رئيس التحرير: عادل صبري 09:08 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

«تالة» التونسية.. قصة النار والدم في ثورة 2011

«تالة» التونسية.. قصة النار والدم في ثورة 2011

العرب والعالم

مدينة تالة التونسية .. من هنا بدأت ثورة الياسمين

«تالة» التونسية.. قصة النار والدم في ثورة 2011

وكالات - الأناضول 12 يناير 2018 17:45

في 8 يناير 2011 شهدت مدينة تالة التونسية (غرب) أحداثا دموية شكّلت منعرجا في مسار الثورة، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي (1987-2011)، في الرابع عشر من ذلك الشهر.

ويعتبر جمال البولعابي (40 عاما)، وهو أستاذ في المرحلة الثانوية ونقابي ناشط في "الاتحاد العام التونسي للشغل" (نقابة عمالية)، أحد أبرز الفاعلين في أحداث مدينته تالة، على بعد 54 كم شمالي محافظة القصرين.

البولعابي قال للأناضول إن مدينته شهدت تحركات احتجاجية عديدة بسبب تردي الأوضاع المعيشية، حتى قبل اندلاع أحداث مدينة سيدي بوزيد (وسط)، حين أحرق الشاب محمد البوعزيزي جسده، أمام مقر المحافظة، في 17 ديسمبر 2010، احتجاجا على مصادرة عربته لبيع الخضروات وإهانته من جانب سلطة البلدية.

وتابع: "ليلة الإثنين 3 يناير 2011 تواصلت الاحتجاجات إلى حدود الساعة الثانية صباحا، وشهدت هذه الليلة إحراق دار الحزب (المقر الفرعي للحزب الحاكم حينها التجمع الدستوري الديمقراطي)".

في الغد استيقظ البولعابي على تعزيزات أمنية كثيفة تملأ شوارع تالة، حيث قدمت أكثر من 10 حافلات، على متنها عناصر شرطة، من محافظات أخرى، لتصبح المدينة تحت الحصار الأمني.

بدا واضحا أن النظام يخطط لإجهاض الحراك، ومنع انتقال صداه إلى الخارج، لكن أحد أصدقاء البولعابي من نشطاء الحزب الديمقراطي التقدمي (معارض) رتب اتصالا مع قناة "الجزيرة" القطرية، التي قررت نقل ما يحدث.

ومثلت تلك التغطية الإعلامية بداية خروج الأحداث إلى العلن على الصعيدين التونسي والدولي، بل وبداية لامتداد الثورة إلى دول عربية أخرى، ما أطاح لاحقا بأنظمة حاكمة، لا سيما في مصر وليبيا واليمن.

وأردف البولعابي: "باعتبار صفتي النقابية اتصلت بقياديين نقابيين، لدفعهم إلى التحرك لفك الحصار الأمني عن تالة، فجاء وفد من المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل، للإطلاع على الأوضاع والاستماع لمطالب المعتصمين".

** قمع وهدنة

في هذه الأثناء، زادت قوات الأمن من تضييقاتها، حيث داهمت منازل واعتدت على مواطنين وأملاك خاصّة، مع استعمال مفرط للغاز المسيل للدموع لقمع المحتجين.

"بعد تكرّر الاعتداءات الأمنية ليلا ونهارا"، وفق الناشط النقابي التونسي، "تبنى متظاهرون، في تجمع كبير وسط المدينة يوم الخميس 6 يناير، مطلبا رسميا، وهو خروج قوات الأمن من تالة وفك الحصار عنها".

وتابع: "مع وصولي وسط المدينة وجدت تجمعا كبيرا تبدو على أفراده علامات الفرح، وبالاستفسار اتضح أن الأمن وافق على هدنة، فأبلغتهم أن الاتفاق منقوص، ويجب مراجعته، فتشكلت لجنة لمطالبة الأمن بمراجعة الاتفاق وإعلانه".

ودعت اللجنة مسؤولا أمنيا بـ"التعهد للناس عبر مكبّرات الصوت بإطلاق سراح الموقوفين والخروج من المدينة، وقدوم وفد وزاري للتفاوض حول مطالب تالة، وهو ما وافق عليه، وتمّ إعلامنا بقدوم وزير (لم يسمّه) يوم السبت (8 يناير)"، بحسب البولعابي.

وأضاف أنه "إلى حدود تلك اللحظة لم يكن لدينا أي تصوّر عن إمكانية سقوط نظام بن علي، بل كان الهدف إيصال صوت المحتجيّن".

وتابع: "صباح الجمعة (7 يناير) عاشت تالة يوما هادئا، وعادت الحياة إلى طبيعتها، وتقلّص التواجد الأمني بالشوارع، لكن انطلقت احتجاجات بمدن، منها: القصرين وسليانة (شمال غرب) وتاجروين بمحافظة الكاف (شمال غرب) ومنزل بوزيان بمحافظة سيدي بوزيد، بينما اندلعت في تالة مناوشات ليلا لم تقطع الهدنة".

** من الغاز إلى الرصاص الحي

لكن يوم السبت 8 يناير كان مغايرا، إذ قال البولعابي: "خرجت إلى الشارع الرئيسي وفوجئت بحافلات بها عناصر أمنية ترتدي ملابس مختلفة عن ملابس الفرق الأمنية القديمة، وتيقنت أن الأمن يحضر لعملية ما، خاصة وأن عددهم زاد عن 80 مسلحا انتشروا في تالة".

وتابع: "في المساء عادت المواجهات مع قوات الأمن في جميع أحياء تالة، وبدت أكثر اتساعا وانتشارا، لكن الأمن استخدم الرصاص المطاطي بدلا من الغاز المسيل للدموع، في تحول فجّر الخوف لدى أغلبنا، دون أن تتوقف الاحتجاجات، ومع حوالي التاسعة ليلا بدأنا في سماع دوي الرصاص الحي".

وتذكر البولعابي حادثة تمثل لديه اللحظة التي اقتنع فيها بأن "العودة إلى الوراء أصبحت مستحيلة"، وهي إصابة مواطن، يدعى نور الدين مباركي، برصاصة في رقبته.

وأضاف: "5 شهداء سقطوا ليلة السبت 8 يناير، قتلوا جميعا برصاص الأمن في شارع محمد البشير السنوسي وسط المدينة، فكلما تقدّم أحد للإنقاذ تم قتله".

ومضى قائلا: "حاولت الوصول إلى منطقة قريبة من المستشفى، وفي أحد الشوارع اعترضني رجل خمسيني يجري بشكل وهو يردد: قتلوه يا جمال قتلوه، ما دفعني إلى اللحاق به حتى وصلت إلى شباب يحملون جثمان الشهيد مروان الجملي، بعد أن تمكنوا من تهريبه من المستشفى".

وعندها "بدأت الأخبار تتوالى عن سقوط جرحى، وتمكنت رفقة مجموعة من التسلل نحو المناطق المرتفعة، في وقت بلغتنا فيه أخبار تؤكّد بداية التحركات الليلية في مدينة القصرين"، بحسب البولعابي.

وأردف: "عند تجمعنا بمنطقة بعيدة عن مرمى النيران كان في ذهني رأي واحد صارحت به المجموعة، وهو أن المعركة حُسِمت بين من هو مع المحتجين ومن هو مع نظام بن علي وأمنه".

** جنائز تتقدمها نساء

صباح الأحد 9 يناير 2011، وفي اجتماع عام بالمدينة، قال الناشط النقابي التونسي إنه "لا مجال للتراجع".

وتابع حديث للأناضول: "توجهنا إلى منزل الشهيد غسان الشنيتي، للمشاركة في تشييع جثامين الشهداء، واشترط الأمن، الذي كان يستعمل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين من أمام منزل الشهيد، أن تكون النساء في مقدمة الجنازة، للسماح بمرورها عبر الطريق الرئيسي، ما دفعنا لسلك طرق خلفية لتشييع ثلاثة من الشهداء ودفنهم".

و"بعد دفن الشهداء، انتظمت مسيرات تواصلت حتى الإثنين (10 يناير)، رفع المحتجون خلالها شعار (خبز وماء وبن علي لا)، و(بن علي صبرك صبرك.. تالة تالة تحفر قبرك)، مؤشرة لمرحلة ما بعد بن علي"، وفق البولعابي.

** آخر الشهداء

في يوم الثلاثاء 11 يناير 2011 تقلص الوجود الأمني في تالة، ليقتصر على المنشآت وداخل مقراته، وخرجت في المدينة أكبر مسيرة منذ بدء الاحتجاجات، حيث امتلأ الشارع الرئيسي، فيما كان الأمن يستعدّ للخروج من تالة.

غير أن خروجه كان مرفوقا بإطلاق النار بشكل هستيري، ليسقط، في ذلك اليوم، آخر شهداء تالة خلال الثورة، وهو وجدي السايحي (29 عاما).

وإثر خروج الأمن، ورغم تواصل المسيرات، تركزت اهتمامات سكان المدينة على توفير احتياجاتهم، جراء نقص المواد الأساسية، وخاصة المحروقات التي تستعمل في التدفئة.

وبفخر يختم البولعابي حديثه: "لم نهتم في تالة بخطاب بن علي الأخير ليلة 13 يناير 2011 ولا بهروبه يوم 14 (إلى السعودية).. كان كل اهتمامنا منصبا على تجاوز مخلفات حصار المدينة، الذي دام أكثر من 10 أيام". 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان