رئيس التحرير: عادل صبري 08:35 مساءً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

 «غطاء الرأس الأسود ليس شرطًا».. ماذا وراء دعوة بن سلمان «لإسقاط العباءة»؟

 «غطاء الرأس الأسود ليس شرطًا».. ماذا وراء دعوة بن سلمان «لإسقاط العباءة»؟

العرب والعالم

سعوديات بغطاء الرأس

 «غطاء الرأس الأسود ليس شرطًا».. ماذا وراء دعوة بن سلمان «لإسقاط العباءة»؟

وكالات - إنجي الخولي 21 مارس 2018 12:48
"النساء في المملكة لا يتعين عليهن ارتداء غطاء الرأس أو العباءة السوداء ما دامت ملابسهن محتشمة" تصريح أدلى به  ولي العهد السعودي الإصلاحي محمد بن سلمان لأول مرة ، أثار موجة من الجدل بشأن الدوافع الاقتصادية وراء الخطاب الليبرالي لمحمد بن سلمان، الذي يدافع من خلاله عن مبادراته لتعزيز حقوق المرأة كجزء من مخطَّطه لحماية الملكية الحاكمة .
 
وفي حديثه مع برنامج "60 دقيقة" على قناة "سي بي إس" الأمريكية، أكد أن ارتداء عباءة سوداء ليس ملزماً للمرأة السعودية، بقدر التزامها الحشمة، وقال: إن "القوانين واضحة، وهي تلزم النساء بارتداء ملابس محتشمة ومحترمة مثل الرجال تماماً".
اعتبر بن سلمان أن القوانين لا تلزم النساء صراحة بارتداء عباءة سوداء أو غطاء رأس أسود، وأن اتخاذ القرار الخاص بالملابس متروك للنساء في إطار الاحترام والحشمة، ما يعني أنه رمى مسألة لباس المرأة من على كاهل الدولة، التي كانت هي من ترسمه، إلى المجتمع والأسرة.
 
ويجب على السعوديات ارتداء العباءة السوداء في الأماكن العامة، ووضع غطاء للرأس، ومن ضمنهن المقيمات أو السائحات.
 
يلمح بن سلمان إذن لتعديل نهج يسير عليه المجتمع السعودي، يضيفه لحزمة إجراءات جديدة في إطار سعيه لتنفيذ رؤيته الخاصة للمملكة قبل أن يتولّى العرش خلفاً لأبيه، فقد أصدر قراراً يبيح للمرأة قيادة السيارة، وأيضاً كبح جماح هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباتت الموسيقى تُسمع في المطاعم، في حين ظهرت نساء سعوديات بملابس ملوّنة غير العباءة المعتادة، وعم الاختلاط مناسبات عدة.
 
قال بن سلمان : "لقد قطعنا شوطاً لمنح المرأة حقوقها ولم يبق الكثير، ونعمل على قانون مساواة راتب المرأة بالرجل قريباً". وأوضح أن المملكة تعمل على مبادرات من أجل المساواة بين الرجل والمرأة لا سيما في الراتب والوظائف، لافتاً إلى أنه بعد أشهر قليلة ستبدأ المرأة بالقيادة، كما أن النساء اليوم لم يحصلن على كافة الحقوق التي ضمنها الإسلام، ولكن المملكة تعمل على ذلك.
 
ولم يتضح بعدً ما إذا كانت هذه التصريحات تشير إلى تغيير في فرض زي معين على المرأة بالسعودية. وليس لدى السعودية قانون مكتوب يحدد زي المرأة حسب الشريعة الإسلامية لكن الشرطة والهيئة القضائية تفرضان منذ فترة طويلة زيا صارما على المرأة يطالبها بارتداء العباءة وتغطية رأسها وفي العديد من الحالات تغطية وجهها.
 
وفي إطار تأكيد التغييرات المتسارعة في المجتمع السعودي، أعلن بن سلمان أن السعودية ستتخلّى عن "الإسلام المتشدد وتعود إلى الإسلام الوسطي (وفق فهمه)".
 
وشهدت المملكة، مع صعود الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى السلطة، تدعيماً لحقوق المرأة، وضمْن ذلك قرار بالسماح للنساء بحضور مناسبات رياضية مشتركة وحقهن في قيادة السيارات اعتباراً من الصيف المقبل.
 
ولقيت هذه التغييرات إشادةً باعتبارها دليلاً على نهجٍ تقدميٍّ جديد نحو التحديث في المملكة المحافظة، رغم أنها ما زالت تتعرض لانتقادات؛ بسبب القيود التي تفرضها على المرأة.
 
جدل الفتاوى
 
وسبق تصريحات محمد بن سلمان عن العباءة السوداء تصريح أطلقه عضو هيئة كبار العلماء ،وهي أهم مؤسسة دينية في المملكة الوهابية، والمستشار في الديوان الملكي السعودي، الشيخ عبدالله بن محمد المطلق، في فبراير الماضي، ولاقى ردود فعل مختلفة من قبل سعوديين، فبعضهم رآه معقولاً ومنطقياً، فيما راح بعض آخر يصفه بأنه يساير التجديد "المخالف للشرع" الذي ما عهدته المملكة من قبل، بحسب تعبيرهم.
 
وقال المطلق إن أكثر من 90% من المسلمات الملتزمات، ومنهن داعيات ويحفظن القرآن الكريم، لا يعرفن ارتداء العباءات.
 
وأضاف: "أحبتي في الله، ما نلزم الناس بالعباءات، العباءة عندنا ستر، وهي داخلة في الجلابيب التي قال الله تعالى عنها: ﴿يا أيها النبي قُل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفوراً رحيماً﴾".
 
وأكد المطلق أنه "إذا سترت المرأة نفسها، سواء بعباءة على الرأس أو الكتف، أو بغير ذلك، فالحمد لله، المقصود الستر".
 
لكن الدكتور عمر العمر، عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء السعودي، رد على المطلق معتبراً إياها "زلة واضحة، ومخالفة لأدلة الكتاب والسنة"، مستشهداً بفتوى قديمة تخالف ما قاله هو وما قاله بن سلمان لاحقاً.
وتفاعل عدد من المغردين السعوديين والعرب على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" مع تصريحات ولي العهد السعودي، بين من اعتبرها صحيحة من ناحية اجتماعية وشرعية، وبين من انتقدها واصفاً إياها بالمخالفة للنهج الشرعي السائد في المملكة، مستدلين بآيات قرآنية.
حريات منقوصة للمرأة 
لكن المملكة تشهد مناخا جديدا حذرا فيما يتعلق بالحريات الاجتماعية مع صعود ولي العهد البالغ من العمر 32 عاما إلى السلطة بعد سنوات طويلة كان حكام المملكة فيها من كبار السن.
 
وبدأت النساء السعوديات ارتداء عباءات ملونة في السنوات الأخيرة لتظهر ألوان مثل الأزرق الفاتح والوردي بدلا من الأسود المعتاد. كما تزايد انتشار ارتداء العباءة المفتوحة على تنورة طويلة أو سروال من الجينز في بعض أنحاء البلاد.
 
وفي الثامن من مارس احتفلت مجموعة من النساء في مدينة جدة السعودية باليوم العالمي للمرأة بممارسة إحدى الحريات الجديدة المتمثلة في حقهن في الخروج لممارسة رياضة الجري دون أن يعبأن بالمحدقين.
 
 
ومع ذلك ينتقد النشطاء نظام ولاية الرجل الذي يفرض على المرأة الحصول على إذن من أحد أفراد الأسرة الذكور لتدرس بالخارج أو لتسافر أو لممارسة أنشطة أخرى.
 
ودعت وكالة مدافعة عن الحقوق تابعة للأمم المتحدة السعودية الأسبوع الماضي إلى إنهاء ممارسات التمييز ضد المرأة بما في ذلك وصاية الرجل عليها والسماح لها بحقوق قانونية كاملة.
 
ولم يتوقع مراقبون أن تشهد السعودية سلسلة التغييرات الدراماتيكية التي طالت جميع المجالات وتجاوزت الخطوط الحمراء التي رسمتها بلاد الحرمين بهذه السرعة الفائقة، وذلك في ظل انتهاج الأمير الشاب سياسة "العلاج بالصدمة"؛ بغرض ما وصفه بـ"تحديث الحياة الثقافية والسياسية"، مثلما قال لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أواخر فبراير المنصرم.
 
حماية للملكية واقتصادها
 
ورأت صحيفة" sueddeutsche" الألمانية، أن تصريحات بن سلمان تأتي كجزء من مخطَّطه لحماية الملكية الحاكمة.
 
 
فولي العهد على وعي تام بنظرة الغرب لبلده، كما أنه يعلم أيضاً كيف يتصرف إزاء هذه المسألة، لذلك قرر الظهور مجدداً خلال لقاء تلفزيوني مع قناة "سي بي إس" الأمريكية، قبل لقائه مع الرئيس، دونالد ترامب، وعاد ليتحدث حول دور المرأة السعودية، وهو أمر يعتبر جديداً في ظل الظروف التي تعيشها نساء هذه البلد.
 
على الرغم من التوضيح الذي سرده الأمير الشاب، لا ترى الصحيفة الألمانية أن كلامه يُفهم على أن النساء المسلمات في المملكة لن تكنّ مجبرات في المستقبل على ارتداء الحجاب، مثلما تطالب بذلك النساء في إيران على سبيل المثال، وذلك لأن هناك إلزاماً قانونياً للنساء في السعودية بارتداء غطاء الرأس، بقطع النظر عن ديانتهن.
 
وترى الصحيفة الألمانية أن هناك أيضاً دوافع اقتصادية وراء الخطاب الليبرالي لمحمد بن سلمان، الذي يدافع من خلاله عن مبادراته لتعزيز حقوق المرأة.
 
هذا الدفاع الذي يخوضه بن سلمان يعود لعدة أسباب، باعتبار أن نجاح إصلاحاته الاقتصادية الطموحة يرتبط جزئياً بنجاحه في الرفع من نسبة النساء في سوق العمل.
 
وتحتل المملكة السعودية في الوقت الراهن المركز 140 من مجموع 144 دولة، في تصنيف المنتدى الاقتصادي العالمي حول المساواة بين الجنسين.
 
ويتمثل الهدف المعلن من هذه الخطوات في الرفع من نسبة النساء العاملات، من المستوى الحالي، وهو 22%، إلى 30%. ومن بين المؤشرات الدالة على هذا التوجه؛ تعيين تماضر بنت يوسف الرماح نائبةً لوزير العمل والشؤون الاجتماعية، حتى إن الجيش أعلن مؤخراً عن فتح الباب لتوظيف النساء.
 
إضافة إلى ذلك، يريد محمد بن سلمان الدفع بالمجتمع نحو مزيد من الانفتاح والحداثة، بعيداً عن سطوة رجال الدين المحافظين. وقد أعلن سابقاً عن عزمه على قيادة بلاده نحو الإسلام المعتدل. كما انتقد السلطة الواسعة التي يتمتع بها المتشددون، منذ عملية احتجاز الرهائن في مكة في سنة 1979، حيث تعهَّد بالحد من هذه السلطة، وقال: "لقد كنا ضحايا، وخاصة أبناء جيلي".
 
 
في الأثناء، أصبحت الحفلات تقام في المملكة (رغم أن الرقص والتمايل ممنوع)، وعروض الأفلام في السينما، من خلال هيئة خاصة للترفيه تم تكليفها بتطوير هذا القطاع. ولهذا، سيلتقي ولي العهد خلال زيارته للولايات المتحدة بممثلين عن صناعة السينما الأميركية.
 
ومن المفترض أن يسهم قطاع الترفيه في جعل الاقتصاد أقل اعتماداً على النفط، ذلك أنه إلى الآن، يتم إنفاق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً في دول مثل البحرين والإمارات للترفيه، أين تكون القوانين أقل صرامة ويُسمح للسعوديين بالاستمتاع في كل نهاية أسبوع.
 
علاوة على ذلك، تهدف هذه الخطوة إلى إلهاء الشباب، حيث إن ثلثي الشعب السعودي تقل أعمارهم عن 30 سنة، فضلاً عن أن الدولة لن تكون قادرةً على توفير كل مستلزماتهم من المهد إلى اللحد، كما تكفلت بذلك في زمن آبائهم. ويبدو أن العقد الاجتماعي الذي كان سارياً في هذه المملكة، بات الآن محل تساؤل.
 
في الحقيقة، لا تعد هذه الإصلاحات هدفاً في حد ذاتها، بل تأتي كنتيجة لانخفاض أسعار النفط، وتمثل استراتيجية بقاء ضرورية جداً لحماية النظام الملكي. ولم ترافق الإصلاحات الاجتماعية كلاً من الانفتاح السياسي والإصلاحات الديمقراطية حتى الآن، بل ذهبت في اتجاه معاكس لها تماماً.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان