رئيس التحرير: عادل صبري 11:48 صباحاً | الأربعاء 20 يونيو 2018 م | 06 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية

حياتهم مقابل رغيف.. متطوعون للموت في سبيل توزيع الطعام بالغوطة

حياتهم مقابل رغيف.. متطوعون للموت في سبيل توزيع الطعام بالغوطة

العرب والعالم

الأطفال يحتمون في أقبية الغوطة

بالفيديو والصور..

حياتهم مقابل رغيف.. متطوعون للموت في سبيل توزيع الطعام بالغوطة

وكالات - إنجي الخولي 27 فبراير 2018 10:25
في عملية انتحارية يتحرك شباب الغوطة وسط قذائف مدافع وطائرات نظام الأسد التي تتصيد حركة المتطوعين ، وسط أطنان من الإسمنت والخراب ، لإيصال رغيف خبز وشاي ، يبدو كوليمة فاخرة في أعين المحاصَرين الذين لم يأكلوا شيئاً منذ أكثر من 20 ساعة.
 
رغيف الخبز باللبنة، الذي يلتهمه الأطفال والشيوخ بنهم، كاد يكلِّف شابين حياتهما، لخروجهما من الأقبية رغم القذائف ؛ من أجل تأمين كيلوجرام من دقيق الشعير ولبنة وشاي، لسد رمق المحاصرين الذين علقت آمالهم على هدنة ولدت مشوهة على يد مجلس الأمن يوم السبت 24 فبراير.
 
شبكة «حراس» الحقوقية ، قالت انه على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن، لا تزال العائلات والأطفال في الغوطة يعيشون في أقبية تفتقر لأدنى مقومات الحياة دون طعام أو شراب، بسبب الحصار الخانق منذ خمس سنوات.
 
وتجاوز عدد الضحايا المدنيين خلال الأيام الأربعة الأخيرة 500 مدني وأكثر من 70 طفلًا، بحسب "حراس".
 
فيما يعيش ما يزيد عن 400 ألف مدني، بينهم 115 ألف طفل داخل بقعة جغرافية محاصرة، وسط تدهور الأوضاع المعيشية والصحية انتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال. 
وفي تقرير أصدرته الشبكة ، الاثنين 26 فبراير، قالت فيه إن سبعة أطفال قتلوا بقصف الطيران السوري لمدن وبلدات الغوطة الشرقية خلال 24 ساعة تلت إعلان الهدنة.
 
وصوت مجلس الأمن الدولي، السبت ، بالإجماع لصالح قرار وقف إطلاق النار في سوريا مدة 30 يومًا، يتم خلالها إدخال المساعدات وإجلاء الحالات الحرجة.
 
"حياة الأقبية"
لم يبقَ لأهالي الغوطة سوى الأقبية تحت الأرض ملاذا لهم، لكنهم يجدون أنفسهم محاصرين فيها غير قادرين على الخروج على وقع الغارات والقذائف المحيطة بهم.
 
وبحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية عرض لمعاناة السكان والأهالي في المنطقة فإن الأوضاع بلغت حدا غير مسبوق من عدم القدرة على الاحتمال خصوصا بسبب استهداف المنطقة بآلاف القذائف والصواريخ يوميا فضلا عن الأسلحة الروسية الجديدة التي يتم تجريبها على المواطنين هناك.
وانتقل سكان مدن الغوطة وبلداتها، إلى الأقبية غير المجهزة بعد أن دكّت غارات النظام ومدافعها منازلهم وحوّلتها ركاما، فيما يتخذ آخرون منها ملجأ موقتا لتفادي القصف الذي يستهدف أحياءهم .
 
 "من لم يمت بالقصف مات بغيره.. يتساءل سكان الأقبية في الغوطة كم من الوقت سيستطيعون تحمُّل الجوع والعطش والبرد، خاصة الأطفال والشيوخ منهم، "الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة بتوقيت الغداء العالمي.. صحة وهَنا"، تعلق  كتبته الناشطة السورية نيفين الحوتري، وهي أم لطفلين من أحد أقبية الغوطة .
 
"شو بدنا نطبخ اليوم؟"، السؤال يبدو لنيفين بعيداً جداً، تتذكر كيف كانت تسمعه كل يوم من جدتها وأمها، وكيف استخدمته هي فيما بعد مع أسرتها.
السؤال صار يُوجعها اليوم، كما تكتب على صفحتها بـ"فيسبوك". المحاصَرون في الأقبية صاروا يطرحون السؤال، ليس للاختيار، وإنما بسبب أن توفير لقمة قد أصبح شبه مستحيل، المخازن التي اعتادوا رؤيتها مملوءة بخيرات أراضيهم فرغت، والمحلات أقفلت، وتمر ساعات طويلة قبل أن تصلهم مساعدات أو تبرعات فيما يشبه المعجزة.
 
وفي الخارج قد تجد رجل يسير في الشارع بخطى متسارعة، يحاول أن يصل بالخبز إلى أطفاله ، وجهه أصفر يبدو عليه الإرهاق، فجأة يدوي انفجار كبير، فيتمدد على الأرض ويضع يديه فوق رأسه، وبعد لحظات يرفع رأسه لينظر حوله، ثم يقف على مهل يتفقد جسده إن كان أصيب بشظية، ويكمل طريقه.
 
وفي شارع آخر، رجلا في الخمسين من العمر، يلف رأسه بقطعة قماش، وثيابه مغبرة وكأنه خارج من تحت الأنقاض، ولا يرتدي حذاء، في حين يحمل بيده علبة بلاستيكية بها ماء، يسير بمحاذاة جدران المنازل، وكلما يسمع صوت انفجار أو هدير طائرة، يخفض رأسه ويحاول أن يلجأ إلى مدخل أحد الأبنية .
إلا أن حظ المتطوعين لا يكون دائما جيد ،"في عنا (عندنا) متطوع انصاب بحروق بوجهو"، يقول متأثراً أحدُ المشاركين في عملية توزيع المساعدات.
 
المواد الموزعة على العائلات المحاصَرة لا تقتصر على الطعام والتدفئة، فقد يحدث أن يحصل الأطفال المحظوظون على بعض البسكويت واللعب، كما يحكي الفاعل الجمعوي عاطف نعنوع، فقد استطاعوا التغلب على الخوف الذي يسكنهم من القصف والموت، والوصول إلى أقبية أطفال لم يغادروها منذ أيام، ووزعوا عليهم قطع الحلوى واللعب معهم، "نوزع عليهم بسكويتاً ونلعبن شوي وننسيهن الأسى اللي عايشينو".
مئات آلاف المدنيين في الغوطة تحولوا إلى أهداف مستباحة للطائرات والمدفعية وغيرها من الأسلحة، وكل ما يستطيع المحاصرون فعله هو إغماض عيونهم والاختباء بالزوايا، والدعاء أن يحميهم الله، فهم لا يملكون ما يحتمون به.
 
"أين الإرهابيون؟!"
مع تعالى أصوات الطائرات التي تلقيها بصواريخ وبراميل متفجرة ، تهتز قلوب المحاصرين وتسبب لهم ارتفاع ضغط الأذن وانسدادها، صاروا كل مرة يقومون ببعض الحيل التي تعلَّموها بدرس العلوم في المدرسة، يفتحون أفواهم كلياً؛ لتخفيف الضغط عن الأذن، في مشهد مسرحي يفتح كل من في الغرفة فمه.
 
وتضيف الحوتري، "أصوات البراميل تهز القلب .. ، فجأة طلع صوت رجل مسن بالقبو يسأل: معقول كل الإرهابية حولنا؟ قلت له: لو النظام ودول العالم فيهم إنسانية ما كانوا رضيوا إنك تنام على أرض القبو البارد. إنسانية العالم ناقصة. يتركك تنام بردان وجوعان وهو سهران يحضر لخطبة عن معاناتك وحقوق الإنسان والإنسانية".
 
وتتعلل قوات النظام السوري، مدعومة بالطيران الروسي، بأنها تسعى للقضاء على المجموعات الإرهابية التي تتخذ من الغوطة قاعدة لها، عبر عمليات عسكرية واسعة النطاق وحصار خانق.
عمليات نتج عنها -حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان- مقتل ما لا يقل عن 462 شخصاً وإصابة مئات آخرين، ومن بين القتلى 99 طفلاً على الأقل.
وفي جلسة بأحد الأبنية الفخمة للأمم المتحدة ، قالت ليندا توم وهي متحدثة باسم الشئون الإنسانية للأمم المتحدة في دمشق في تصريحات عبر البريد الالكتروني "إن الأمم المتحدة متأهبة ومستعدة لترسل على الفور قوافل إغاثة إلى عدة مناطق في الغوطة الشرقية لإنقاذ الابرياء بمجرد أن تسمح الظروف والقيام بعمليات إجلاء طبي للمئات". 
 
 
"حان الوقت لوقف هذا الجحيم"
وتوالت الدعوات الدولية إلى التنفيذ الفوري لوقف إطلاق النار في سوريا لمدة ثلاثين يوما، الذي تبناه مجلس الأمن الدولي قبل يومين. كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الاثنين إلى وقف "جحيم الغوطة".
 
وقال غوتيريش في افتتاح الجلسة السنوية الرئيسية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف إن وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة مستعدة لتوصيل المساعدات الضرورية وإجلاء المصابين بجروح خطيرة من منطقة الغوطة الشرقية التي تخضع لسيطرة مقاتلي المعارضة.
 
وأضاف أن الغوطة الشرقية -التي تقع خارج دمشق ويعيش فيها أربعمئة ألف إنسان تحت الحصار- "ليس بوسعها الانتظار"، فقد "حان الوقت لوقف هذا الجحيم".
وانتقد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين في جنيف الاثنين عدم التحرك حيال النزاعات في دول عدة بينها سوريا، معتبراً أنها "أصبحت مثل بعض المسالخ للبشر في العصر الحديث لأنه لم يتم التحرك بشكل كاف لمنع هذه الأهوال".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان