رئيس التحرير: عادل صبري 08:16 مساءً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

«الحرب غير النظيفة».. أسلحة دولية تغتال مدنيي سوريا والعراق

«الحرب غير النظيفة».. أسلحة دولية تغتال مدنيي سوريا والعراق

العرب والعالم

مقتل مدنيين في سوريا

«الحرب غير النظيفة».. أسلحة دولية تغتال مدنيي سوريا والعراق

أحمد علاء 04 مارس 2018 09:49
"انتصار كبير دفع ثمنه المدنيون".. هذا خلاصة ما أسفر عنه التدخل الغربي في سوريا والعراق، من قِبل التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، بحجة الدفاع عن المدنيين هناك.
 
التحالف الذي برر  تدخله بأنّه يكافح الإرهاب وتمدُّد تنظيم "الدولة"، لم يسلم منه المدنيون الذي سقط منهم قتلى كثيرون، ما فرض حالة من الشك في هذا التدخل من الأساس واستهدافه للمدنيين ضمن أجندة خاصة.
 
يخلص التأثير الفتاك الذي طال المدنيين في سوريا والعراق، ما قالته سحر محمدالي مديرة برنامج الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مركز المدنيين بالصراعات مؤخرًا: "الحرب ليست نظيفة أبدًا.. ستسقط وفيات من المدنيين، وستُدمر البنية التحتية، ولكن السؤال هو كيف تحاول تقليل ذلك؟.. كانت حملة مكثفة، والمدنيون دفعوا ثمنًا مروعًا".
 
يقول التحالف الدولي إنّه أجرى 29 ألفًا و70 ضربةً بين أغسطس 2014 ويناير  2018؛ مما أسفر عن مقتل 841 مدنيًّا على الأقل، لكنّ هذا الرقم أقل بكثير من التقديرات المستقلة، مما أثار تساؤلات حول سير الحرب وتأثيرها على المدنيين العراقيين والسوريين، بحسب موقع "ذي إنترسبت".
 
ووفقًا لتقارير جماعة "إير وارس" الحقوقية غير الحكومية، فقد توفي ما بين 6136 و9315 مدنيًّا في ضربات التحالف منذ عام 2014، مع ارتفاع عدد القتلى بشكل استثنائي في عام 2017، كما كشفت التحقيقات التي أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية مؤخرًا حول الغارات الجوية في العراق عن نقص حاد في الإبلاغ عن الإصابات في صفوف المدنيين، مع وجود آلاف الضحايا المدنيين الذين لا يحملون وثائق رسمية.
 
وفي تقييمها السنوي الصادر في شهر فبراير الماضي، كشفت "إير وارس" أنّ عام 2017 كان أكثر الأعوام دموية بالنسبة للمدنيين في العراق وسوريا، إذ ارتفع عدد القتلى المدنيين جرّاء هجمات القوات الجوية وقوات المدفعية التي شنّها التحالف لدعم القوات البرية المحلية في العراق وسوريا بنسبة تزيد على 200% مقارنة بالعام السابق.
 
وعلى مدى 12 شهرًا مضت، وقع ما يقرب من 65% من جميع الوفيات بين المدنيين التي سجلتها إير وارس منذ بدء الحملة الجوية في عام 2014.
 
وفي حادثة وُصفت بـ"سيئة السمعة" خلال معركة الموصل، استخدمت القوات الأمريكية قنبلة من طراز GBU-38، تزن 500 رطل؛ لاستهداف قناصة من تنظيم "الدولة"، وقد تسببت الغارة الجوية في سلسلة من الانفجارات الثانوية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني في المنطقة، وهو ما كان يمكن تجنبه لو استخدمت ذخائر صغيرة بالغارة الجوية. 
 
الموقع الأمريكي نقل عن الباحث بإير وارس أليكس هوبكنز: "نتوقع حدوث خسائر بصفوف المدنيين في العمليات العسكرية لا سيما خلال الهجمات بالمناطق المدنية الكبيرة لكننا لم نتوقع زيادة الإصابات بمعدل من هذا القبيل". 
 
وأضاف: "رصدنا مستويات عالية جدًا من الأضرار المدنية خلال العام الماضي، وهو يثير تساؤلات جادة حول مستوى حذر التحالف في عملياته".
 
كما أنّ الزيادة المذهلة في معدلات الإصابات في صفوف المدنيين تثير تساؤلات حول أثر التغيرات السياسية في الولايات المتحدة على سير الحرب، ففي الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية لعام 2016، وعد المرشح – آنذاك – دونالد ترامب باتخاذ إجراءات وحشية وعشوائية ضد الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة" في العراق وسوريا بمجرد تولي السلطة، وتعهد بقصفهم بشكل عنيف وإخراج أسر المتطرفين المشتبه فيهم.
 
كشف التقرير أثر التغيرات السياسية في أمريكا على سير الحرب، فيذكر: "مشاركة ترامب في تفاصيل الحملة العسكرية محل شك، ولكنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، ويبدو أن خطابه قد أثر على البنتاجون، فيوجد اختلاف كبير في الموقف العام للمسؤولين العسكريين في عهد أوباما، مثل ديفيد بترايوس وستانلي ماكريستال، اللذين أكدا بشكل عام على القيمة الاستراتيجية للاستخدام الحكيم للقوة وحماية المدنيين، بينما دعا وزير الدفاع الحالي جيمس ماتيس علنًا​لاستخدام تكتيكات إبادة جماعية ضد الجماعات المسلحة".
 
ويضيف أنّه في 9 يناير الماضي، صرّح أعلى ضابط مجند في الجيش، القائد جون واين تروكسيل: "إذا لم يستسلم مقاتلو تنظيم (الدولة) فسوف نستخدم التدابير القصوى لقتلهم، سواء كان ذلك من خلال مساعدة قوات الأمن، بإسقاط القنابل عليهم، وإطلاق النار على وجههم، أو ضربهم حتى الموت بأدوات الحفر".
 
ويتابع: "في الأشهر السابقة، بالفترة التي سبقت هجوم التحالف على الرقة، تفاخر قائد التحالف آنذاك الفريق ستيفن تاونسند بأن قواته تفتح النار على كل قارب يجدوه في نهر الفرات الذي يمتد بجانب المدينة. ويبدو أن تصريحات تاونسند تتجاهل حقيقة أن نهر الفرات كان الطريق الرئيسي لهروب المدنيين الفارين من المدينة".
 
وبحسب التقرير، تشير العلاقة بين الخطاب الدموي وارتفاع عدد القتلى المدنيين إلى زيادة حدة الهجوم بالمعركة في العام الماضي على الأقل، في الوقت الذي ذكر فيه ماتيس في تصريحات علنية أنّ عملية صنع القرار حول الضربات الجوية قد أسندت لقادة من مستوى أقل، فإنّ البنتاجون أكّد أيضًا أنّ قواعد الاشتباك الرسمية التي تحكم استخدام القوة في العراق وسوريا لم تتغير منذ تولى ترامب منصبه.
 
هنا يجدر تساؤل مهم، هل كان يمكن تقليل خسائر المدنيين، فينقل التقرير عن خبير الأمن القومي في مركز أبحاث الشؤون الدولية "تشاتام هاوس" ميكا زينكو قوله: "قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط، كانت عبارات كبار القادة تشير إلى أنّنا لا نستطيع أن نقتل أو نأسر للخروج من هذه المشكلة.. هذه اللهجة قد اختفت الآن، وأصبح الحديث عن قتل العدو بصرامة".
 
وأضاف: "النقاط التي ركز عليها كبار القادة على نفس القدر من أهمية، القواعد الرسمية، إذا كان وزير الدفاع أو قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل يهتم بهذه المسألة، فإنها تكرس المزيد من الموارد والاهتمام لفهم ذلك".
 
ويشير زنكو إلى أنّ ارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين يمكن أن يعزى كليًّا إلى زيادة القتال في المناطق المدنية بالرقة والموصل.. لقد أصبحت القدرة على تحديد الأهداف، ومدى تأثير الذخائر متطورة جدًا، بغض النظر عن مكان المعارك".
 
تكشف كل هذه المعلومات الوجه الأكثر بشاعةً في النزاعات المسلحة، وتحديدًا في سوريا والعراق، إذ لا يقتصر القتلى على العناصر المصنفة إرهابيين أو قوات الأمن، بل يسقط ضحايا مدنيون كثيرون جرّاء غارات التحالف الدولي.
 
كما تحدّثت تقارير دولية عديدة عن سقوط ضحايا من السنة، وهو ما أعطى مؤشرًا بأنّ استهدافًا متعمدًا ينال من "السنة"، ضمن أجندة مخططة مسبقًا، إلا أنّ الأمر أُجمع على وصفه بـ"جرائم حرب".
 
بيد أنّ تبريرات عديدة صدرت عن الولايات المتحدة، بأنّ سقوط ضحايا مدنيين أمر وارد، من منطق خسائر الحرب المتوقعة في أي مواجهة عسكرية، إلا أنّ ذلك أثار العديد من التساؤلات عن ضرورة مواجهتها قانونيًّا.
 
من الناحية القانونية، يقول الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي إنَّ الصفة الرسمية للمتهم لا تبيح له ارتكاب الجريمة الدولية ولا تمنع عنه المسؤولية ولا تخفِّف عنه العقوبة، لافتًا إلى أنَّ العديد من رؤساء الدول الذين تمَّت ملاحقتهم جنائيًّا في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.
  
سلامة شدَّد على ضرورة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لتحديد مسؤولية الطرف أو أطراف النزاع الذين ارتكبوا هذه الجرائم، وفي حال ثبوت أنَّ دولة ما وعن طريق جيوشها النظامية أو مليشياتها العسكرية التابعة لها قد ارتكبت هذه الجريمة فإنَّ القانون الدولي يقر مسؤولية الدولة فضلًا عن مسؤولية الأشخاص الطبيعيين الذين ارتكبوا هذه الجريمة.
  
جرائم الحرب التي تحدثت عنها المسؤولة الدولية يوضح سلامة لا تسقط بالتقادم على وجه الإطلاق، وذلك إعمالًا لاتفاقية الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة لمنع التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية عام 1968.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان