رئيس التحرير: عادل صبري 04:14 صباحاً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

وزارة سعودية لـ«الشؤون الإفريقية».. صراع النفوذ في القارة السمراء يحتدم

وزارة سعودية لـ«الشؤون الإفريقية».. صراع النفوذ في القارة السمراء يحتدم

العرب والعالم

خريطة الصراعات الداخلية في إفريقيا من مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية

وزارة سعودية لـ«الشؤون الإفريقية».. صراع النفوذ في القارة السمراء يحتدم

أحمد جابر 27 فبراير 2018 15:55

في مفاجأة جديدة، أصدر العاهل السعودي «سلمان بن عبدالعزيز آل سعود» قرارا بإنشاء وزارة للشؤون الإفريقية في خطوة هي الأولى في تاريخها، وقرر تعيين السفير السعودي بالقاهرة «أحمد بن عبدالعزيز قطان» كأول وزير لهذه الوزارة الوليدة.

 

لكن تأثيرات القرار المفاجئ تجاوزت دلالاتها جدران قصر اليمامة في العاصمة الرياض، لتحمل رسالة واضحة لا تخطئها العين إلى عواصم عديدة.. لا تقف دلالاتها عن عواصم القارة السمراء وحدها.

 

الوزارة التي أنشأتها المملكة العربية الآسيوية، يلفت النظر عدم وجود نظير لها في الدول الإفريقية الكبرى التي تتولى زعامة القارة، فليس في العملاق الإفريقي النيجري، ولا في جنوب إفريقيا أو إثيوبيا أو مصر التي تعد كل واحدة منها من رواد إفريقيا ورموزها، وربما لا تشابهها في قرارها غير المغرب التي اتخذت قرارا مؤخرا بإنشاء وزارة للشؤون الإفريقية.

 

غير أن اتخاذ المغرب لذلك القرار في هذا التوقيت مفهوم، فالبلد الإفريقي الذي ظل خارج الاتحاد الإفريقي سنوات طويلة، يطمح بعد عودته لمد أواصر التعاون سريعا مع جيرانه وتعويض فترة القطيعة الأخيرة.

 

ويأتي القرار السعودي في ظل تنامي السباق والتنافس الإقليمي والدولي على القارة السمراء، وخاصة شرق إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي.

 

الصراع المحتدم في إفريقيا لم يعد بمنأى عن السعودية التي كانت تدخلاتها طفيفة وعن طريق استثمارات فردية غير مؤسسية، لعل أبرزها اسثمارات رجل الأعمال السعودي الملياردير «محمد حسين العمودي» صاحب الاستثمارات الكبيرة في إثيوبيا.

 

لكنه حتى استثمارات «العمودي» لا يمكن للنظام السعودي التعويل عليها بشكل كبير، فبالإضافة إلى أنها استثماراته الشخصية وليست بشكل مؤسسي تابع للمملكة، فإن اعتقال «العمودي» نفسه ضمن حملة الاعتقالات التي شنها ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» تحت شعار «مكافحة الفساد» تجعل استغلال استثمارات «العمودي» لصالح النظام في المملكة أمرًا صعبًا.

 

انزعاج متأخر

 

ورغم عدم إبداء الاهتمام السعودي إفريقيا بشكل ملموس، فإنها مؤخرا أبدت انزعاجها من تنامي نفوذ بعض الدول في الجهة الغربية لسواحلها على البحر الأحمر، ولعل أبرز هذه المرات التي خرجت فيها السعودية عن صمتها وتحدثت عن نفوذ دولي على البحر الأحمر، ما شهدته تصريحاتها حول الاتفاقية التركية السودانية بتطوير وإدارة جزيرة سواكن السودانية، وهو الاتفاق الذي لم يحظ برضا سعودي.

 

النفوذ التركي لا يتعلق بالسودان وحدها، فجولات الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» في عدد من الدول الإفريقية، كشفت عن اتفاقات وعقود وشركات تركية وجدت لها مساحات في القارة السمراء، وباتت تركيا ترسم لنفسها صورة جديدة في إفريقيا، ودورا لا يمكن وصفه بأنه مجرد «عقود استثمارية» لا تحمل أي أهداف سياسية، وهو ما ظهر بشكل واضح في حشد تركيا أصوات إفريقيا لصالح المشروع الذي تقدمت به (مشاركة مع اليمن) لمجلس الأمن بشأن القرار الأمريكي المتعلق بالقدس المحتلة واعتبارها عاصمة لـ(إسرائيل)، حيث بدت الاتصالات التركية أسرع وأقوى من الجيران العرب.

 

سباق الحلفاء والأعداء

 

كذلك لا يمكن للسعودية أن تتجاهل تنامي النفوذ القطري في إفريقيا، إلى الحد الذي باتت فيها قطر راعيا للاتفاقيات بين الفصائل المتنازعة في دارفور، بل وحكما دوليا ومراقبا للحدود في النزاع المحتدم بين جيبوتي وإرتريا، وغزت الاستثمارات القطرية الموجهة والممنهجة بشكل دقيق دولا أخرى في العمق الإفريقي، وهو ما فاجأ السعودية والإمارات أثناء بذل جهود لحشد مواقف دولية مؤيدة لـ«حصار قطر».. حيث لم تنضم إلى المقاطعة إلا عدد قليل من الدول الإفريقية، وبعض المنضمين لم يبدوا جدية في المضي قدما في الإجراءات لاحقا.

 

النفوذ القطري في إفريقيا فاجأ السعوديين، حيث شكل حائط صد أمام انضمام كثير من الدول الإفريقية التي تنظر إليها السعودية على أنها تدور في فلكها، وحرص أمير قطر «تميم بن حمد» على القيام بجولة لتلك الدول الإفريقية التي استقبلها زعماؤها بحفاوة مبالغ فيها، وهو ما استدعى إعادة هيكلة لطريقة التعامل السعودي إفريقيا.

 

وإضافة إلى النفوذ القطري، فإن تنامي النفوذ الحليف الإماراتي في إفريقيا بات يشكل دافعا للسعودية بالسعي لتنمية تواجدها إفريقيا أيضا، فالإمارات التي لا تملك سواحل على البحر الأحمر، ولا تتشارك مع إفريقيا في البحر ذاته والخطوط الملاحية البحرية المباشرة القريبة، باتت تسيطر على كثير من الموانئ التي تقابل السواحل السعودية عن طريق شركتها الشهيرة «موانئ دبي».

 

وإذا كانت «موانئ دبي» قد منيت بانتكاسة قبل يومين في جيبوتي بعد أن انتزعت منها إدارة الموانئ التي كانت تسيطر عليها، فإنه لا يمكن إغفال الإدارة الإماراتية لعدد من الموانئ الإفريقية، بدءا من الموانئ المصرية شمالا، ومرورا بالموانئ السودانية والإرترية والإفريقية في عدد من الدول الأخرى.

 

لكن صراع النفوذ يأخذ أيضا طابعا مذهبيا، فإيران (العدو اللدود للسعودية) تشن نشاطا تبشيريا بالمذهب الشيعي بشكل محموم في دول إفريقية عدة، خاصة في دول الغرب الإفريقي التي تعد منسية للعديد من الدول العربية السنية، حتى صار من المفاجئ أن وجد المذهب الشيعي موطئ قدم في إفريقيا وعددا من الأنصار بعدما كان جميع المسلمين الأفارقة على المذهب السني.

 

النفوذ الدولي أيضًا

 

أضف إلى السباق والمنافسة الإقليمية المحتدمة بين كل من تركيا وقطر الإمارات على صراع النفوذ في إفريقيا، دخول أطراف دولية بثقلها في سباق النفوذ الإفريقي، إذ بدت (إسرائيل) حاضرة بشكل مؤثر في عدد من البلدان الإفريقية بشكل لافت للنظر، وتحولت دول إفريقية من الجانب المؤيد للقضية الفلسطينية الرافض للتطبيع، إلى الجانب المطبع فعلا مع دولة الاحتلال، وظهر رؤساء أفارقة إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ورفعت شركات الاحتلال العلم الإسرائيلي في قلب إفريقيا، بل باتت (إسرائيل) مؤثرا على سياسات بعض الدول في إفريقيا ومهددا لمصالح الدول العربية هناك.

 

كذلك تنامى النفوذ الصيني في إفريقيا بشكل كبير، وانتشرت الشركات الصينية والاتفاقات الاقتصادية في عمق إفريقيا، حتى بات طبيعيا أن يجد المشاهد رجال الأعمال الصينيين في عواصم دول إفريقية كبيرة وصغيرة بطول القارة وعرضها.

 

وإذا كانت الصين لا تستفز سياستها الخارجية المملكة، فإن المملكة لا تنظر بالشكل ذاته إلى مواقف روسيا، حيث لا تحظى المواقف الروسية برضا المملكة بشكل كبير، وحتى رغم الزيارة الأولى من نوعها لملك السعودية «سلمان بن عبدالعزيز» إلى موسكو، وتوقيع عقود أسلحة.. فإنه لا يمكن اعتبار أن مواقف السعودية وروسيا باتت على وفاق.

 

أبعد من السياسي والاقتصادي

 

وخلال الفترة الماضية، زاد الاهتمام الروسي بإفريقيا، وتصاعدت لهجتها بالنسبة لعدد من الدول، لعل من أبرزها ليبيا التي بدأت روسيا تتدخل في أزمتها بشكل واضح، كما أن مصر نفسها تقترب من المحور الروسي على حساب الأمريكي مؤخرا ولا أدل على ذلك من إسناد إنشاء محطتها النووية الأولى بالضبعة إلى شركة «روس نفط» الروسية، لكن الوضع في ليبيا ينذر بتدخل روسي ووجود عسكري مباشر على غرار ما جرى في سوريا.

 

وإذا كانت المنافسة على النفوذ الإفريقي سياسيا واقتصادي قد شهدت وافدين جددا خلال الفترة الماضية، فإنه لا يمكن أيضا المنافس الذي ألقى بثقله عسكريا أيضا منذ نحو 10 أعوام، إذ أسست أمريكا قيادة عسكرية جديدة «أفريكوم» عام 2008 تختص بالأمور الإفريقية فقط.

 

إلى جانب الوجود العسكري الأمريكي، توجد أيضا قواعد عسكرية في إرتريا وجيبوتي لكل من فرنسا وبريطانيا والصين، وهو وإن كان أقل حجما من الوجود الأمريكي، فإنه لا يمكن للسعودية أن ترى السباق السياسي والاقتصادي والعسكري في الناحية الأخرى من سواحلها بينما تقف هي مكتوفة الأيدي بعيدة عن التواجد على أرض الواقع.

 

«قطان».. لماذا؟

 

وبعيدا عن دوافع القرار السعودي بإنشاء وزارة الشؤون الإفريقية، فإن اختيار السفير «القطان» طرح تساؤلات حول أسباب اختيار الرجل بعينه، دون غيره، كالاستفادة من خبرة الملياردير «العمودي» صاحب الاستثمارات الواسعة في إفريقيا مثلا.

 

يحظى «قطان» بخبرة واسعة في الشأن المصري، فقد ظل سفيرا للمملكة طيلة 7 سنوات تقريبا هي أكثر فترات البلاد حساسية، لكن «قطان» لم يسبق له العمل في إفريقيا، باستثناء مصر التي لها وضع خاص له عدد من الاختلافات عن العمق الإفريقي.

 

فقد سبق لـ«قطان» العمل في واشنطن، كما أن صاحب خبرة واسعة في الشأن العربي، فقد كان المندوب الدائم للمملكة في جامعة الدول العربية فترة معتبرة، وحضر جميع قممها لأكثر من 10 سنين (منذ 2005)، لكنها ليست وزارة الشؤون العربية.

 

كما أن «قطان» الذي يجيد العربية والإنجليزية، لا يتقن لغة إفريقية محلية واسعة الانتشار (السواحيلية مثلا)، لكن «قطان» يحظى بثقة واسعة لدى دوائر صنع القرار في السعودية، كما أنه بات في موضع رضى من الإدارة الحالية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان