رئيس التحرير: عادل صبري 01:16 صباحاً | الأحد 22 أبريل 2018 م | 06 شعبان 1439 هـ | الـقـاهـره 37° غائم جزئياً غائم جزئياً

أطفال الغوطة وساعة القيامة.. قصصٌ من «المأساة»

أطفال الغوطة وساعة القيامة.. قصصٌ من «المأساة»

العرب والعالم

أطفال الغوطة

«مصر العربية» في قلب الحدث..

أطفال الغوطة وساعة القيامة.. قصصٌ من «المأساة»

أحمد علاء 30 مارس 2018 19:10

لا يعرف "باسم" و"هديل" و"ليمار" وغيرهم سببًا لأن يحيون وسط القصف والدمار الذي خلّفته الحرب في سوريا.

 

يدفع المدنيون في مدينة الغوطة الشرقية، لا سيّما الأطفال الثمن الأكثر فداحةً، جرّاء العملية العسكرية التي بدأها النظام قبل أسابيع.

 

باسم السعيد.. ليس باسمًا وليس سعيدًا

 

"جد قتيل وأب معتقل".. أي مستقبل - عمليًّا والأهم نفسيًّا - يمكن انتظاره للطفل باسم السعيد.

 

لم ينل هذا الطفل السوري من اسمه شيئًا، سواء بسمةً أو سعادة، فهو كان قد ولد في 2011، أي مع اندلاع الاحتجاجات ضد الأسد.

 

وُلد في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، خرج مع أمه وأبيه إلى مدينة عدرا العمالية بعد اقتحام نظام الأسد لها في ٢٠١٢ لمدينة دوما، وعاش في مدينة عدرا العمالية لمدة عام، ثمّ خرج مع أمه وأبيه بسبب انتقال المعارك إلى المدينة العمالية، وذلك إلى معمل الإسمنت في منطقة عدرا.

 

يقول الطفل لـ"مصر العربية"، إنّه شاهد مناظر مروعة وعدة إعدامات نفذتها قوات النظام بحق المدنيين، وكان عمره فقط عامين ونصف.

 

 

تمّ اعتقال والده من قبل قوات النظام، ولا يزال "باسم" يتذكر تلك المشاهد المروعة، وقد أثّرت على نفسيته، يذكر: "أصبح لديّ شعور دائم بالخوف".

 

ينتظر "باسم" حضور والده الغائب، ويعيش في منزل "جده" الذي قتل في بداية الاحتجاجات، إعدامًا ميدانيًّا على يد قوات النظام، بحسب الأسرة.


وفي هذه الظروف السيئة التي تعيش فيها مدينة دوما والقصف العنيف الذي تشهده المدينة وبعد أن جلس في "القبو"، ليحتمي من القصف، تحدّث "باسم" قصته لبعض الاطفال في "القبو" أنّه ينتظر والده، ويرد عليه باقي الأطفال: "والدك قد فارق الحياة.. لن يأتي بعد".

 

في هذه اللحظة، يقرر "باسم" الخروج من "القبو"، ويكون عرضةً لغارة قد تفتك بحياته، لكنّه يقول: "أفضل في هذه اللحظة الجلوس وحيدًا لأنتظر والدي.. أنا أعرف أنّه سيأتي إليّ".

 

"باسم" - كما تحدّث إلينا - يحب لعب كرة القدم والتجول في الطرقات ويكره الدخان، ويحلم أن يصبح طبيبًا ليعالج الجرحى الذين أصيبوا جرّاء الحرب.

 

هديل.. "شهيدة العُقد"

 

خرجت "هديل" من ملجئ في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، كان يحتمي به المدنيون هربًا من غارات النار وبراميل الموت، أصرّت على ارتداء عقدها "اللؤلؤي"، حتى دفنت به.

 

لم يكن مطلع فجر الـ20 مارس، كتلك الأيام المأساوية التي يمر بها سكان الغوطة، عند ذلك الفجر خرج أطفالٌ مع عائلاتهم لسد رمق أمعائهم الخاوية وتحضير وجبة طعام لصغارهم.

 

هذه الوجبة التي باتت تشغل تفكيرهم في كل لحظة، بدأ الناس جميعهم يتوافدون إلى شققهم بالطوابق العلوية، وتحت حمم القصف وطيران الغدر فمنهم من بدى يسترق لقمة الشعير ليسرع بالنجاة إلى الملجأ الذي لم يسلم أيضًا من قصف الطيران.

 

 

تحكي "آيات ورهف": "في تمام الساعة التاسعة والنصف، في ساعة القيامة حدث ما حدث.. بطرفة عين أذان كادت أن تصم من هول ما سمعت.. دمار ودمار في أقل من ثانية.. الجدران تنهار فوق رؤوسنا، والأبواب أصبحت نثرات خشب".

 

كانت "آيات" تجلس في غرفة معزولة، لكنّها لم تهتم بجروحها، كان تفكيرًا مقتصرًا على الاطمئنان على عائلتها وجيرانها في الطوابق العليا.

 

تضيف: "كان الردم حولي، والباب لا أستطيع فتحه من شدة الضغط.. بدأت أصرخ حتى سمعت صوتهن.. ارتاح قلبي لكن سرعان ما سمعت صوت جارنا يصرخ إسعاف إسعاف إسعاف".

 

كانت تلك اللحظة الأكثر قسوةً، فإذا بالأب يحمل طفلته "هديل"، صاحبة السبعة أعوام بين أحضانه.

 

لم تتمكن الطفلة من الهرب والنجاة من تلك الغارة التي قال الأب إنّها مصدرها النظام، كانت تحمل بين أيديها "رغيف شعير"، ويلف رقبتها عقدٌ من حبات اللؤلؤ.

 

تحكي "آيات" قصة هذا العقد قائلةً: "كنت قد أهديت هديل هذا العقد في نشاط سابق، وقبل لحظات من استشهادها دار حديث بشأنه مع أمها، وكأنّها كانت تشعر بأنّ لحظة قيامتها قد حانت".

 

قالت هديل لـ"أمها": "ماما حبيبتي سوف أرتدي عقدي"، فردّت عليها: "لا.. لا تلبسيه قبل أن ترتدي ثيابك النظيفة"، بيد أنّ عقل الطفلة بدا وكأنّه يدرك شيئًا آخرًا: "الآن جاء وقته كي أرتديه".

 

تلخص "آيات" هذه المأساة بالقول: "ذهبت هديل إلى السماء إلى عالم ترقد فيه عيون أطفالنا بأمان ذهبت الضحكات والفرح التي كنا نحاول أن نغزلها بخيوط الأمل في ظل واقعنا المرير".

 

 

ليمار.. شظية في عين الملاك

 

في يومٍ دامٍ آخر من أيام هذا الملجأ، لم يحرم القصفُ في الغوطة الطفلة "ليمار" من نعمة الحياة، إن كان يمكن وصف من يعايش أهوال سوريا بأنّه على قيد الحياة، لكنّ القصف هذا اختار أن يسرق منها

 

في 18 مارس، بينما كانت - طفلة السبعة أعوام - برفقة والدتها وأخواتها في منزلهم، ينتظرون يقضون أوقاتهم تحت النار الذي عمّ المدينة، حتى جاءت اللحظة التي أضافها إلى قائمة سوريا الطويلة، التي تُملأ يومًا بعد يوم بأسماء ضحايا جدد.

 

ضربت قذيفةٌ منزل "ليمار"، فأصيبت في رأسها، ما جعل جسدها النحيل الصغير ملطخًا بالدماء، كما فقدت بصرها، فلم تعد ترى أحدًا من أسرتها من أجل الاحتماء بهم من غبار القصف الذي أظلم ضوء النهار.

 

تقول "آيات": "نعيش في حمام دماء كل يوم، العالم يكتفي بمشاهدة الكوارث التي تمر بها، فقدنا أطفالًا وأصيب آخرون، ولا نعلم إلى أي حين سيظل حالنا هكذا.. نودع بعضنا البعض ومن بقي حيًّا مازلنا نسمع أنين إصابته".

 

أطفالٌ ليسوا أطفالًا

 

أن ترى الأعين أطفالًا في دولةٍ ما ينظفون مكان إقامتهم، فهذا قد ينظر إليه بأنّ حالة نفسية هادئة ومستقرة يعيشونها، لكن ماذا إذا حدث ذلك هناك في الغوطة.

 

حدث ذلك بالفعل أحد ملاجئ مدينة دوما، فكان سطّر أطفال سوريون معنى مختلفًا للعزيمة والإرادة، إذ تعالت أصواتٌ ملأت المكان فرحًا وأملًا، وهذا رغم هدير الطائرات المستمر ليلًا ونهارًا، وضجيج الصواريخ الذي يدمر الأبنية والممتلكات لتنهار على رؤوس ساكنيها.

 

لم يمنع كل ذلك أطفال الملجأ من إجراء حملةٍ لتنظيف المكان، فهذا طفل يجمع الأتربة، وذاك يضعها في صندوق كبير، وآخر ينظف الأرض بالماء، حتى تلك الطفلة التي لم تبلغ الرابعة من سنها "ماريا" بدأت تنظّف الجدران لتزيل ما علق بها من "أوساخ".

 

اتجه الجميع بعد ذلك لفرش السجاد على الأرض وتقسيم المكان إلى أقسام، واحدٌ للإناث وآخر للذكور ومساحة صغيرة للتعليم والنشاطات، بعدها أمسك "أحمد" (9 سنوات) ورقة صغيرة وقسمها إلى ثلاثة أجزاء، وكتب على أحدها قسم للإناث وأخرى للذكور وثالثة للاجتماعات، ثم قاموابوضع جدول للحفاظ على نظافة المكان فكل طفل له مهمة يقوم بها وعمل ينجزه.

 

 

في الحالة السورية المأساوية، قد يكون ذلك غريبًا حقًا على أطفال يحيون وسط الدمار.

 

طلب "مصر العربية" تعليقًا من أماني حمد المسؤولة بمكتب حماية الطفل بالغوطة الشرقية عن حال الأطفال في الغوطة، فقالت: "ما عاد قلبي يسعفني.. حروفي باتت عصية غير قادرة على التشكيل".

 

وأضافت: "أنا حائرةٌ أنا ما بوسعي أن أفعل لأترجم عذابات أطفال لم تترك لهم الحرب فرحًا يحكى أو لحظات جميلة تسطر بل تركت أفكارهم حائرة وأحلامهم عالقة في داخلهم يرسمونها عبر لوحات جميلة في ملجأ يحميهم من القصف والقتل.

 

تحكي "أماني" عن واقعة أطفال الملجأ، فتقول: "جلس جميع الأطفال وقد علا وجوههم البريئة التعب وأيديهم النحيلة الوهن والضعف، لكن شعور الفخر والاعتزاز بعملهم كان أكبر وأوضح من كل التعب".

 

 

وتؤكّد: "الطائرات لم ترعبهم والصواريخ لم تمنعهم من إتمام عملهم، والقذائف المنهمرة كالمطر لم تثنِ عزيمتهم هم أطفال بأجسادهم، رجال بأعمالهم وعزيمتهم يتحدون العالم بنظراتهم في حين عجز العالم بأكمله عن تأمين مكان يحميهم أنجزوا بأيديهم الصغيرة وسواعدهم الضعيفة مكانًا آمنًا نوعًا ما في ظل حملة همجية لا ترحم صغيرًا ولا كبيرًا ولا تترك حجرًا ولا شجرًا ولا بشرًا إلا دمرته".

 

وتتابع: "هؤلاء هم أطفال الغوطة يتحدون العالم من ملجأ مظلم صغير ويفتحون بابًا للنور والأمل رغم الخوف والقتل والحصار والدمار".

 

"ليث".. قصف على الهواء

 

بينما كان "مصر العربية" يتواصل مع ليث العبد الله عبر الإنترنت في ريف دمشق قُطع الاتصال، كان متوقعًا أنّ يحدث ذلك لا سيّما أنّ الغارات - كما يقول سكان هناك - مستمرة ولا تكاد تتوقف.

 

لكن الاتصال قُطع لسبب آخر، إذ أنّ قصف جوي استهدف منزل "ليث" فأحدث به تدمير كبيرًا، فعاود "الناشط" الاتصال قائلًا: "تمّ قصف منزلي الجميل بواسطة مدفعية نظام الأسد ودُمّر".

 

يعمل "ليث" في المجال الميداني، يرصد أحوال الناس في الغوطة، ويساعدهم من أجل الحصول على المساعدات، ويحمّل جانبًا كبيرًا على المسؤولية على الأمم المتحدة، فيقول: "ما يحدث في الغوطة الشرقية من مذابح ضد الإنسانية من قوات الأسد وروسيا يظهر أن الأمم المتحدة قد فشلت في حق المدنيين, وبخاصة الأطفال وهي لا تدعم السلام".

 

 

ابنٌ يناشد أبيه: أجّل موتك ولو قليلًا

 

"لا تمت الآن، أجّل موت لنصف ساعة".. هل يمكن تخيل أن تكون تلك رسالة من طفل يحلم بمغادرة الغوطة من هول القصف الذي تتعرض له.

 

بعدما تقدّم نظام الأسد إلى مدينة مسرابا، نزحت بعض العوائل إلى "قبو" لم يكن حاله جيدًا بأي حالٍ من الأحوال، بل كان سيئًا خاليًّا من دورات المياه أو الإضاءة، حتى أنّ أرضه كانت مليئة بـ"التراب"، بحسب تفاصيل حصل عليها "مصر العربية" من شبكة "حرّاس" المعنية بالطفولة.

 

امتلأ هذا "القبو"، بمرضى من كبار السن انتظروا موافقةً من الهلال الأحمر من أجل المغادرة على الفور، أحد هؤلاء هو رجل يدعى "محمد" يبلغ من العمر نحو 50 عامًا، تقيم زوجته ونباته في الشام منذ عامين، بينهما كان يعيش في الغوطة برفقة طفله صاحب الـ15 عامًا، الذي كان يتطلع لمغادرة الغوطة.

 

توجّه "حسام" صوب الهلال الأحمر لتسجيل بيانات أبيه، لنقله إلى الشام ضمن قوافل إجلاء المرضى، وكان في ذلك فرصة قوية للابن من أجل الخروج كـ"مرافق" لأبيه "المريض"، وبالفعل صدرت الموافقة.

 

زفّ "الابن" الخبر السار إلى أبيه، وجهّز حاله خير تجهيز من أجل المغادرة صوب بقية أسرته هناك في الشام، وكان مقررًا الخروج عند السادسة من صباح 14 مارس، لكنّ حدثًا آخرًا وقع عند "الخامسة فجرًا".

 

ذهب "حسام" ليوقظ أباه من أجل المغادرة، لكن ردًا لم يصدر عن أبيه، حيث مات "المريض" دون أن يغادران الغوطة، فقال الابن مصدومًا صارخًا: "لا تمت الآن.. خليك عايش وموت على الساعة 8 حتى نصل الشام وأشوف أهلي.. لماذا مت الآن.. من الآن يخرجني من هنا؟".

 

 

طفلة التفاح

 

قصة إنسانية موجزة أخرى حصل "مصر العربية" على تفاصيلها من ناشط ميداني، يعمل على توثيق معاناة المدنيين المحاصرين في الغوطة.

 

الطفلة "نور" صاحبة العاشرة أعوام، صار تناول "التفاح" حلمًا بعيد المنال عنها بفعل الحصار الخانق الذي تتعرض له الغوطة، قبل أن تتوسع الغارات الجوية عليها.

 

تقيم "نور" في أحد الملاجئ، شأنها شأن كثير من الأطفال السوريين الذين يجدون فيها ملاذًا ولو بشكل قليل للهروب من القصف.

 

تحلم "الطفلة" بتناول فاكهة التفاح، وطعام المفضل التي تحلم به أيضًا هو "فروج بطاطا"، وهي أطعمة إن بدت سهلة وفي متناول الجميع، لكنها باتت أبعد ما تكون عن أطفال سوريا.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان