رئيس التحرير: عادل صبري 03:30 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

«ماكرون» يعمل على إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا

«ماكرون» يعمل على إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا

العرب والعالم

إيمانويل ماكرون

«ماكرون» يعمل على إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا

وكالات - إنجي الخولي 14 فبراير 2018 09:54
"نعمل على هيكلة إسلام فرنسا" ذلك ما كشف عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، في خطوة محفوفة بالمخاطر لوضع اللبنات الأولى لعملية إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا، خلال النصف الأول من هذا العام .. فهل ينجح ماكرون فيما فشل فيه سلفه ليحل "الإسلام الفرنسي" محل "الإسلام في فرنسا"؟.
 
في حديثه عن "المنهج" الذي يسير على هديه، يؤكد ماكرون أنه يريد "التقدم خطوة بعد خطوة" فضلا عن أنه حريص على عدم تكرار أخطاء الآخرين في ارتكاب عمليات تبسيطية حول الإسلام من شأنها أن تثير "البلبلة وسوء الفهم". 
 
والواضح أن ما يزيد من حساسية ملف "الإسلام الفرنسي" استغلاله سياسيا والربط بينه وبين العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا منذ أوائل عام 2015. 
 
صحيفة "جورنال دو ديمانش"، قالت أن نظرة جديدة للرئيس الجديد حول "الإسلام في فرنسا" تبلورت: "فمنذ عقدين، باتت الممارسات في هذا الصدد، أي التعاطي مع الإسلام، متفقاً عليها تقريباً، بغض النظر عن التحديات التي لا تزال قائمة. 
 
ولم يكشف إيمانويل ماكرون عن الجوانب التي يميل إليها في هذا الغرض، ولكنه فسَّر الطريقة التي سيتوخاها، بحسب الصحيفة الفرنسية.
 
ومن حيث المضمون، تعد القضايا الرئيسية، في هذا الصدد، جلية وواضحة، حيث لطالما كانت في صلب المشاريع التي تبناها الرؤساء المتعاقبون، وذلك دون تحقيق أي نجاح يُذكر.
 
"ميثاق" ماكرون
فماكرون يريد أن يضع حدا لما يسميه "الإسلام القنصلي"؛ أي الإسلام المرتبط بالخارج والإسلام الذي يستعين بأمة وعلماء يأتون من بلدان المغرب أو من تركيا وغالبيتهم لا يجيدون اللغة الفرنسية ولا يعرفون عادات وتقاليد البلاد؛ وعلى رأسها العلمانية التي يريد ماكرون، كمن سبقه، أن تكون النبراس الذي يهتدى به، من غير أن تؤدي إلى "حرب الهويات" بين المسلمين وغير المسلمين.
 
ومن المسائل الشائكة تمويل تشييد المساجد التي يحتاجها المسلمون في فرنسا ورغبة الحكومة بوضع حد للتمويلات الخارجية والحاجة لإطار داخلي للتمويل، علما بأن القوانين الفرنسية تمنع تمويل أماكن العبادة فضلا عن تأهيل الأئمة في المعاهد الفرنسية.
 
وبحسب الصحيفة الفرنسية، فقد شملت مشاريع الرؤساء السابقون تأسيس هيئات تمثيلية حقيقية للمسلمين، علاوة على التمويل المنتظم لدور العبادة وتعزيز الرقابة على الحسابات التي تمولها المساجد، وتكوين "أئمة فرنسا" ليحلوا محل الأئمة الوافدين من دول أخرى أو لتعويض الأئمة الذين "نصَّبوا أنفسهم بأنفسهم"، إضافة إلى استقلال "إسلام فرنسا" عن الإسلام في دول أخرى.
 
وكان مسئول مسلم من إقليم " بوش دو رون"، قد قال لصحيفة لوفيجارو بأن "التيار السلفي قد حقق تقدُّماً ملحوظاً في فرنسا… وقد تولَّد ذلك نتيجة الفراغ الذي خلّفه خاصة مشكل الأئمة الذين لا يتقنون اللغة الفرنسية".
فالإسلام الغني بنحو 6 ملايين شخص يشكل الديانة الثانية في فرنسا بعد الكاثوليكية. لكن مشكلاته والصعوبات التي يعاني منها كثيرة، ولا تختصر فقط بغياب التمثيل الحقيقي أو الحاجة إلى أئمة وعلماء يتم استجلابهم من الدول العربية أو من تركيا؛ بل هناك حاجة أساسية ورغبة من الدولة الفرنسية في أن تكون للإسلام الفرنسي مرجعيات تحاجج وتحارب الفكر المتطرف والنزعات "الجهادية". أضف إلى ذلك أن مسلمي فرنسا يشكون غالبا من التمييز والعنصرية والشعور المعادي للإسلام؛ الأمر الذي يبرز في إثارة دورية لمسائل خلافية مثل "البرقع" و"البوركيني" و"اللحم الحلال".
 
ويريد إيمانويل ماكرون، الذي سيواصل مشاوراته في هذا الصدد، بشكل واضح، أن يتأنى وأن يسمح للأمور بأن تتخذ مجراها تدريجياً. وفي هذا الشأن، أكد ماكرون، قائلاً: "تتمثل منهجيتي لتحقيق تقدُّم بهذا الموضوع، في التحرك خطوة بخطوة… ولن أكشف النقاب عن المقترح إلا مع اكتمال العمل عليه".
 
وفي إجابته عن سؤال بشأن وضع "ميثاق جديد"، أفاد ماكرون بأنه "أياً كان الخيار المتفق عليه، يتمثل هدفي، في التأسيس لما يشكِّل قلب العلمانية، أي الحرية في أن يتبع المرء ديناً ما أو ألا يؤمن؛ وذلك من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية وحرية المعتقد"، بحسب الصحيفة الفرنسية.
 
في الوقت ذاته، يريد ماكرون أن "يتخلص" من بعض المواضيع الحساسة التي تشكل تهديداً، في حين يعتقد أن "الخطر الوحيد، في إطار هذه المساعي، يتمثل بأن تلوح جوانب لها دلالات أيديولوجية وتاريخية خاصة، أو اختصار هذه العملية، مما يضع الجميع في السلة ذاتها".
 
خلال برنامجه الرئاسي، أكد ماكرون أنه لا يعتزم تمديد حظر ارتداء الحجاب بالجامعات، في حين أنه يتطلع إلى تأمين "تكوين جامعي لرجال الدين فيما يتعلق بالعلمانية، وذلك انطلاقاً من قيم الجمهورية الفرنسية ولغتها".
 
وإزاء هذه التعقيدات، يريد ماكرون، بالتعاون مع وزارة الداخلية وشئون العبادة القيام بأكبر مروحة من الاستشارات، وقال لمجلة "في أس دي" الأسبوعية إنه يواصل "استشاراته مع كثيرين" وأنه يلتقي "بمثقفين وجامعيين، وممثلين عن كل الديانات"، لاعتقاده أنه "يتوجب أن نستلهم تاريخنا بقوة؛ تاريخ الكاثوليكية وتاريخ البروتستانتية".
 
وكشف ماكرون أنه تناول الملف المذكور مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في زيارته الأخيرة إلى تونس، كما التقى المفكر التونسي يوسف الصديق.
 
"كنز فرنسا الخاص"
في صحيفة "جورنال دو ديمانش"، وبتاريخ 4 يناير 2018، أعرب إيمانويل ماكرون عن ترحيبه بالسلطات الدينية. وفيما يتعلق بقانون سنة 1905، القاضي بفصل الدين عن الدولة، صرح ماكرون، قائلاً: "يُعتبر هذا القانون بمثابة كنزنا الخاص، ولكنه لم يتطرق إلى المغزى الديني في إطار الإسلام؛ نظراً إلى أنه لم يكن حاضراً بقوةٍ وسط مجتمعنا، كما هو الحال اليوم". في الأثناء، لا بد من الإقرار بـ"الأخطاء والفشل" إزاء قضية الإسلام؛ لأن "فرنسا تعودت في خطابها مع الدين، على غرار الكاثوليكية، أن تعتمد توجُّهاً أفقياً بشكل كبير"، بحسب الصحيفة الفرنسية.
 
في السياق ذاته، أوضح ماكرون، قائلاً: "لن أطلب أبداً من أي مواطن فرنسي، كائناً من كان، أن يكون معتدلاً في تطبيق دينه وأن يكون معتدلاً في إيمانه، أو ما الذي يستوجب أن يفعله تجاه إلهه، فهذا الأسلوب ليس له مغزى. ولكنني سأطلب من كل الفرنسيين، وباستمرار، أن يحترموا كل القواعد المنظِّمة للجمهورية"، بحسب الصحيفة الفرنسية.
 
"ما الذي يريد ماكرون فعله بالنسبة للإسلام" عنوان تصدر غلاف "لوجورنال دو ديمانش" مرفقا بصورة للرئيس الفرنسي وهو يتناول قطعة حلوى من طبق تمسك به سيدة مغطاة الرأس وسط حشد من مسلمي مدينة مونبيلييه الذين التقاهم ماكرون عام 2016 قبيل إعلانه رسميا عن ترشحه لرئاسة الجمهورية وكان قد أشار حينها إلى أنه يمكن لفرنسا أن تكون أقل صرامة في تطبيق قواعد العلمانية.
 
مشاريع الرؤساء المتعاقبون
خطوة ماكرون لا تعتبر سبق في تاريخ فرنسا ، فإحداث نظام جديد للإسلام في فرنسا بدأ مع وزير الداخلية الاشتراكي بيار جوكس أثناء ولاية الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران الذي أطلق "المجلس الاستشاري للإسلام في فرنسا" واستمر العمل في عهد الرئيس شيراك؛ حيث نجح وزير الداخلية وقتها نيكولا ساركوزي الذي أصبح لاحقا رئيسا للجمهورية في حمل ممثلي المسلمين في عام 2003 على تشكيل "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" الذي ما زال قائما حتى اليوم. 
 
ويروى أن ساركوزي جمع ممثلي المسلمين في قصر للدولة خارج باريس وهددهم بأنهم لن يخرجوا منه قبل الاتفاق على هيئة تمثيلية للإسلام في فرنسا. 
 
ويؤخذ على هذه الهيئة النزاعات الداخلية التي أعاقت عملها والانقسامات المرتبطة ببلد المنشأ وهيمنة 3 فيدراليات عليها تتبع كل منها، إلى حد كبير، عاصمة مرتبطة بها. والعواصم هي الجزائر والرباط وأنقرة.
 
 وثمة جهة رابعة يمكن وصفها بـ"عابرة للحدود" وهي "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" القريبة من فكر الإخوان المسلمين.
ولعل أبلغ دليل على فشل "المجلس" أن استطلاعا للرأي  بيّن أن 68 في المائة فقط من مسلمي فرنسا "يعرفون" المجلس الذي شارك في انتخابه ألف مسجد بينما المساجد وأماكن العبادة في فرنسا تزيد على 2500.
 
"لوجورنال دو ديمانش" نشرت في إطار هذا الملف، استطلاعا للرأي يبين وجهة نظر الفرنسيين عن الإسلام. وتظهر الدراسة التي أجراها معهد "ايفوب" ان 56% من الفرنسيين يعتبرون أن الإسلام يتطابق مع قيم المجتمع الفرنسي مع العلم أن غالبيتهم كانت تؤمن بالعكس قبل عامين. ولكن "بالرغم من هذا التقدم يظل الإسلام موضع جدل لدى الفرنسيين المنقسمين حوله بحسب ميولهم السياسية .. لذا فإن تريث الرئيس ماكرون ضروري ليس فقط لوضه منهج واستراتيجية لتحقيق"الإسلام الفرنسي" ولكن لطرح ومناقشة جميع المشاريع والمعوقات أمام الفرنسيين لمساعدته على نجاح الأمر .

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان