رئيس التحرير: عادل صبري 12:59 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

أرضٌ لا تحتفل بثورتها.. ماذا جرى لـ«ياسمين تونس»؟

أرضٌ لا تحتفل بثورتها.. ماذا جرى لـ«ياسمين تونس»؟

العرب والعالم

الثورة التونسية

أرضٌ لا تحتفل بثورتها.. ماذا جرى لـ«ياسمين تونس»؟

أحمد علاء 18 يناير 2018 20:48

«كانت هي البداية.. وظلّت الاستثناء».. من بين ثورات الربيع العربي التي هبّت رياحهها على المنطقة في مطلع 2011، باتت تونس تمثل حالة استثناء بالنسبة للكثيرين.

 

سبب الحديث عن الاستثناء التونسي هو المسار الديمقراطي المستقر الذي آلت إليه البلاد، حتى وإن كان بمجرد المقارنة مع أوضاع دول المنطقة المختلفة.

 

بدأ الربيع العربي في تونس، وتحديدًا عند مدينة سيدي بوزيد، وهي المدينة التي أحرق فيها الشا محمد البوعزيزي نفسه في ديسمبر 2010، اعتراضًا على مصادرة السلطات البلدية لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق الشرطية فادية حمدي التي صفعته أمام الملأ وقالت له "ارحل".

 

أصبحت هذه الكلمة (ارحل) شعارًا لفّ البلدان العربية، وباتت حناجر الشعوب تهتف بها ضد تغمة الحكام الذين رأوا في سلاطينهم ظلمًا وعدوانًا، وتوقفت الثورات في أولى محطاتها في الـ14 من يناير عام 2011.

 

مرت قبل أيام، الذكرى السابعة لثورة "الياسمين" التونسية، وكان منتظرًا أن يخرج أهل مدينة سيدي بوزيد احتفاءً بالثورة وخلاص التونسيين من نظام زين العابدين بن علي.

 

لكن كان لافتًا أنّ سكان هذه المدينة رفضوا الاحتفال بذكرى الثورة، وهنا تساؤل كثيرون عن السبب في ذلك.

 

رفض أهالي "مدينة الثورة" الاحتفال، لاعتبارهم أنّ تاريخ الثورة الحقيقي هو "17 ديسمبر"، وهو اليوم الذي أحرق فيه محمد البوعزيزي نفسه.

 

يقول محمد الهادي منصري رئيس المكتب المحلي بسيدي بوزيد لحركة "النهضة" الإسلامية إنّ "المحافظة تحتفل بتاريخ 17 ديسمبر من كل عام عيدًا للثورة".

 

وأضاف أنّ حركته ترى أنّ هذا التاريخ هو بداية انطلاق ثورة الحرية والكرامة، وأنّ "14 يناير" هو تاريخ هروب الرئيس على لا غير.

 

وبحسب المنصري، فإنّ حركة "النهضة" متفائلة جدًا بخصوص الوضع الاجتماعي الذي سيشهد استقرارًا، وبخاصةً بعد الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل.

 

قال منجي عبدولي الأمين العام لمكتب حركة البعث، عضو بائتلاف الجبهة الشعبية اليساري، يرى أنّه لا يوجد أي داعٍ للاحتفال في 14 يناير عيدًا للثورة، وبخاصةً في ظل عدم تحقيق الأهداف التي نادى بها المحتجون، وهي الحرية والكرامة.

 

أمّا حبيب ظاهري، عضو المكتب المحلّي لحزب "نداء تونس" بسيدي بوزيد، فأشار إلى أنّ المكتب يتبع المحافظة، وبالتالي فإنّه يحترم موقف السكان بشأن عدم الاعتراف بـ14 يناير عيدًا للثورة.

 

في حين صرح لزهر غربي عضو الاتحاد المحلي للشغل - أكبر نقابة عمالية بتونس - بالمحافظة، لوكالة الأناضول، بأنّ الاتحاد أعرب في مناسبات عديدة عن موقفه من تاريخ ثورة الحرية والكرامة، حيث شدَّد على أن 17 ديسمبر هو التاريخ الأصلي للثورة، باعتبار أنّ الثورات تؤرخ ببداياتها.

 

لا يقتصر النظر إلى الحالة الثورية التونسية في ذكراها السابعة بنجاحها على المدى البعيد، بل تزامنت هذه الذكرى مع احتجاجات عنيفة في مناطق مختلفة من البلاد، تركّزت أساسًا على الأوضاع الاقتصادية.

 

يوم الأحد الماضي (في ذكرى الثورة)، تظاهر مئات الأشخاص في العاصمة التونسية احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وذلك استجابةً لدعوة الأحزاب والنقابات التونسية إلى مسيرة احتجاجية، وسط هتافات مكررة لما جرى في 2011، وهي "عمل وحرية وكرامة".

 

اشتعلت المظاهرات التي يحتج المشاركون فيها على ارتفاع الأسعار، وشاب بعضها أعمال نهب وسط استنفار أمني لحماية المنشآت العامة حسب السلطات.

 

صبّ كل المتظاهرين والمحتجين جام غضبهم في تلك الاحتجاجات، على قانون المالية للعام 2018 الذي أقرته الحكومة مؤخرا، والذي ينص ضمن ما ينص على زيادة في أسعار بعض المواد، في مقدمتها الوقود إضافة إلى رفع الضرائب على الاتصالات الهاتفية والتأمين، ورفع أسعار البنزين وبعض المواد الأخرى مثل الشاي والقهوة والأدوية، إضافةً الى اعتزام الحكومة اقتطاع واحد بالمئة من رواتب كل الموظفين، كمساهمات للصناديق الاجتماعية التي تعاني عجزًا.

 

الحكومة لجأت إلى زيادة الأسعار ضمن حزمة إصلاحات، وُصفت بـ"المؤلمة" يطالب بها المقرضون الدوليون بخفض العجز في الموازنة، لكنّ المحتجين يرون أنّ الزيادات في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية تفاقم الضغوط على المقدرة الشرائية للتونسيين، وقد اعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أكبر نقابة عمالية في تونس، أنّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة أدّت إلى "التهاب أسعار عديد المواد المرتبطة بالاستهلاك اليومي للتونسيات والتونسيين".

 

وبينما دعت المعارضة إلى مواصلة التظاهر، والمطالبة بزيادة معيشية استثنائية عاجلة، لجأت القوات الحكومية إلى استخدام قنابل الغازات المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، فيما أسفرت الأحداث عن سقوط ضحايا بين قتيل وجريح فضلًا عن اعتقال متظاهرين.

 

الحكومة بدورها نفت التظاهرات واعتبرت الأمر مجرد أعمال سلب ونهب فيما يشبه "المؤامرة على البلاد"، وقال رئيس الوزراء: "لم نر احتجاجات.. رأينا أناسًا يكسّرون يسرقون ويعتدون على التونسيين".

 

ودعا الشاهد إلى الهدوء وقال إنّ "الوضع الاقتصادي صعب ودقيق لكنه سيتحسن خلال 2018".  

 

كما قررت الحكومة تخصيص 100 مليون دينار زيادةً في منحة العائلات الفقيرة، وكفالة الرعاية الصحية المجانية لـ200 ألف أسرة.

 

كل هذه التطورات جاءت في واقع سياسي يشهد حالة من الصراع بين قطبي الحكم، وهما حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي وحزب نداء تونس، الذي يراه البعض ممثلًا لبيروقراطية الدولة التونسية، وكان برهان بسيس المكلف بالشؤون السياسية في نداء تونس قد فجر قنبلة سياسية، عندما أعلن مؤخرًا نهاية "التوافق" مع حركة النهضة و تحولها من حليف إلى "خصم"، وهو ما أثار لغطًا كبيرًا في الساحة السياسية التونسية حول خلفيات ذلك الإعلان والتوقيت الذي جاء فيه.

 

نُظرت إلى الحالة التونسية على أنّها استثناء مما بدأ في 2011، وذلك مقارنةً بدول مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن، فأجرت تونس انتخابات مقبولة أحدثت حالةً من الاستقرار، حتى انفجر الوضع بالتزامن مع الذكرى السابعة للثورة.

 

يرى محللون أنّ الثورة نجحت سياسيًّا في تركيز نظام سياسي يقوم على حرية التعبير والتعددية والانتخابات الحرة والتداول على السلطة، لم يستطع القائمون على الحكم فيها منذ 14 يناير 2011 إرساء مقاربة تنموية تحقق تطلعات المناطق المحرومة وفئة الشباب.

 

لكن البعض انتقد "النخب" التي ركّزت على المغانم السياسية وتوطيد ركائز وجودها في الحكم أو حوله، دون الالتفات إلى العوامل الحقيقية للثورة التونسية، وهي المطالب الاجتماعية والاقتصادية، ولم تقدم تصورات أو برامج، ولم تختلف مقارباتها التنموية عما كان سائدًا في عهد بن علي.

 

ورأى خبراء اقتصاديون أنّ الحكومات المتعاقبة -ربما بحكم الوضع الأمني وضرب الشرايين الرئيسية للاقتصاد- ركزت على زيادة الضرائب والأداءات والأسعار وسياسة الاقتراض وتصدير الأزمات.

 

يقول الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان: "المستهلك التونسي خسر منذ عام 2011 نحو 25% من قدرته الشرائية بسبب الزيادات المستمرة في الأسعار، في حين أشار وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري سمير بالطيب إلى أنّ العجز في الميزان التجاري الغذائي في تونس زاد بنسبة 25.9% على أساس سنوي في 2017".

 

وفي محاولتها لامتصاص الأزمة، أعلنت الحكومة سلسلة من الإجراءات التي سيستفيد منها أكثر من 120 ألف شخص، وستكلّف ما يزيد على سبعين مليون دينار، وتهدف إلى تأمين تغطية صحية للجميع، وزيادة منحة العائلات المعوزة التي سترتفع من 150 دينارًا إلى 180 دينارًا أو 210 دنانير بحسب أفراد عدد الأسرة.

 

واعتبر محللون أنّ هذه الإجراءات على أهميتها، تعد تصديرًا للمشكلة، وربما تمثل وقودًا لأحداث قادمة، إذ أنّها لا تختلف عن الإجراءات التي اتخذت خلال أحداث القصرين 2015-2016، وأحداث الكامور في تطاوين وغيرها، وهي إن نفذت ستشكل استنزافًا لموارد الدولة الضعيفة أصلًا، ما لم يتم التوصل لحلول ترفد موارد الدولة.

 

يقول المحلل السياسي الأمين البوعزيزي أنّ "الثورة انتصرت في التخلص من دولة اللصوص والبوليس، لتنتقل إلى دولة رأسمالية مكتملة الملامح، في ظل حريات سياسية، لكن مقابل فوضى اقتصادية".

 

وأضاف في حديثه للجزيرة أنّ "الثّورة ليست سببًا في ما تعيشه تونس حاليًّا من أزمات، فقد تم بناء نظام مخالف لنظام زين العابدين بن علي".

 

وأشار إلى أنّ كل الأطياف السياسية كانت حاضرة في الثّورة، لكنّها فشلت في ما بعد في أن تواصل العمل مع بعضها البعض من أجل بناء الدولة الاجتماعية الديمقراطية".

 

وشدّد على أنّ "العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم إلا بمشهد سياسي يتفق على جملة من المبادئ المشتركة، بعيدا عن إقصاء الآخر".

 

ورأى أنّ "التونسيين مستعدون للتضحية، ولكن غياب أفق سياسي واضح يطمئنهم هو ما يجعلهم ينتفضون ويشعرون بالإحباط، وبخاصةً أنّه بعد كل ثورة وكل استقلال يحدث ارتباك وانهيار بالبلد، وكله مؤقت إلى أن يسترد عافيته على أسس جديدة".

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان