رئيس التحرير: عادل صبري 06:10 صباحاً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

زلزال سياسي في إيران.. هل تتكرر «انتفاضة 2009»؟

زلزال سياسي في إيران.. هل تتكرر «انتفاضة 2009»؟

العرب والعالم

مظاهرات إيران

زلزال سياسي في إيران.. هل تتكرر «انتفاضة 2009»؟

أحمد علاء 30 ديسمبر 2017 21:00
"سيد علي خامنئي اعذرنا، علينا الآن أن ننتفض".. تطوّر هائل دخلته إيران بالأمس، بمظاهرات كانت قد بدأت اعتراضًا على الأوضاع الاقتصادية إلى أن بلغت حد المطالبة بإسقاط النظام.
مظاهرات الخميس
 
أمس الأول الخميس، خرج مئات الإيرانيين في مظاهرات بمدينة مشهد، ثاني أكبر مدن البلاد، وفي مدن أخرى؛ احتجاجًا على سياسات الحكومة الاقتصادية وغلاء الأسعار وارتفاع نسب البطالة.
 
وتداول ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لمظاهرة في مشهد، دعا خلالها المتظاهرون السلطات الإيرانية إلى وقف تقديم الدعم للنظام السوري والالتفات أكثر إلى أحوال الإيرانيين في الداخل.
 
ونقلت وكالات أنباء محلية عن محافظ مشهد محمد رحيم نورزيان أنّ المظاهرة غير قانونية، وأنّ قوات الأمن اعتقلت بعض المتظاهرين بتهمة "محاولة تخريب الممتلكات العامة"، لافتًا إلى أنّ الاحتجاجات نظّمها من وصفهم بـ""أعداء الجمهورية الإسلامية" و"مناهضي الثوريين".
 
وأفادت "شبكة أخبار نظر" بخروج مظاهرات أخرى في يزد في الجنوب وشاهرود في الشمال وكاشمر في شمال شرق البلاد، إضافةً إلى احتجاجات في نيسابور قرب مشهد.
 
وتحدثت تقارير إخبارية عن أنّ قوات الشرطة ألقت القبض على 50 شخصًا على الأقل، في جميع المدن التي شهدت الاحتجاجات.
 
يُذكر أنّه في الآونة الأخيرة خرجت مظاهرات في عدد من المدن الإيرانية تنديدًا بالغلاء وبقوانين جديدة متعلقة بفرض ضرائب إضافية على المواطنين.
 
ووفق مركز الإحصاءات الإيراني، فإنّ نسبة البطالة بلغت 12.4% في العام المالي الجاري، وهو ما يمثل ارتفاعًا نسبته 1.4%عن العام الماضي، وهناك نحو 3.2 ملايين عاطل عن العمل في إيران التي يبلغ عدد سكانها ثمانين مليون نسمة.
 
وكان الرئيس حسن روحاني قد زعم في عام 2015 أنّ الاتفاق النووي مع الغرب سيحسّن الأوضاع الاقتصادية في البلاد، لكنّ النمو كان طفيفًا، ولم يرق إلى التوقعات. 
 
ورأى موقع "بيزفيد" الإخباري أنّ كثيرًا من مشكلات إيران الاقتصادية أساسها تحكم الفساد والمتشددين غير المؤهلين الذين يسيطرون على الاقتصاد، بدايةً من السياحة والاستيراد، وحتى قطاع النفط العملاق. 
 
وأشار إلى أنّ روحاني لم يكن قادرًا على القضاء على الفساد، أو التحكم في الاقتصاد، دون تحدي مناصب المتشددين المحصنة.
 
مظاهرات الجمعة
 
تطوّر المشهد سريعًا يوم أمس الجمعة، حيث اجتاح آلاف الإيرانيين الشوارع في تظاهرات مناهضة للحكومة، في مشهد وُصف بـ"الاستثنائي" للرفض الشعبي الذي يهدد بالتحول إلى مزيد من عدم الاستقرار.
 
مظاهرات الجمعة كان أغلب المشاركين فيها من فئة الشباب ممن في سن العشرينات والثلاثينات، وطالبوا بحرية المحبوسين على خلفية قضايا سياسية، كما نادوا بإسقاط نظام ولاية الفقيه، وردّدوا شعارات كانت ظهرت في انتفاضة عام 2009 التي تلت إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، الذي أثار إعادة انتخابه جدًا كبيرًا، حتى أنّ بعض الشعارات التي رددها المتظاهرون كانت تحوي اسم المرشد الأعلى علي خامنئي.
 
على صعيد متصل، أعلنت وكالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للأنباء أمس، أنّ رجل دين بارزًا في مدينة "مشهد"، دعا قوات الأمن إلى اتخاذ إجراءات صارمة بعد خروج مئات المتظاهرين إلى الشوارع احتجاجًا على ارتفاع الأسعار مردّدين شعارات مناهضة للحكومة.
 
وفيما يشبه التحريض على المتظاهرين، قال رجل الدين البارز المحافظ آية الله أحمد علم الهدى: "إذا تركت وكالات الأمن وإنفاذ القانون مثيري الشغب وشأنهم فإنّ الأعداء سينشرون تسجيلات وصورًا في إعلامهم ويقولون إنّ نظام الجمهورية الإسلامية فقد قاعدته الثورية في مشهد".
 
ويمكن القول إنّ "مظاهرات الجمعة" تعتبر هي أسوأ عدم استقرار سياسي تشهده إيران منذ فترة ما بعد انتخابات 2009، التي تلتها شهور من الاعتقالات والعنف شهدته الكثير من المدن الإيرانية. 
 
هل تتكرر الانتفاضة؟
 
منذ بداية الاحتجاجات، بدأت السلطات الإيرانية مواجهتها أمنيًّا، كما حدث في انتفاضة 2009، حيث اعتقلت العشرات في مدينة مشهد التي انطلقت منها الاحتجاجات وانهال عناصر الأمن بضرب المتظاهرين في بعض المناطق ورش جموع المتظاهرين بخراطيم المياه، حسب "العربية نت".
 
وكانت الاحتجاجات في 2009 قد بدأت بالتنديد ضد ما قيل إنّه تزوير في الانتخابات ومصادرة أصوات أنصار مير حسين موسوي ومهدي كروبي الإصلاحيين، لكنّها تطورت إلى مطالب بإسقاط النظام لاحقًا.
 
تقول وسائل إعلام إنّ الأسباب تكررت بعد ثماني سنوات بـ"مظاهرات مشهد"، فهي بدأت بالتنديد بموجة الغلاء ثمّ تطورت سريعًا لمطالب إسقاط النظام وطرد الديكتاتورية من خلال التكاتف والاستمرار بانتفاضة شاملة.
 
إلا أن الأمر المختلف هذه المرة - يقول "العربية" -  هو أنّه خلال انتفاضة 2009 كانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد وعدت بتحسين العلاقات مع نظام إيران كجزء من التقارب الأوسع مع العالم الإسلامي، ولم تحرك ساكنًا تجاه انتفاضة الشعب الإيراني وتركت المنتفضين لمصيرهم ومواجهة آلة القتل والاعتقالات والتعذيب والقمع على يد الحرس الثوري والأجهزة الأمنية المتعددة التي نكلت بالمتظاهرين واتضح فيما بعد أن أوباما كان يطمح لإعطاء دور إقليمي لنظام الملالي تتوج بإبرام الاتفاق النووي في 2015.
 
لكنّ الآن - حسب تقرير للموقع السعودي (المعادي لطهران) - هناك استراتيجية جديدة لواشنطن حيال إيران كشف عنها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، حول دعم واشنطن للقوى المطالبة بالديمقراطية وتغيير النظام الحاكم في طهران.
 
نظرة إقليمية وحرب إعلامية
 
سرعان ما ارتبطت هذه الأحداث الميدانية في إيران بالتطورات الإقليمية، وكان متوقعًا أن تستغل السعودية - إعلاميًّا - الأمر وتوجّه بوصلة الهجوم على النظام الإيراني الذي تحاصر قطر بسبب علاقاتها مع طهران، كما تحارب جماعات مسلحة تدعمها الجمهورية الإسلامية في مناطق عدة.
 
تعلق قناة "العربية"، المقربة من دوائر صنع القرار السعودي، على المظاهرات في إيران: "السياسات التي انتهجها النظام الإيراني مسّت حياة الشعب الإيراني السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وسبّبت له الويلات قبل أن تضر الشعوب الأخرى في المنطقة، وهذه السياسات في الداخل الإيراني وخارجه أضرّت بالمواطن من الجهة الاقتصادية والدينية والسياسية، والأهم من ذلك نالت من كرامته في الكثير من الأحيان".
 
وتذكر القناة: "في الداخل الإيراني، انتهج النظام سياسة القمع والتضييق والتمييز، حيث قمعت إيران كافة الأصوات التي تعارضها في الداخل واغتالت الكثيرين في الخارج، وأغلقت أو حظرت الكثير من مواقع التواصل والصحف وزجّت بالكثير من النشطاء في السجون، وقد حرمت المرأة الإيرانية من أبسط حقوقها ومنعتها من الحضور في الملاعب الرياضية حتى وهي أبسط الحقوق".
 
وتوضح أيضًا: "تفشيّ الفساد والظلم والحرمان جعل الإنسان الإيراني يكافح لكي لا يموت من الجوع، وفي نفس الوقت بذلت إيران مليارات الدولارات في حروبها الإقليمية المبنية على الطائفية وبث الكراهية".
 
وتتابع: "المواطن الإيراني الذي دعّم الرئيس روحاني آملًا أن يتفق مع العالم ويجد مخرجًا للمحنة التي جلبها المشروع النووي الإيراني للشعب، وجعله يعاني أشد المعاناة يرى بأم عينه أنّ كل المليارات التي حصلتها إيران تتبعثر في سماء المملكة العربية السعودية على شكل صواريخ باليستية يرميها الحوثي وتعترضها أنظمة الدفاع الجوية السعودية أو يرى تلك المليارات بشكل أموال يفتخر بها حسن نصر الله أمين عام الحزب اللبناني المصنف إرهابيًّا قائلًا مادام لدى إيران أموال فنحن لدينا أيضًا، أو يراها بشكل متفجرات أو أحزمة مفخخة ترسل سرًا لتزعزع أمن مملكة البحرين، وفي المقابل ما يجنيه المواطن الإيراني المسكين من تلك المليارات لا يتعدى اللاشيء ناهيك عن الآثار المترتبة على ما تقوم به إيران".
 
وتحدثت القناة السعودية في الإطار الخارجي، إذ قالت: "في السابق، كان يمكن للمواطن الإيراني الحامل لجواز السفر الإيراني أن يسافر للكثير من البلدان دون أن يحتاج لتأشيرة سفر، لكن سياسات النظام بعد ثورة 1979 أفقدت الجواز السفر الإيراني كامل قيمته ووضعته في أسفل قائمة الجوازات عالميًّا، إضافةً إلى ذلك سياسة دعم الإرهاب والإرهابيين صعبت الحصول على تأشيرة السفر للإيرانيين وحتى الطلاب وأساتذة الجامعات منهم وخير شاهد على ذلك هو قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حظر سفر الإيرانيين للولايات المتحدة وهذا ما أثر بشكل سلبي على الفرص الاقتصادية والعلمية والترفيهية للمواطن الإيراني، ونال من كرامته حين أجبره أن يخضع لأشد درجات المراقبة والتفتيش في المطارات الأجنبية ناهيك عن إرغامه للقيام ببصمة اليد والأعين".
 
صراحةً، جاء الرد من قناة "العالم" وهي مقربة من النظام الإيراني، إذ قالت: "في کثیر من البلدان، یعتبر هذا النوع من الاحتجاجات أمرا روتینیًّا وعادیًّا یحدث بین حینٍ وآخر، لکنّ الإعلام المعادي للثورة الإسلامیة ضخّم هذه الصورة واهتم بها بشکل خاص".
 
وأضافت القناة عبر موقعها الإلكتروني: "زعم بعض المحللین الغربیین أنّ هذه التظاهرات هي رد فعل من قبل الشعب تجاه النظام الإسلامي في إيران، واعتبر البعض الآخر أنّ الاحتجاجات أطلقتها جهات معارضة لحکومة الرئیس روحاني، فيما ذهب الآخرون إلی أنّ المشکلات الاقتصادية دلیل علی عدم کفاءة نظام الحکم في إیران وقصوره".
 
وتابعت: "بغض النظر عن کل هذه التحلیلات، وبما أنّ الاحتجاج على ارتفاع الأسعار هو أمر شائع في أنحاء العالم وهي ليست المرة الأولى التي تحدث في إیران، وأنّ المسؤولين متفقون علی أنّه من الضروري القضاء على ظاهرة الغلاء والتضخم، لکنّ السبب الرئیسي لکل هذا العداء الإعلامي والحرب الإعلامية یجب أن نبحث عنه في مجال آخر ألا وهو میادین الانتصارات على الإرهاب في سوریا والعراق ولبنان والیمن، فنحن نعتقد أنّ عملیة تضخیم الصورة في هذه القضية لا تکون إلا كرد فعل تجاه تلك الانتصارات".
 
تحليل أمريكي
 
موقع "ستراتفور" الأمريكي سلّط الضوء على هذه المظاهرات أيضًا، وقال إنّ مضمونها وأماكن انطلاقها أمر يبعث برسالة واضحة للحكومة.
 
وأضاف أنّه استنادًا إلى الصور والتقارير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإنّ الحشود التي خرجت في المظاهرات يتراوح عددها بين المئات وبضعة آلاف، لكنّ الاضطرابات الغاضبة ازدادت حتى أنّ قوات الأمن استخدمت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه من أجل تفريق المتظاهرين.
 
وذكر الموقع أنّ "هناك شحًا في تفاصيل وحجم المظاهرات ونطاقها وتنظيمها، والتي تعتبر عوامل حاسمة في الاحتجاجات الرامية إلى تحقيق أهداف سياسية".
 
لكنّ هذه المظاهرات التي شهدتها إيران - يوضح التقرير - تعتبر هامة لسببين يتمثلان في الرسالة المراد توصيلها، وفي الأماكن التي انطلقت منها في موقع القلب من البلاد.
 
وأوضح الموقع أنّ هذه الاحتجاجات الغاضبة تأتي للتعبير عن الاستياء الشعبي من السياسات الحكومية في طهران، وذلك في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة في البلاد.
 
وأوضحت تقارير فيديو هتافات غاضبة من بينها "الموت لروحاني، الموت للديكتاتور"، وعبّر بعضها عن شكاوى جراء ارتفاع الأسعار في السلع الأساسية والفساد بين المسؤولين.
 
كما انتقد المتظاهرون الحكومة لتركيزها على مشكلات الخارج مثل الحرب في سوريا، وذلك بدلًا من التعامل مع التحديات الداخلية.
 
وأضاف الموقع أنّ التوتر الداخلي الناجم عن الاقتصاد المتدهور والكسب غير المشروع لا يعتبر شيئًا جديدًا في البلاد، بل أنّ هذا الأمر أصبح قضية مركزية في الانتخابات الرئاسية.
 
وأشار أيضًا إلى أنّه رغم نجاح روحاني في تحرير الصادرات ورفع الحواجز من أمام الاستثمار الأجنبي، فإنّ الاقتصاد لا يزال يعاني من ارتفاع معدلات البطالة، وبخاصةً بين أوساط الشباب.
 
وأضاف أنّ الكثير من الاستثمارات التي وعد بها روحاني الناخبين لم تتحقق، وأنّ قرار ترامب في أكتوبر الماضي، بعدم إعادة التصديق على اتفاق النووي وكشفه عن استراتيجية شاملة لمواجهة الطموحات الإيرانية الشرق أوسطية قد أدى لإضعاف اهتمام المستثمرين المحتملين في البلاد.
 
ولفت الموقع إلى أنّ معارضة المتظاهرين للسياسة الخارجية للحكومة تظهر التداعيات التي يمكن أن تترتب على أنشطة طهران بالخارج، وبخاصةً ما يتعلق باتفاق النووي أو المشاحنات الإقليمية مع السعودية أكبر منافسيها بالمنطقة.
 
وأكّد أنّ المواقع التي انطلقت منها المظاهرات الغاضبة هذه المرة ليست من بين أوساط المهمشين مثل الأكراد بالشمال الغربي أو سكان الأهواز بالجنوب الغربي أو البلوش بالجنوب الشرقي، لكنّها انطلقت من بين أوساط السكان الأساسيين، في مدن من بينها مشهد معقل المحافظين السياسيين وموطن ضريح الإمام الرضا أحد أقدس المواقع لدى الشيعة.
 
واختتم الموقع قائلًا: "رغم أنّ لدى إيران القدرة على قمع المظاهرات بالعنف إذا لزم الأمر فإنّ البلاد عرضة لاضطرابات يمكن أن تؤثر على التغيير السياسي الشامل، في ظل اعتبار هذه الاحتجاجات سابقة خطيرة".
 
يُعقب على كل هذه التطورات المحلل الإيراني عُميد ميماريان بالقول: "الإحباط والغضب اللذين نتج عنهما أحداث 2009 ما يزالان حاضرين في المجتمع، ولم تفلح الحملات القمعية في القضاء عليهما". 
 
وأضاف: "أسباب كل هذا الغضب والإحباط لم تعترف بها الحكومة والدولة.. إنّهم لم يذكروا أبدًا قضايا المساواة، والعنصرية وافتقار الحرية والسياسات الاقتصادية السيئة".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان