رئيس التحرير: عادل صبري 09:38 صباحاً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

انتحار اللاجئين.. حرقٌ وشنقٌ على جبين الإنسانية

انتحار اللاجئين.. حرقٌ وشنقٌ على جبين الإنسانية

العرب والعالم

معاناة اللاجئين متى تنتهي

انتحار اللاجئين.. حرقٌ وشنقٌ على جبين الإنسانية

أحمد علاء 14 يناير 2018 19:40

"ما كتبه غسان كنفاني قبل عقود في الروايات ظهر عيانًا وبات الحبر دمًا والأبطال بشرًا أسوياء.. فقد تخيَّل المؤلف الفلسطيني في إحدى رواياته رجالًا ماتوا اختناقًا تحت الشمس في خزان مياه في الصحراء، وشاهد عربة دجاج تتحول قبرًا للأحياء".. الآن وبعد عقود تحوّل ما دار في خَلَد كنفاني إلى حقيقة، والضحية لاجئون، يطاردهم الموت في كل حدبٍ وصوب.

 

سطّرت معاناة اللاجئين، أزمةً جديدةً إزاء ما يحدث في ألمانيا، التي فتحت أبوابها من إجل إيواء المشرّدين من أوطانهم بحثًا عن بديلٍ يوفّر لهم الأمن وأقل متطلبات الحياة، وذلك أكثر مما فعلت معهم دول أوروبية أخرى.

 

مدعى هذا الحديث هو التزايد الملحوظ في إقدام اللاجئين، بجنسياتهم المختلفة، على الانتحار في ألمانيا، إذ رصد المكتب الإحصائي الاتحادي في ألمانيا أكثر من 10 آلاف حالة انتحار في ألمانيا في عام 2015، ولم يتم تسجيل كم منهم من اللاجئين، ولا توجد بيانات أحدث.

 

كما أظهر استجوابٌ قدَّمه الحزب الديمقراطي الحر للحكومة في ولاية سكسونيا في الربيع الماضي، أنّ تقارير المنظمات التي وثقت حالات الانتحار، تبيّن ارتفاع عدد محاولات الانتحار بين اللاجئين ارتفاعًا حادًا خلال السنوات القليلة الماضية.

 

كما بيّن استجوابٌ قدَّمه حزب الخضر في البرلمان في ولاية بافاريا أنّه في عام 2016 حاول 162 لاجئًا قتل أنفسهم، أي ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة بحسب الحزب.

 

أمثلة كثيرة تجسّد هذه الظاهرة، منها شابٌ يبلغ من العمر 22 عامًا، قفز من نافذة مأوى للاجئين في مدينة أبنسبرغ بولاية بافاريا، وشاب إيراني شنق نفسه في سجن الترحيل في ميونيخ، ونيجيري سكب على نفسه البنزين في محطة وقود بالقرب من ميونيخ بحسب ما أوردت النسخة الألمانية من هافينجتون بوست، كما أنّ هناك عددًا هائلًا من حالات الانتحار أو محاولات الانتحار بين اللاجئين في الآونة الأخيرة ولا توجد أرقام دقيقة.

 

جوليان كناوب، الذي يعمل منذ سنوات أخصائيًّا اجتماعيًّا مع اللاجئين الشباب في ولاية شمال الراين وستفاليا بألمانيا، كان شاهدًا على أمور كثيرة، بينها مثلًا أن رأى "صبيًّا" على الأريكة في الصباح، وقد قطع يده بسكين، والدم يملأ المكان.

 

هذه الحالة لشاب يدعى "آمون"، بجسم عليه آثار دماء، ونفسية دمّرتها الحياة، لا تبدو منه أي قوة إلا تلك التي يتجاوب بها مع المساعدة العلاجية، وتدخّل "كناوب" على الفور وقدّم له المساعدة، تمامًا كما فعل زميله مع شاب آخر من أفغانستان يُدعى باهار، عمره 18 عامًا، كان يريد طعن نفسه بسكين لولا أنه انتزعها منه، غير أنّه يمكن القول إنّ هناك لاجئين آخرين لم يكن لديهم ملائكة يحمونهم كهؤلاء.

 

ويروي الأخصائي الاجتماعي كناوب أنّ "بيهار" الذي أراد طعن نفسه، كان قد تمّ تجنيده مع شقيقه من قبل حركة "طالبان"، وسقط شقيقه فكسرت ركبته، بينما هو كان يُضرب بعقب البندقية على رأسه، وقد نجح الاثنان بعد عدة محاولات في الفرار من "طالبان" إلى أوروبا، وخلال سيرهم ليلًا عبر غابة بلغارية، اختفى الأخ، ومنذ ذلك الحين، لم يتلق بيهار أي شيء يشير إلى أنّ أخاه ما زال حيًّا.

 

تعطي هذه الأمثلة دلالة على حالة نفسية صعبة يعيشها اللاجئون، ورقميًّا فقد أشارت العديد من الدراسات، إلى أنّ حوالي 40% من اللاجئين نتيجة لتجاربهم الصادمة، ويصابون غالبًا بما يعرف بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" وليس كل منهم يحتاج للعلاج، وبالنسبة للكثيرين منهم، فإنّ حالتهم تتحسن بعد السكن الآمن والراحة والدعم الديني والمجتمعي.

 

كما أنّ 38% من اللاجئين البالغ عددهم 15 ألف لاجئ، الذين يأتون إلى مراكز "Baff" يتلقون العلاج هناك، إلا أنّ المحتاجين للعلاج ربما أكثر من هذا.

 

تعدّدت الأسباب عن إقدام اللاجئين على الانتحار، ويوضح ذلك الأخصائي "كناوب" بالقول: "إنّهم يأتون إلى هنا بسبب قسوة ظروفهم، يحكون ويخرجون ما بداخلهم، بل إن بعضهم يطلق النكات.. هذا هو المعني الحرفي لإرادة البقاء على قيد الحياة، وعندما تحاصرهم مشكلات الحياة اليومية، تعود تجاربهم السابقة والأهوال التي عاشوها لتطفو على السطح".

 

ويضيف: "عندما يكون عليهم أن يحكوا كل التفاصيل المروعة في جلسة استماعهم في المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين Bamf من أجل السماح لهم بالبقاء.. يُفتح جُرحهم على مصراعيه".

 

وتضع سيلفيا شريفرز، الطبيبة النفسية في الجمعية الاتحادية للمراكز النفسية والاجتماعية للاجئين وضحايا التعذيب "Baff" سببًا آخرًا لمعاناة اللاجئين، وتقول: "يقع اللاجئون بالإضافة إلى ذلك تحت ضغوط المطالبة بالاندماج، لكن كلما كانت حالتهم النفسية أسوأ، كان من الصعب عليهم التعلم بتركيز وهذا يجعل نجاحهم في الأمر أكثر صعوبة".

 

وفي الوقت نفسه، يدرك الكثيرون منهم أنّهم لن يتمكنوا من إرسال الأموال إلى أسرهم في وطنهم بالسرعة التي كانوا يتوقعونها.

 

يُضاف إلى كل هذا البعد السياسي، حيث تعمل ألمانيا بقواعد غاية في الصرامة، بقرارات ترحيل نافذة، وتصنيف تتزايد فيه البلاد المصنفة كبلاد آمنة، واتفاقيات مع مختلف الدول لإعادة لاجئيها.

 

ليس هذا فحسب بل أيضًا ضعف حيثيات قرارات اللجوء، حيث تقوم المحاكم بالنظر في أغلب قرارات اللجوء والرفض مرة أخرى.

 

تفرض كل هذه الأوضاع تساؤلًا عمّا يجب فعله لوقف هذا الوضع الصعب، وهنا لم يستطع الخبراء تحديد إجابة عن مشكلة الانتحار، باعتبار أنّ الأمر متفاقم بدرجة لا يكفي معها فقط اتخاذ العديد من الإجراءات لنزع فتيل المشكلة.

 

لكن مطالب صعدت بضرورة الاعتراف بشكل أفضل من ذي قبل بنجاح واجتياز الأفراد للاندماج، وألا يتم التركيز فقط على الترحيل، وذلك لمنحهم مرة أخرى نظرة مختلفة للحياة، أو شيئًا يدفعهم للعيش، والأمل والاجتهاد.

 

ويدعو الأخصائي الاجتماعي كناوب إلى الموافقة على لم شمل الأسر كلما كان ذلك ممكنًا، لتخفيف المسؤولية على الشباب، والقضاء على قلقهم ومخاوفهم.

 

ويرى خبراء ضرورة ملحة لتوفير عدد أكبر من المعالجين النفسيين لرعاية اللاجئين منذ البداية، وبخاصةً أنّ قوانين الاستقبال في الاتحاد الأوروبي تنص بوضوح على توفير الدعم والمساعدة للأشخاص الذين يطلبون الحماية.

 

وبنظرة عامة لأزمة اللاجئين، فيمكن القول إنّها من أكثر أزمات العصر فداحة إنسانية، واختلفت المطالب الملحة التي رأى واضعوها ضرورة حتمية في تنفيذها على الفور.

 

ومن بين "سوءات" عام 2017، كانت أزمة اللاجئين التي شهدت ارتفاعًا حادًا في معاناة أهلها منذ العام 2011، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط، فعندما خرجت قطاعات عديدة من الشعوب ضد حكامهم أبى لهم أن يتركوا مناصبهم إلا وأن يتركوا وراءهم أناسًا قتلى وجرحى ولاجئين أيضًا.

 

وحاليًّا، ينزح أكثر من 65 مليون شخص من ديارهم، أي ما يقرب من واحد من كل 100 من البشر، وإذا كان اللاجئون والمشردون دولة، فإنّهم سيكونون الدولة الواحدة والعشرين الأكبر على وجه الأرض.

 

الكاتب والباحث السوري ميسرة بكور تحدث عن أنَّ اللاجئين السوريين أزمتهم أخلاقية إنسانية وليس فقط سياسية.

 

وقال في حديثٍ لـ"مصر العربية"، إنَّه لا يمكن توقع أي دور ممكن للجامعة العربية لدعم قضية اللاجئين، وقال: "رئيس الجامعة العربية ليس مؤيدًا لثورات الربيع العربي".

 

الأمم المتحدة هي الأخرى عليها علامات استفهام بما يتعلق بموقفها وتحركها إزاء اللاجئين السوريين كما يقول بكور الذي أشار إلى أنَّها أعلنت عدم استطاعتها دخول مناطق اللاجئين.

 

واعتبر أنَّ الدور الأممي المقدم إلى الآن غير مكتمل، بل وصفها بـ"المقصِّرة" تجاه اللاجئين، وشكّك في تعاونها مع الأنظمة المستبدة، لا سيّما نظام بشار الأسد في سوريا، متحدثًا عن أنَّ موظفين بها هم عملاء لبشار، ما يعني أنَّها ليس بإمكانها تقديم مساعدات داخل سوريا.

 

السياسي السوري بشير علاو تحدَّث عن أزمة اللاجئين بالقول: "للأسف هذه أجندة المستبدين والحكام العرب الذين فرض عليهم شكل علاقاتهم بين بعضهم البعض".

 

وأضاف – لـ"مصر العربية" – أنَّ المجتمع العربي لا يؤدي أي دور لدعم اللاجئين السوريين، محمِّلًا هنا الجانب الأكبر من المسؤولية على دول الخليج، متابعًا: "هذه الدول ما زالت تسمّي العربي المقيم على أرضها بالأجنبي".

 

هذه السياسة الخليجية يقول "علاو" إنَّها وُضعت في الغرب لزيادة انقسام المجتمع العربي، داعيًّا في هذا الإطار جامعة الدول العربية للعمل على وحدة الصف، وبناء الكوادر معتمدةً على الإنسان العربي والمحافظة عليهم.

 

علاو – وهو مؤسس حزب البناء والعدالة الوطني -‏ اعتبر أنَّ العمل الإغاثي هو جديد داخل المجتمعات العربية، داعيًّا دول الخليج إلى التحلي بمسؤولياتها في دعم اللاجئين على النحو المطلوب.

 

واتساقًا مع صعوبة الأزمة عالميًّا، فقد طالبت منظمة العفو الدولية بضرورة فتح طرق آمنة إلى ملاذات اللاجئين، ويعني هذا السماح بلم شمل العائلات وجمع الأشخاص بأهاليهم ومنح اللاجئين تأشيرات دخول حتى لا ينفقوا كل ما لديهم ويتعرضوا لخطر الموت غرقًا وهم يحاولون الوصول إلى الأمان.

 

ودعت كذلك إلى إعادة توطين جميع اللاجئين الذين يحتاجون إلى ذلك، حيث أنّ إعادة التوطين حل في غاية الأهمية لمعظم اللاجئين المستضعفين، بمن فيهم الناجون من التعذيب وذوو المشكلات الطبية الخطيرة.

 

وتذكر المنظمة، أنّ 1.5 مليون شخص يحتاجون شريان الحياة هذا على وجه السرعة، ولكن دول العالم الأكثر غنى لا تعرض سوى توطين أقل من 10% من هؤلاء في السنة، وقدّرت المنظمة أنّ ما مجموعه 1.45 مليون لاجئ بحاجة إلى إعادة التوطين بنهاية 2017.

 

كما دعت المنظمة إلى "إنقاذ الأرواح أولاً"، وقالت إنّه ينبغي على قادة العالم كذلك أن يعطوا الأولوية قبل كل شيء لإنقاذ أرواح البشر، فلا يجوز أن يموت أحد وهو يحاول عبور الحدود، ومع ذلك غرق ما يقرب من 7,000 شخص في البحر المتوسط وحده في السنتين اللتين انقضتا منذ أول حادثة غرق سفينة تحمل عددًا كبيرًا من المهاجرين في أكتوبر 2013.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان