رئيس التحرير: عادل صبري 04:18 مساءً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

لماذا أجّلت أمريكا طرح صفقة القرن؟

لماذا أجّلت أمريكا طرح صفقة القرن؟

العرب والعالم

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لماذا أجّلت أمريكا طرح صفقة القرن؟

أحمد علاء 29 مارس 2018 19:25
"يا قدسُ، يا مدينتي يا قدسُ، يا حبيبتي، غدًا، غدًا، سيزهر الليمون وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون وتضحكُ العيون".. هي كلمات تغزّل بها نزار قباني في المدينة المقدسة القابعة تحت الاحتلال، إلا أنّه ربما إذا ما كان "الشاعر الكبير" حيًّا في الفترة الراهنة لكتب عن صفقة يُقال إنّها ستقضي تمامًا على الوجود الفلسطيني بها.
 
كان يفترض أن ترى صفقة القرن، النور الأسابيع الماضية، كما سُرّب عن الإدارة الأمريكية، إلا أنّ قرارًا صدر بتأجيل طرحها، وقد يعتبر ذلك من أجل إعادة الحسابات ومنعًا لتفجر الأوضاع في المنطقة العربية المشتعلة.
 
الخوف من انفجار الوضع ارتبط بالبنود الخطيرة التي تحويها هذه الصفقة، وذلك وفقًا لما نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني في فبراير الماضي، نقلًا عن مسؤول غربي اشترط عدم الكشف عن هويته، وتتضمّن "إقامة دولة فلسطينية تشتمل أراضيها على قطاع غزة والمناطق أ و ب وبعض أجزاء من منطقة ج في الضفة الغربية"، و"قيام الدول المانحة بتوفير عشرة مليارات دولار لإقامة الدولة التي ستشتمل بنيتها التحتية على مطار وميناء في غزة ومساكن ومشروعات زراعية ومناطق صناعية ومدن جديدة"، و"تأجيل وضع مدينة القدس وموضوع عودة اللاجئين إلى مفاوضات لاحقة"، و"إجراء محادثات سلام إقليمية بين الاحتلال والأقطار العربية بقيادة السعودية".
 
كما كانت قد نشرت وكالة "الأناضول" ما قالت إنّها تفاصيل متعلقة بمضامين صفقة القرن، وردت ضمن التقرير السياسي الذي قدمه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات لاجتماع المجلس المركزي الفلسطيني في اجتماعه الذي عُقد يومي 14 و15 يناير الماضي بمقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله.
 
وأورد عريقات في تقريره 13 بندًا، تحمل الخطوط العريضة للخطة الأمريكية، وأولها "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها"، و"ضم الكتل الاستيطانية الكبرى بالضفة لإسرائيل"، و"إعلان قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح"، و"إبقاء السيطرة الأمنية لإسرائيل"، إلى جانب "الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية"، مع انسحابات تدريجية لإسرائيل من مناطق فلسطينية محتلة".
 
 
ويتمثل البند الثاني - حسب عريقات - في "اختراع ترامب عاصمة لدولة فلسطين في ضواحي القدس خارج إطار ستة كيلومترات عن حدود عام 1967"، على أن "تقوم الإدارة الأمريكية بعد ذلك بإعلان مفهوم أمني مُشترك لدولة إسرائيل ودولة فلسطين كشركاء في السلام".
 
ويشمل هذا المفهوم أربع نقاط أنّ "دولة فلسطين منزوعة السلاح مع قوة شُرطية قوية"، و"إيجاد تعاون أمني ثنائي وإقليمي ودولي بما يشمل مشاركة عمّان والقاهرة وواشنطن وسيكون الباب مفتوحًا أمام دول أخرى"، و"وجود قوات إسرائيلية على طول نهر الأردن والجبال الوسطى لحماية الدولتين"، وأن "تُبقى إسرائيل على صلاحيات الأمن القصوى، بيدها لحالات الطوارئ".
 
ويذكر عريقات أنّ "الخطة تنص على اعتراف دول العالم بدولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي، وبدولة فلسطين كوطن قومي للشعب الفلسطيني"، على أن "تضمن إسرائيل حرية العبادة في الأماكن المُقدسة للجميع، مع الإبقاء على الوضع القائم بها حاليًّا".
 
ويعقب عريقات في التقرير على الخطة بقوله : "هذه هي معالم الصفقة التاريخية التي سوف تسعى إدارة الرئيس ترمب لفرضها على الجانب الفلسطيني"، ويدعو إلى "رفضها بشكل كامل حيث تؤسس لإقامة حكم ذاتي أبدي".
 
 
تواجه هذه الصفقة الخطيرة رفضًا قاطعًا في الداخل الفلسطيني، لا سيّما حركة المقاومة الفلسطينية "حماس"، التي أعلنت اليوم الثلاثاء على لسان الناطق باسمها فوزي برهوم: "إذا كان الرئيس محمود عباس جادًا في مواجهة صفقة القرن، فليرفع الإجراءات عن قطاع غزة، ويدعم صمود أهلها، ويوفر لهم عوامل القوة، ويعزز المقاومة في الضفة والقدس، ويكمل مشوار تحقيق الوحدة".
 
وأضاف: "حماس أول من حذر من هذه الصفقة وخطورتها، ولن يستطيع كائن من كان أن يمررها، مهما بلغت التضحيات، ولا حتى بالمال السياسي، ولا بالمساعدات المسمومة".
 
كما رفضها الرئيس عباس أيضًا، وكشف عن تلقيه عروضًا بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها ناحية أبو ديس القريبة من القدس المحتلة، مؤكدًا أنّ المدينة المقدسة ستظل العاصمة الأبدية لبلاده، وقال: "صفقة العصر التي يريدها ترامب هي صفعة العصر".
 
ولم يوضح عباس الجهات أو الأشخاص الذين عرضوا عليه القبول بـ"أبو ديس" عاصمةً للدولة الفلسطينية بدلًا من القدس، لكنه وجَّه كلمة لترامب، قال فيها: "لا نقبل بمشروعك"
 
اللافت هنا أنّ صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية كانت قد نقلت عن مصادر وصفتها بـ"المطلعة"، أنّ ولي العهد السعودي​ محمد بن سلمان هو من اقترح على الرئيس عباس​أن تكون بلدة أبو ديس عاصمة لفلسطين.
 
وذكرت الصحيفة: "ابن سلمان أعطى الرئيس الفلسطيني مهلة شهرين للقبول بالصفقة وإلا سيكون مجبرًا على ​الاستقالة"، مؤكدةً أنّ هذه التفاصيل التي وصفتها بـ"المثيرة" جاءت عقب المفاوضات التي عقدت بين عباس وابن سلمان وراء الأبواب المغلقة في الرياض في نوفمبر الماضي.
 
ورغم كل التحركات التي شهدتها الفترة الماضية تمهيدًا لإعلان صفقة القرن في فترة قريبة، لا سيّما التوسع الاستيطاني من قبل الاحتلال بمباركة الولايات المتحدة، وإعلان "الأخيرة" مدينة القدس المحتلة عاصمةً للكيان الصهيوني، إلا أنّ العديد من الأحاديث باتت تردّد تأجيل ذلك.
 
اليوم الثلاثاء، وبعد "تجديده موقف القيادة الرافض للضغط والابتزاز الأمريكي الذي تمارسه إدارة ترامب بتهديدها لشعب يرزح تحت الاحتلال"، رجّح مستشار الرئيس للعلاقات الخارجية الدكتور نبيل شعث أن "تؤجل الإدارة الأمريكية طرح صفقة القرن لمدة عام بسبب الرفض الفلسطيني القاطع لهذه الصفقة.
 
يتفق ذلك مع ما ذكرته مصادر دبلوماسية، بأنّ الفريق السياسي للرئيس الأمريكي قرر تأجيل عرض خطة السلام إلى أجل غير مسمى.
 
والمصادر التي تحدّثت لصحيفة "الحياة" اللندنية أرجعت ذلك إلى أنّ "الفريق الأمريكي يبحث عن صفقة قابلة للاستمرار، ومقبولة من الأطراف، وهذا يتطلب المزيد من الانتظار والدراسة".
 
وأضافت: "لا يمكن فرض الخطة على الفلسطينيين بالقوة، المطلوب هو أن يقبل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي الخطة، أولاً، ثم يتم ضم بقية الأطراف العربية إليها".
 
وكشفت المصادر أنّ "الخطة تتضمن مرحلتين، الأولى للانطلاق أمّا الثانية فللتفاوض، وتقترح نقطة بدء على الطرفين، ثم يستكملان التفاوض بشأن بقية المراحل، وبخاصةً الحدود.
 
السبب الذي وضعته المصادر، التي لم تُكشف هويتها، وضعته أيضًا صحيفة الحدث الفلسطينية، التي نقلت عن مصدر في واشنطن قوله إنّ "تأخير إعلان الخطة يعود إلى سبب رئيسي وهو معارضتها من قبل الجانب الفلسطيني"، و"قضايا الفساد التي تلاحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو".
 
المصدر صرّح: "المعارضة الرسمية الفلسطينية للخطة والتحركات في الشارع كانت سببًا في أخذ الموقف الفلسطيني بجدية أكثر، وهو على خلاف ما تم نقله إلى الإدارة الأمريكية قبيل إعلان ترامب عن القدس عاصمة للاحتلال بأنّ الاحتجاجات في الشارع ستهدأ بعد الإعلان بفترة قصيرة".
 
وتشير الصحيفة إلى أنّ موقف نتنياهو المتذبذب داخل ائتلافه الحكومي أعاق طرح الخطة، إذ ترى الإدارة الأمريكية أنّ أي تنازلات قد يقدمها نتنياهو حتى لو كانت في إطار قضايا بسيطة، سيتم استغلالها للإطاحة بحكومته، وبخاصةً أنّ اليمين المتشدد يرفض تقديم أي تنازلات.
 
 
في معرض تعليقه على كل هذه التطورات، يرى خالد سعيد المتخصص في الصراع العربي الإسرائيلي أنّ صفقة القرن لا تزال "مُبهمة".
 
ويقول في حديثٍ لـ"مصر العربية": "ترامب ليست لديه دراية أو إطلاع كامل بمجريات الصراع العربي الصهيوني، ومن يدير الدفة هو صهره جاريد كوشنر".
 
ويضيف أنّ زيارة ابن سلمان وابن زايد إلى واشنطن، ثم القمة الخليجية الأمريكية المقرر انعقادها في شهر أبريل المقبل، هي أمور قد تمنح مزيدًا من المعلومات بشأن الإعداد لهذه الصفقة.
 
ويوضح أنّ حالة تناقض وغموض تسود مواقف الدول الفاعلة بشأنها، ضاربًا مثلًا بمصر التي تتحدث تقارير كثيرة عن موافقتها على بنودها، بينما تخرج مصادر مصرية نافيةً إطلاع الرئيس عبد الفتاح السيسي على الصفقة من الأساس.
 
ويعتبر "سعيد" أنّ العالم العربي يمر بفترة حرجة للغاية، لا يُعرف إلى أي مستقبل ستنتهي إليه الأمور، مشدّدًا على مصارحة العرب والفلسطينيين بشكل واضح ببنود هذه الصفقة.
 
ويشير إلى إعلان ترامب حضوره احتفالية نقل السفارة الأمريكية لمدينة القدس المحتلة الشهر المقبل وفي ذكرى احتلال الأراضي الفلسطينية، يعطي مؤشرًا قويًّا على أنّه خطورة هذه الصفقة.
 
ويتفق "سعيد" مع كثيرٍ من التحليلات التي تشير إلى أنّ القضية الفلسطينية في تراجع ملحوظ، مقابل صعود غير عادي لما أسماه "قطار التطبيع"، متحدثًا عن تسابق سعودي إماراتي من أجل هذا التطبيع الذي بلغ حد استجداء الكيان الصهيوني.
 
ويؤكد "الباحث" أنّ السلام في المرحلة المقبلة لن يكون سياسيًّا أو عسكريًّا لكنّه "سلام اقتصادي".
 
ويضيف: "أكثر من مسؤول صهيوني ركّز على هذا الأمر، وتحدّثوا عن إقامة علاقات مع الجانب الفلسطيني على أساس الجانب الاقتصادي، وبالتالي التطبيع هو اقتصادي أكثر منه سياسي، وهذا هو الأخطر في القضية".
 
ويشدّد على أنّ "القضية" لم تشهد في أي فترة من الفترات حفظ حقوق الفلسطينيين، ويؤكّد أنّ الحل الوحيد يكمن في "المقاومة المسلحة".
 
ويختم: "ما يجري داخل الأروقة حول مباحثات ومداولات من أجل السلام هي كلها تؤدي إلى توطيد أركان الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان