رئيس التحرير: عادل صبري 09:13 صباحاً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

«احتجاجات الضريبة».. هل يستطيع الأردن تفكيك شبكة «الدولة العميقة»؟

«احتجاجات الضريبة».. هل يستطيع الأردن تفكيك شبكة «الدولة العميقة»؟

العرب والعالم

احتجاجات الأردن

«احتجاجات الضريبة».. هل يستطيع الأردن تفكيك شبكة «الدولة العميقة»؟

أحمد علاء 09 يونيو 2018 22:04
"الشعب يريد إسقاط الحكومة".. وصل الشعار الذي لفّ بلدان ربيع العرب الثائر إلى الأردن، بعدما أشعل المسؤولون بأنفسهم نار غضب الشعب ضدهم، لكنّها كشفت دورًا كبيرًا تلعبه الدولة العميقة في البلاد.
 
بدأت الاحتجاجات في عمّان في أواخر مايو الماضي، ضد قانون رفع ضريبة الدخل وارتفاع الأسعار وذلك في عدد من المدن الأردنية، ورفع المشاركون في الاحتجاجات شعارات مثل "لن نركع"، و"ما خلقنا لنعيش بذلّ خلقنا لنعيش بحرية"، و"الشعب يريد إسقاط الحكومة".
 
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينتفض فيها الأردنيون ضد الحكومة، ففي أكتوبر 2012، قامت نقابات المعلمين والمهندسين والمهندسين الزراعيين بإضرابات عامة في معظم المدن الأردنية بسبب قرار الحكومة برفع أسعار معظم المواد الاستهلاكية وعلى رأسها النفطية، والتي أدت إلى احتجاجات جماهيرية واسعة في البلاد.
 
كان السبب في اندلاع الاحتجاجات، الزيادة المقترحة في ضريبة الدخل التي تقضي بأن يدفع كل من لديه دخل سنوي قدره 8000 دينار أو أعلى، ضريبة الدخل، وكلما ارتفع الدخل، ترتفع الضريبة المدفوعة، أي أنّ الشركات ستواجه ضريبة أكبر، مع تشديد قانون معاقبة المتهربين من الضريبة
 
وأصدر 78 من أصل 130 نائبًا، بيانًا أكّدوا فيه عدم موافقتهم على هذا القانون الذي "لا يخدم مصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية". 
 
وقدّم رئيس الوزراء هاني الملقي استقالته بعد لقائه بالملك عبدالله في الرابع من يونيو الجاري، وكانت إقالته من بيم المطالب التي قدمها المحتجون.
 
وكانت الحكومة قد أقرت رفع الأسعار بالإضافة إلى ضرائب قدرها 5.5 في المئة لأسعار المحروقات، و19 في المئة في أسعار الكهرباء، ولكن الملك عبدالله الثاني أمر بتجميد تلك الزيادات بسبب الاحتجاجات الغاضبة التي تعم البلاد لمدة شهر.
 
لماذا انتفض الشعب؟
اقترضت الحكومة الأردنية من صندوق النقد الدولي مبلغًا قدره 723 مليون دولار، بهدف القيام بإصلاحات اقتصادية في البلاد، والعمل على التقليل من الدين العام من حوالي 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 77 في المئة بحلول عام 2021، فاتبعت الحكومة سياسة التقشف وفرض الضرائب التي تفوق قدرة المواطن.
 
ودعا مجلس محافظة العاصمة، الحكومة ومجلس الأمة، إلى فتح حوار وطني شامل حول مشروع قانون ضريبة الدخل، للوصول الى اجماع وطني توافقي، فأكد المجلس في بيان له أصدرته في 3 يونيو الجاري، "ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على جميع الاختلافات"، مطالبًا الحكومة بـ"حماية الطبقة الفقيرة والمتوسطة في اي قرارات اقتصادية تتخذها".
 
وكانت الحكومة قد اتخذت الحكومة إجراءاتٍ في السنوات الثلاث الماضية استجابة لتوجيهات صندوق النقد الدولي الذي طالب المملكة بإصلاحات اقتصادية تمكنها من الحصول على قروض جديدة لسداد ديونها المتفاقمة التي تجاوزت الـ 35 مليار دولار.
 
وفي الرابع من يونيو، واصل المتظاهرون الاحتجاجات في معظم المدن وأمام البرلمان لأربع ليال متتالية، واستقال رئيس الوزراء هاني الملقي، وكلّف الملك عبدالله الثاني عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة.
 
"العميقة".. دولة داخل الدولة
وحسب محللين وتقارير دولية، تواجه الحكومة الأردنية حاليًّا ردود فعل سلبية شديدة بعد فترة طويلة من الفساد يُطلَق عليها اسم نظام "الدولة العميقة"، فينظّم المواطنون مظاهراتٍ ترفض القرارات الفيدرالية بزيادة الضرائب وفرض المزيد من القوانين الصارمة على الشعب، ما سيؤثّر سلبًا على معيشتهم.
 
وقد استخدمت بعض الشخصيات السياسية، التي خدمت في الحكومة على مدى سنوات عديدة، مصطلح "الدولة العميقة" لوصف الوضع في الأردن لأنّ اللوم يُلقى على أصحاب النفوذ من ناحية عدم كفاءة الحكومة الحالية وفشلها في تنفيذ وعودها بتحسين الخطط السياسية والاقتصادية الأردنية.
 
ويشير مصطلح "الدولة العميقة" إلى نسيجٍ من التحالفات والشبكات في الأردن تمتد داخل الحكومة، ويشمل هذا النسيج بعض المسؤولين كأعضاء مجلس النواب والسياسيين ومستشاري الأعمال وغيرهم، ويشكّل الأعضاء شبكةً معقّدةً ومترابطة من المصالح المشتركة في ما بينهم، ومعظمهم لا يعرفون بعضهم البعض لكنّهم يعملون لتحقيق غاية واحدة مشتركة، وهي تطوير مصالحهم وامتيازاتهم الشخصية التي حصلوا عليها وحمايتها. ويقوم أصحاب النفوذ بأعمالهم حتى ولو عارضت هذه الأعمال الأنظمة والقوانين السائدة في المجتمع، فيمهّدون الطريق لعمل "الدولة العميقة" داخل الأردن إن لم نقل أنها تتخطى الدولة.
 
وحسب معهد واشنطن، يستفيد عدد كبير من هؤلاء المسؤولين الأردنيين من علاقاتهم القوية مع قادة أعمال آخرين ومسؤولين حكوميين من أجل الحصول على مناصب قيادية لخدمة عائلاتهم بشكلٍ أفضل، وتربط بعضهم علاقات قوية بالسفارات وكبار الشخصيات الأجنبية أيضًا، وقد ساعد هذا النسيج من رجال الأعمال والسياسيين مسؤولي "الدولة العميقة" على تأمين امتيازات وهبات، ليس للبلاد، إنما لأنفسهم.
 
ولا تشكّل "الدولة العميقة" حالةً طارئة، بل هي حالة ذهنية مرتبطة بممارسات الأردنيين وتجاربهم مع الحكومة، ومفهوم الدولة العميقة هو ما يشعر به الأردنيون حيال شفافية نظامهم السياسي وتساوي الفرص أمام المواطنين وعدالة الخدمات في كافة المناطق، وليس في عمّان الغربية فحسب، حيث يُقيم معظم المسؤولين النافذين.
 
وبالنسبة إلى عدد كبير من الأردنيين، فإنّ "الدولة العميقة" غير مهمة طالما أنّ بلدهم آمنٌة، إلا أنّ المصاعب التي يواجهها الأردنيون والقوانين المفروضة عليهم حوّلت ظروف معيشتهم المستقرة إلى غير آمنة، والسؤال الأهم هو ما إذا ما الأردنيون ينظرون إلى "الدولة العميقة" بطريقة إيجابية تدفعهم إلى الحفاظ على هذا النظام.
 
وبالنسبة إلى عدد كبير من الأردنيين أيضًا، فإنّ "الدولة العميقة" ليست ممثَّلة بالسلطات الحكومية الثلاث، إنما بالذين يعملون خلف الكواليس، فهؤلاء هم دعائم "الدولة العميقة" في الأردن الذين يديرون المشهد السياسي. 
 
ويدرك الأردنيون حاليًّا حسب الدراسة، أنّ بعض مسؤولي "الدولة العميقة" لديهم روابط جيدة مع الدول الإقليمية ويتصرفون بشكلٍ فردي، وقد أدّى هؤلاء النافذون دورًا هامًّا من خلال ممارسة الضغط على الحكومة لإصدار مشروعات قوانين جديدة، مثل "قانون الضرائب" الجديد.
 
ويفرض هذا التشريع الضرائب على كافة الأردنيين فوق سن الثامنة عشر سواء كانوا موظفين أم لا، وذلك لتغطية العجز الهائل في الميزانية، والذي من المتوقع أن يصل إلى 600 مليون دينار أردني (840 مليون دولار) في الميزانية المالية لهذا العام.
 
وردًا على هذا النظام الفاسد، بدأ كبار المسؤولين السابقين في تمهيد الطريق لتغيير هيكل الحكومة ومؤسساتها من خلال الدعوة لقيام دولة مدنية.
 
وتُظهر الإقالة الأخيرة لبعض المسؤولين الأردنيين أنّ الملك يمضي قدمًا في عملية معالجة المظالم، وعلى وجه الخصوص وبعد اندلاع المظاهرات، طلب الملك من هاني الملقي التنحي عن منصبه كرئيس للوزراء، كما أعلن عمر الرزاز، خليفة الملقى، أن مشروع القانون المثير للجدل الذي أثار المظاهرات سوف يتم إلغاؤه. 
 
ففي الماضي، ساعدت "الدولة العميقة" البلاد، لكن في الوقت الحالي، استغل الكثيرون من كبار المسؤولين هؤلاء، الراهنين منهم والسابقين، البلاد وأصبحوا يشكّلون عبئًا على المواطنين.
 
ويمكن اعتبار أنّ تفكيك الذراع المالي "للدولة العميقة" أمرٌ ممكنٌ إنما صعبٌ بسبب العلاقات الوثيقة التي تربط المسؤولين السياسيين بعمالقة رجال الأعمال، ما يولّد حالةً دائمة من سياسة الدفاع المشترك، وتتمثل الخطوة الأولى لتجريد هؤلاء النافذين من سلطتهم في تحديد العلاقة بين رجال السياسة ورجال الأعمال، ومن ثم إلحاق الهزيمة الفردية بكل من مسؤولي "الدولة العميقة".
 
اتهام للملك
 
وبالنظر إلى الحالة الاقتصادية التي يعيشها الأردن حاليًّا، يرى المحلل السياسي الأردني الدكتور إبراهيم رواشدة أنّ السبب في وصول الاقتصاد الأدرني إلى هذا الوضع السيئ هو السياسة الممنهجة المقصودة للملك الأردني عبدالله الثاني والذي وصلت بالبلاد إلى حافة الانهيار.  
 
ويضيف في حديثٍ لـ"مصر العربية"، أنّ ما يحدث في الأردن هو محاولة لإشعال فتيل فوضى خلاقة بأوامر من النظام لأذرعه الشعبية، لكن تصطدم تلك المحاولة بحالة الوعي الشعبي ورفعه لشعارات الحراك الشعبي في فترة الربيع الأردني الذي جاء متأخرًا.
 
ويرى رواشدة أنّ "صندوق النقد الدولي شماعة للنظام الأدرني يعلق عليها كل الفشل الذي جاء في عهد الملك الحالي".
 
كما يتحدث عن أنّ "الضغوط الخارجية أيضًا شماعة، والشيء الوحيد الإضافي هو حرص الإدارة الصهيوأمريكية على ضرب الشرعية الشعبية للملك عبدالله وإظهاره بمظهر الضعيف، كما أن الضغط الحقيقي على الأردن مصدره القصر"، وفق تعبيره.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان