رئيس التحرير: عادل صبري 06:20 صباحاً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

 «أسوأ من حلب».. النظام السوري يتبع «سياسة الأرض المحروقة» ويدمر إدلب

 «أسوأ من حلب».. النظام السوري يتبع «سياسة الأرض المحروقة» ويدمر إدلب

العرب والعالم

النظام السوري يتبع «سياسة الأرض المحروقة» ويدمر إدلب

 «أسوأ من حلب».. النظام السوري يتبع «سياسة الأرض المحروقة» ويدمر إدلب

وكالات-إنجي الخولي 14 يناير 2018 08:34
ذكّر قصف النظام السوري لمدينة إدلب الرأي العام بالمجازر التي وقعت في حلب قبل نحو عامين، بعد الضربات الجوية الشديدة التي قام بها نظام الأسد قبل أيام، التي على إثرها احتجت تركيا وطالبت روسيا بوقف هذه العلميات، وإلا فإن أنقرة ستتدخل.
 
هذا القصف جعل الأسر في المدينة التي تسيطر عليها قوات المعارضة تقوم برسم مخططاتٍ لبيوتها، أوضحت فيها الأماكن التي يمكن لرجال الإنقاذ العثور عليهم فيها من تحت الركام إذا ما قُصِفوا، ومنحتها للجيران، بحسب تقرير لصحيفة "تلجراف" البريطانية .
 
وقال أحد السكان: "لقد التقطنا صورة للمكان الذي نبيت به جميعاً، حتى يعلم رجال الإنقاذ من أين يُمكنهم البدء في البحث عنا. وسلمنا هذه الصورة لأصدقاءٍ تحسباً لما قد يحدث في المستقبل، وهم بعيدون بدرجةٍ كافية نأمل معها ألا تُسوَّى منازلهم بالأرض".
 
وفي محاولته للسيطرة على أكبر المعاقل المتبقية التي تسيطر عليها المعارضة في البلاد، يسعى النظام إلى شنِّ هجومٍ مميت بدرجةٍ قد تجعله الأكثر وحشية في الحرب المستمرة منذ سبع سنوات.
 
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، إنَّ حوالي مائة ألف مدني نزحوا من جنوب إدلب وحماة المجاورة في غضون أسبوع، وهو ما يُعَد أحد أكبر حركات النزوج الجماعي منذ بدء النزاع في عام 2011.
 
وقال أحمد الشيخو، أحد المنقذين في فرق الخوذات البيضاء بالمدينة، في حديثٍ له عبر الهاتف مع صحيفة التليجراف البريطانية، إنَّ "الوضع في إدلب اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه في حلب قبل عام، إذ يتضاعف القصف يومياً، خاصة على الضواحي الجنوبية. لا يُمكنني أن أصفه إلا بسياسة الأرض المحروقة".
 
وأضاف: "كانت آخر مهمة إنقاذ شاركت فيها مع فريقي قبل أيام قليلة، عندما أدَّت قنبلة كبيرة لمقتل 31 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال. لقد رأيتُ العديد من الحوادث من قبل، لكنَّ هذا الحادث كان مختلفاً".
 
وتابع: "كان الشيء الأكثر رعباً هي تلك النظرات على وجوه الناجين، الذين لم يعوا كيف تمكنوا من النجاه، أو ما الذي ينتظرهم مستقبلاً" ، بحسب ترجمة " هاف بوست عربي".
 
لم تعد الأكثر أمانًا
وقال الشيخو إنَّ أعداداً كبيرة من النازحين بسبب القتال في جنوب إدلب تكتظ بهم الآن أحياءٌ أخرى بالشمال، ما أدَّى إلى عددٍ غير مسبوق من الضحايا الذين يسقطون في الضربة الجوية الواحدة.
 
وتابع: "ظنَّ الناس أنَّ إدلب هي الوجهة النهائية والأكثر أماناً لهم، والآن عندما تقع مثل هذه الهجمات، يُصبِح عدد المصابين والقتلى صادِماً".
 
ووثَّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 120 مدنياً، بينهم 33 طفلاً و25 امرأة، منذ بدء الهجوم، في نهاية ديسمبر ، بحسب الصحيفة البريطانية.
 
وقالت لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة غير حكومية تهدف لتقديم المساعدات الإنسانية والتنمية الدولية، لصحيفة التلجراف البريطانية، إنَّ أكثر من ثلثي النازحين يعيشون في خيام مؤقتة بالقرب من الحدود التركية، بينما يعيش الباقون إمَّا في منازل مهجورة أو غير مكتملة البناء أو في مساكن مستأجرة.
وقالت أمٌّ لطفلين توأمين، وصلت إلى المخيم بمساعدة لجنة الإنقاذ الدولية، إنَّها تركت أحد أطفالها وراءها تحت وطأة حالة الذعر والرغبة في الهروب من الغارات الجوية. وأضافت: "لم نستطع التفكير بصورةٍ صحيحة، وأثّر الخوف على عقولنا". وقد جُمِع شمل الأسرة في وقتٍ لاحق.
 
واضطر أولئك الذين لم يستطيعوا الوصول لمواقع المخيمات إلى النوم في الشوارع، في ظروف البرد القارس، وهم يرتدون القليل من الملابس التي تمكَّنوا من أخذها معهم، بحسب تلجراف.
 
ووفقاً للسلطات التركية، يحاول مئات الأشخاص التسلل كل يوم عبر الحدود المغلقة مع تركيا، لكن يُقبض عليهم ويعودون إلى سوريا مرةً أخرى.
 
وقال توماس غاروفالو، مدير الشئون العامة لمنطقة الشرق الأوسط في لجنة الإنقاذ الدولية: "نحن قلقون للغاية على سلامة 2.6 مليون شخص يعيشون في إدلب، إذا ما استمر الوضع في التصاعد. لقد أبَلَغَنا الناس أنَّه لم يكن أمامهم خيار سوى اقتلاع أنفسهم مرةً أخرى والتوجه نحو الشمال".
 
ومؤخراً، تعمل أنقرة، التي تُعارض الأسد بشدة، مع موسكو وطهران من أجل التوصل إلى حلٍّ سياسي للصراع، لكنَّ مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي، قال إنَّ الهجوم على إدلب يُعرِّض هذه الجهود للخطر.
 
وأضاف: "إنَّها ليست ضربة جوية بسيطة، ونظام الأسد يتقدم في إدلب. الهدف مختلفٌ هنا. إذا كان الهدف هو دفع بعض جماعات المعارضة للذهاب إلى سوتشي، فإنَّ ما يحدث سيؤدي لنتائج عكسية"، مشيراً بذلك إلى خطط روسيا لاستضافة اجتماع حول سوريا نهاية الشهر الجاري.
 
السيطرة أولاً على الأجزاء الجنوبية
ويأمل النظام في السيطرة أولاً على الأجزاء الجنوبية الشرقية من محافظة إدلب، التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام بصورةٍ واسعة، حتى يتمكن من تأمين الطريق الرئيسي بين العاصمة دمشق وحلب.
 
وتُعد إدلب واحدة من ضمن أربع مناطق "خفض تصعيد"، اتفقت عليها روسيا وإيران، الداعمين للأسد، بالإضافة إلى تركيا، التي تدعم المعارضة، أثناء مباحثات سلام العام الماضي، 2017. وقالت تركيا إنَّ الهجوم الأخير يُعَد انتهاكاً واضحاً للاتفاق.
 
وكانت محافظة إدلب بجميع أريافها -إلا كفريا والفوعا في الريف الشمالي- قد خرجت من سيطرة النظام منذ مارس/آذار 2015 بعد سيطرة ما عرف بـجيش الفتح عليها، لتصبح في معظمها لاحقا تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، في وقت يتوزع فيه الباقي بين عشرات الفصائل وأبرزها حركة أحرار الشام.
ووضعت إدلب، إضافة إلى ريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي، ضمن منطقة خفض التصعيد الرابعة بحسب اتفاق أستانا 6، الذي حدد المناطق وآليات المراقبة، لتخضع للمناطق الخاضعة لسيطرة النظام لرقابة الروس والإيرانيين -وهي لم تكن موجودة عند إنجاز الاتفاق-، في حين تراقب تركيا مناطق سيطرة المعارضة المعتدلة.
 
ومنذ أكتوبر 2017 بدأت أنقرة مع الجيش السوري الحر عمليات عسكرية للإسناد داخل إدلب لم يحصل خلالها أي صدام مع هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) المستثناة من اتفاق خفض التصعيد والمصنفة تنظيما إرهابيا، وهو ما أثار لغطا حول حدود العملية التركية وأهدافها، ومدى التزام أنقرة بالاتفاق الموقع مع شريكيها إيران وروسيا.
 
من جهتها تؤكد تركيا أن معظم المناطق التي سيطر عليها النظام تقع أغلبها خارج مناطق عدم التصعيد، بما يشير إلى أن المعطيات الميدانية في جنوب شرقي حلب بدأت تضغط على تركيا وتثير ريبتها، وهي التي تمسك عمليا -سواء في الميدان أو عبر فصائل المعارضة المسلحة- بزمام الأمور في معظم المحافظة الإستراتيجية التي تتوسط محافظات حماة واللاذقية والخارجة عن سيطرة دمشق منذ 2015.
محادثات سلام منافسة
وعرضت روسيا قيادة محادثات سلام مُنافِسة فى محاولةٍ لتهميش عملية جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي تُعد بعد سنواتٍ لم يُحرَز فيها سوى القليل من التقدم، بحكم الميتة.
 
ورفضت جماعات المعارضة حضور القمم في سوتشي، مُدَّعيةً أنَّ موسكو ليست وسيطاً نزيهاً في الحرب، ولم تضع نظام الأسد في موضع المساءلة حتى الآن.
 
وفي ظل تطلُّع الأسد المتفوق إلى النصر، لا تمتلك المعارضة أوراق ضغط كثيرة في المحادثات، بحسب تلجراف.
 
هواجس التصعيد والحل
ويرى محللون أن المعارك الحالية في ريف إدلب الجنوبي الشرقي ما زالت ضمن تفاهمات أستانا، حيث تمتد المنطقة الأولى من شرق الخط الحديدي المعروف بسكة حديد الحجاز، وهي منطقة نفوذ دمشق وحلفائها، في وقت تمتد فيه المنطقة الثانية بدءا من غرب "سكة الحجاز"، وحتى أوتوستراد دمشق-حلب الدولي، بينما تنحصر الفصائل في باقي المحافظة، بالإضافة إلى قوات المراقبة التركية قرب الحدود.
 
 وتتخوف تركيا من امتداد العملية العسكرية لقوات النظام بعد مطار أبو الظهور إلى بقية مناطق أخرى في ريف إدلب الجنوبي ثم الغربي، وصولا إلى جسر الشغور واللاذقية وبقية الساحل السوري، كهدف روسي لتأمين قواعدها في المنطقة ، بحسب "الجزيرة نت".
 
وتبقى أنقرة مهمومة بإمكانية انقلاب الروس والإيرانيين على تفاهمات أستانا بشأن إدلب على اعتبار أن بسط النظام السوري سيطرته على إدلب أو على الجزء الأكبر منها، وفتح الطرق نحو مواقع المعارضة بريف حلب الغربي والشمالي، سيعني ضربة لنفوذها وتحجيما لمكاسب المعارضة إلى الحد الأدنى وتكبيل يدها حيال الأكراد.
ويقرأ بعض المحللين العمليات الهجومية الأخيرة بـالطائرات المسيرة على قاعدتي حميميم وطرطوس والاتهامات التي وجهتها لموسكو لفصائل معارضة في إدلب -ومن ورائها إشارة ضمنية إلى تركيا- كجزء من سيناريو عسكري أكبر ضد فصائل المعارضة المعتدلة في مدينة إدلب نفسها.
 
كما يأتي تسخين بعض الجبهات -في الغوطة الشرقية واللاذقية وحماة- ضمن سياق الترتيبات الأخيرة واقتناص المكاسب الميدانية قبل مؤتمر سوتشي المزمع نهاية الشهر الجاري.
 
وفقا لمعارضين سوريين، فإن  وإيران وروسيا قد تستمر في اندفاعاتها جنوب شرقي إدلب نحو محاور عسكرية أخرى بغية تحصيل المزيد من المكاسب الميدانية من تركيا، المحكومة أكثر بالهاجس الكردي على حدودها، ومن المعارضة المسلحة المنقسمة والمنهكة في إدلب.
 
المعطيات الميدانية في إدلب ستكون قابلة للصرف في سياق التحضيرات لمؤتمر سوتشي المنتظر، وبذلك جاء التلميح التركي إلى أن مصير هذا المؤتمر ومشروعيته ومساره العام محكومة بوقف النظام عملياته العسكرية الجارية في إدلب، في محاولة ضغط على موسكو، التي تعتبر هذا المسار بوابة الحل الرئيسية للأزمة السورية.
 
تجويع الغوطة
وتتعرض منطقةٌ أخرى من مناطق خفض التصعيد الأربع، وهي الغوطة الشرقية المحاصرة في ضواحي دمشق، للقصف يومياً.
 
وتحاول قوات النظام استعادة المنطقة التي يعيش فيها نحو 400 ألف شخص، والتي تُمثِّل المناطق المتبقية للمعارضة بالقرب من العاصمة السورية. وقد أدى القصف والغارات الجوية على هذه المنطقة، حيث تدهورت الأوضاع الإنسانية بشكل حادٍّ، إلى مصرع مئات المدنيين في الأسابيع الأخيرة.
 
وفَقَدَت إحدى الأسر رضيعها، بعدما أُصِيب بقذيفة هاون أثناء توجُّهها إلى السوق. وقالت هبة عموري، والدة أمير البالغ من العمر عامين: "توفي طفلي وهو جائع، لم نُرِد سوى إطعامه. كان جائعاً حد البكاء عندما غادرنا المنزل".
وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، إنَّ 12% من الأطفال دون سن الخامسة في الغوطة الشرقية، يعانون من سوء التغذية الحاد بسبب نقص الغذاء.
 
ويُعتبر تكتيك الحصار والحرمان الشديد الذي تتعرض له المدينة، والذي يُشار إليه باسم "التسليم أو التجويع"، تكتيكاً شائعاً من جانب النظام.
 
حمل والد أمير جثمان ابنه الصغير ملفوفاً بقطعة قماش زرقاء زاهية إلى مقبرة القرية، وقال بينما يُلقي عليه نظرته الأخيرة: "الله يحمي الأطفال وجميع الناس ويأخذ بشار".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان