرين، وطالب الشرطة والجيش بحماية المواطنين والانحياز للشارع، وناشد الحزب كافة القوى السياسية والمدنية لخطوات أكثر عملية لتوحيد الصف دعماً للشعب في مسيرته نحـو الحرية، وتعهد الحزب بأنه لن يحيد أبداً عن مطالب الشعب السوداني التي نعتها بالمشروعة، وأضاف: "مقاومة الظلم فرض علينـا وواجـب وطنـي".
 
تفاعلت جماعة الإخوان المسلمين في السودان، مع الأحداث، وأعلنت وقوفها صفًا واحدًا مع المواطن، الذي قالت إنه يعبّر عن غضبه بصورة حضارية دون عنف أو إحراق للممتلكات الخاصة بالدولة أو المواطنين.
 
وشدّدت الجماعة على أنّها ترفض رفضًا باتًا ما وصفته بـ"أحداث التخريب والاعتداء على الأرواح والممتلكات"، مضيفةً: "نقول لمواطنينا الأوفياء: عبّروا عن غضبكم دون أن تدمروا بلدكم".
 
وقال المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين بالسودان علي جاويش -في بيان- إنّ الجماعة تتابع عن كثب الأحداث التي تجرى في البلاد، وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من ضيق وعنت مسّ قوت المواطن وأثّر سلبا على حياته المعيشية.
 
وأضاف: "صفوف الخبز والوقود وانعدام السيولة وجنون الأسعار مع محدودية الدخل الشهري، هذا في الجانب الاقتصادي والمعيشي، أما في الجانب السياسي، فقد اجتمع نفر كريم من أبناء الوطن فيما سُمى الحوار الوطني، وقدم المجتمعون خلاصة أفكارهم لخروج البلاد من النفق المظلم الذي تقبع فيه".
 
غازات الأمن
 
قوات الأمن في السودان أطلقت قنابل الغاز لتفريق المحتجين بعد خروج المئات منهم إلى الشوارع في ضواحي مدينة عطبرة، الخميس، وهم يهتفون بشعارات معارضة للحكومة، بحسب ما قاله شهود.
 
وأعلنت السلطات حالة الطوارئ في المدينة -الأربعاء- عقب احتجاج المئات على زيادة الأسعار وندرة السلع الأساسية، وأشعل المتظاهرون النيران في مقر الحزب الحاكم في المدينة، بحسب ما قاله مسؤولون في ولاية نهر النيل.
 
وأمرت السلطات بإغلاق المدارس بعد فرض حظر التجول في مدينة عطبرة.
 
وقال متحدث باسم حزب المؤتمر الوطني الحاكم إنّ أجهزة الأمن التزمت بدرجة عالية من ضبط النفس في تعاملها مع الاحتجاجات التي وصفها بأنها "عنيفة".
 
وقال رئيس الوزراء معتز موسى، إن الدعم الحكومي لن يرفع مرة واحدة، وإن العائلات ذات الدخل المحدود ستبقى تشتري حاجياتها بأسعار مخفضة.
 
والأربعاء، شهدت مدينة بورتسودان، شرقي البلاد، مظاهرات شارك فيها طلاب في المرحلة الثانوية وآخرون في الجامعة داخل سوق المدينة وأحيائها.
 
أزمات اقتصادية
 
يشهد السودان أزمات اقتصادية حادة منذ سنوات طالت إمدادات الوقود والخبز والدواء وتفاقمت بسبب ارتفاع معدل التضخم وتطبيق سياسات مصرفية جففت السيولة في البنوك.
 
وكان السودان قد شهد احتجاجات واسعة في سبتمبر 2013 عقب رفع الدعم عن الوقود، وواجهتها السلطات باستخدام القوة المفرطة ما أدى إلى مقتل العشرات حينها.
 
وتنحو المعارضة السياسية في البلاد باللائمة في تدهور الظروف المعيشية والانهيار الاقتصادي على الفساد الإداري والمالي وعدم وجود تصور لدى الحكومة لإدراج إصلاحات اقتصادية بعد انفصال جنوب السودان عن الشمال في يوليو 2011.
 
وأسفر استقلال جنوب السودان عن خسارة الخرطوم لنسبة 75% من الاحتياطي النفطي وحرمانها من ملايير الدولارات من عائدات كانت تشكل أكثر من نصف مجموع ايرادات البلاد وحوالي 90% من الصادرات.
 
وعلى غرار ما حدث عام 2013 لا يوجد تيار سياسي يقود هذه الاحتجاجات التي تبدو عفوية، ويقول "بي بي سي" إن من الصعب التنبؤ بالاتجاه الذي ستسلكه هذه المظاهرات والطريقة التي ستتعامل الحكومة معها باستثناء اعتماد الحل الأمني.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان