رئيس التحرير: عادل صبري 08:32 صباحاً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

«الطبيعة تسابق القطار».. رحلة مهاجر في جوتينجن الألمانية

«الطبيعة تسابق القطار».. رحلة مهاجر في جوتينجن الألمانية

العرب والعالم

جوتينجن الألمانية

خاص «مصر العربية»..

«الطبيعة تسابق القطار».. رحلة مهاجر في جوتينجن الألمانية

أحمد علاء 29 ديسمبر 2017 18:45
"3738 كيلو مترًا تفصلها مكانيًّا، و39 ساعة تبعد بينهما زمنيًّا، لكنّ الفارق بينهما معيشيًّا وأمنييًّا ربما يبلغ ملايين الأميال الحياتية.. الحديث عن سوريا وألمانيا.
 
أتت الحرب الأهلية في سوريا على الأخضر واليابس، لم ترحم البشر ولا غيرهم، قتلًا وتجويعًا وتشريدًا وتهجيرًا، فكان لابد من البحث عن حياة بديلة لملايين الناس، الذين لا ذنب لهم إلا أنّها "سوريو الهوية والجنسية".
 
أحد هؤلاء المهاجرين قسرًا عن بلده هو الكاتب والباحث ميسرة بكور الذي قضى شهورًا عديدة طرديًّا بسبب الحرب في بلاده، جاءت آخر رحلاتها من مصر إلى ألمانيا، بحثًا عن وطنٍ يحتضن اللاجئين والمغادرين لبلدانهم كرهًا عنهم.
 
"مصر العربية" رصدت رحلةً للمعارض السوري في مدينة جوتنجن التي تقع في ولاية ساكسونيا السفلى في شمال ألمانيا في مقاطعة هانوفر السابقة علي نهر لاينه، ويبلغ عدد سكانها حوالي 262,817 نسمة، تشتهر بوجود جامعة جوتينجن فيها، وتكثر فيها صناعة الأجهزة البصرية والأجهزة الدقيقة.
 
يحكي بكور رحلته، لـ"مصر العربية"، قائلًا:
 
قادتنا خطواتنا المتسارعة نحو أفق جديدة برفقة صاحبنا المثقل بعشق الطبيعة المتأثر بزميلة عمله "الجرمانية" المغرمة بالخيول الأيسلندية قصيرة القامة.
"عميقة العينين تلك العاشقة المنحازة بشغف شديد للبيئة، المنشغلة في إيجاد أنجع السبل الكفيلة بتخفيف حجم التلوث والضرر الواقع عليها "البيئة".
 
فحسب قولها، فإنّ الطبيعة أعطت البشرية أشياءً جميلة وعلى عاتقه يقع رد الجميل من خلال حماية المرافق الطبيعية والمسطحات الخضراء والمائية والغابات من خطر التدهور البيئي الناتج عن المخلفات الاصطناعية ومغامرات البشر الهدامة عبر منشآته العملاقة التي تعتبر سببًا رئيسيًّا في التبدل المناخي والتغير الطبيعي وساهمت في ارتفاع درجة حرارة الأرض، وبالتالي ذوبان الثلوج في القطب المتجمد، كل هذا وذاك من أفعال البشر كان من المهم أن يتوقف إمّا بتوافق دولي أو عبر مجموعات ضغط وناشطون بيئيون ومن محبي البيئة النظيفة وصديقتنا "الجرمانية" وصاحبنا الحمصي "منذر الزقريط" المقيم في الدوتش زميل عمل "عميقة العينين" في متحف فريدلاند "هانوفر"، قادانا لدخول هذه المغامرة حيث لعب صاحبنا دور المرشد السياحي والطبيعي وأتقن ذلك، وقادنا في رحلة طبيعية ثقافية مع فواصل ترفيهية طبيعية أو اصطناعية من خلال تجربة حمام سباحة في الجو الماطر والإعصار.
 
 
كانت الفكرة مرعبة عندما تمّ طرحها كوننا لم تعتد ذلك في بلادنا، واعتقدت أنه لوهلة يمزح، لكنّه فاجئنا وأدخلنا مجمع فيه حمامات سباحة دافئة قررت دخول التجربة، واعترف أنّها كانت رائعة وأود أن أعيد الكرة في غير مناسبة، إنّه شعور عميق بالاسترخاء والراحة وزوال جبال الهموم ومناظر الدماء والقتل والتهجير والمؤامرات السياسية وشيطنة الآخر والضرب تحت الحزام وفوقه التي أثقلت مخيلتي وسكنت عقلي خلال سبع سنوات هي سنوات المنفى القسري من الأردن إلى مصر فألمانيا، التي نزعت عني صفة لاجئ التي علقت بي خلال سنوات خلت وأصبحت صفتي الجديدة مهاجر أو مستوطن.
 
ومازلنا في أجواء وأفكار زميلة صاحبنا الدليل السياحي الحمصي، وهو يسهب في شرح تطلعات وأفكار زميلته البيئة التي كان لها بالغ الآثر عليه، وقد تعايشنا معها وما زال يحدثنا عن أفكار النشطاء البيئيين حول منع انقراض بعض أصناف الحيوانات وبدافع من صدق انتمائها للطبيعة وحماية الحيوانات من الانقراض، فكان أن اقتصرت في طعامها على النباتات برسالة مفادها بأنّه يجب التوقف عن ذبح بعض الحيوانات حتى كان بدافع أكلها، كما أنّها تأتي إلى العمل في متحف "فريدلاند" على دراجة هوائية؛ بهدف تشجيع الناس على تخفيف التلوث والمحافظة على البيئة والتوقف عن ذبح الحيوانات وتتطلع لتربية فصيلًا من "المعاز" وواحد من الخيول الأسيلدنية، وآخر ما صارت إليه في عشقها الطبيعي أنّها كانت تستمع لصوت العصافير والسبب أنّها تريد أن تفهم لغتهم كي تتناغم معهم في انسجام وتكامل في الروح والمعنى.
 
عميقة العينين تلك عاشقة البيئة، جعلتني وصاحبي الآخر الدكتور الحلبي رفيق رحلتنا، لوهلة نشعر بشرخ في الانتماء للواقع ورهبة اللحظة التي تتحدث فيها عن البيئة التي منحتنا أجمل ما فيها وكيف لنا أن نرد لها الشكر على ما منحت لنا وأمام واقعنا العربي ومشهدنا السوري الدموي المستدام وشلال دماء إخواننا المكلومين في سوريا، وصرخات أمهات المقتولين المراقة دماؤهم على يد المليشيات الشعوبية والطائفية، وتفاصيلنا الغارقة المُبعثرة على ضفاف لا شواطئ لها المتناقلة تفاصيلها عبر هواء ومحطات الإعلام ونشطاء التواصل الاجتماعي وأطفالنا المختنقين أو المحترقين بنابالم روسيا وصواريخها الغادرة العابرة لحدود لدول والقارات المدمرة لبقية منازلنا المتصدعة على خلفية الحملات الهمجية التي تشنها العصابات الإرهابية الشعوبية الإيرانية.
 
كل ذلك بهدف وأد أحلامنا الطبيعية الإنسانية المتعطشة لنيل حقوقها الإنسانية الفطرية المستحقة الجامعة بين جميع الأطياف والشعوب المتحضرة والتي مازالت تصنف على أنّها من دول العالم النائمة، بالإضافة إلى منظومة القيم الأخلاقية والحقوقية في العيش في وطن سليم، معافًا من كل الإشكاليات والممارسات المتوحشة النافية للمعايير الطبيعة في الحق بالحياة الكريمة النبيلة في ظروف إنسانية تقوم على المساواة وتكافؤ الفرص السياسية الاجتماعية والحق في بيئة آمنة لا تلوث فيها، لا فكري ولا اصطناعي صادر عن عوادم الدبابات والمدافع ولا هواء ملوث بالغازات الكيميائية ولا أزيز الرصاص ولا هدير الطائرات ودوي المدافع، وتحت زرقت سماء وطننا الجميل التي تستطيع أن تظل الجميع تحت مظلتها السماوية الصافية البعيدة عن الطائفية والشعوبية ومكائد السياسة وألاعيب وحيل منظومة المجتمع الدولي الذي ما زال يلعب دور المتفرج، ويكتفي ببعض مناشدات دون رغبة جادة في فعل حقيقي يغيير ويوقف هذا العبث، وعوادم السيارات والمصانع وأفكار بعض الشعوبيين الطائفيين أو الانفصاليين والراغبين الحالمين في البقاء على سدة سرير ملك دمشق "الشام" إلى الأبد أو يحرقون البلد كما هو حال حكام البلدان النائمة التي لا يريدون لها أن تصحو من سكرتها أو غفوتها.
 
وفي غمار تنقلنا في رحاب مدينة "جوتينجن" الجرمانية، قادتنا تلك الخطوة ما بين الحواضر العمرانية التاريخية التراثية الاجتماعية الجامعة في طيات أعلامها وهضابها ومروجها الخضراء المصفرة وعبر تضاريسها المنبسطة الممتدة إلى حيث تفصلها سكك الحديد التي يزدحم بها المكان وباتت القطارات القادمة المغادرة، جزءًا من طقوس المكان، وكأنّها في حالة سباق مستمر من حيث طولها وحركت قطاراتها متعددة الألوان والأغراض في طولها وامتدادها، في الأماكن المنخفضة المرتفعة وأودية أنهارها المثقلة بالمياه المثلجة المنحازة إليها من قمم الجبال الممتدة على اليمين والشمال بصورة تسحر الألباب وتخطف الأبصار في لحظة يتداخل فيها الجبل بالنهر ليبتعد عنه بـ"سهل" فسيح مخضرٍ عسالٍ بلون التراب المتشبع ببياض الثلج الذي ينحسر ثم يعاود الظهور في لوحة تشكيلة جمعت ألوان الطيف بلمسات طبيعية.
 
 
في ذات المكان ونفس الجغرافيا، تشاهد الفصول الأربعة دفعة واحدة الأشجار الخضراء والمروج المخضرة والأوراق المتساقطة التي لكثافتها شكّلت سجادة مزركشة بألوان التراب وإخضرار بعض العشيبات التي تحاول التمرد على أثقالها والنهوض بشموخ من تحت ركام الثلج مع رشقات مطر أو ثلج، وما هي إلا دقائق حتى تُفاجئك الشمس بأشعتها التي تبدد عتمة المكان الذي سبق أن تلبدت سماؤه بالغيوم الماطرة المثلجة معًا.
 
في غمار ترحالنا مع صاحبنا العاشق المتعطش لثبر مدن وضواحي هانوفر الجرمانية، قادنا من جديد في رحلة استكشاف كانت محطتنا فيها مدينة جوتينجن الألمانية، وهي مدينة ريفية هادئة تقع في ولاية ساكسونيا السفلى في شمال ألمانيا في منطقة هانوفر السابق على نهر لاينه، والتي يبلغ تعداد سكانها 262,817 نسمة حسب تعداد عام 2004، تشتهر بوجود جامعة جوتينجن فيها.
 
تقوم فيها صناعة البصريات والأجهزة الدقيقة، كما أنّ جامعة جوتنجن من أشهر الجامعات الألمانية ولها شهرة عالمية أسّسها عام 1737 الناخب جورج أغسطس "جورج الثاني ملك إنجلترا فيما بعد".
 
أصبحت جامعة جوتنجين في أواخر القرن التاسع عشر مركزًا عالميًّا لدراسة الرياضيات والطبيعة، ولم تصب المدينة أو الجامعة خلال الحرب العالمية الثانية بخراب يذكر، بل ظلّت محافظة على طابعها العمراني الألماني القديم مع تداخل بعض المباني الجديدة بأسلوب محسن، ولكن تحاكي نفس الطراز وروح المكان المتمسكة بعبق التاريخ المتمثل في بعض مبانيها مثل الكنيسة المركزية وسط المدينة ومسرح كان بالأصل مركزًا حكوميًّا، تم تحويله لمسرح للزوار تتزين جدرانه بلوحات فنية نقش عليها صور ورسومات لأهم شخصيات المدينة وعلمائها الذين أثّروا بفعالية بحركة التطور والنهوض في الجامعة والمدينة وألمانيا ذاتها، ولا زالت المدينة متمسكة بطابع عمارة العصور الوسطى، فهي مدينة عاشقة للسلام محبة للضيوف غير نافرة من زوارها، فتحت ذراعيها للمهاجرين واللاجئين من مختلف الجنسيات شعبها مضياف مبتسم دائمًا يبادرك بالتحية والشكر في أي مناسبة أو طرفة عين تقع عيناك على أعين أحد سكانها الكرام.
 
 
تحاكي هذه التجربة، الجهود الكبيرة التي تمارسها ألمانيا من أجل تقديم فرصة حياة للاجئين والمهاجرين التي أجبرتهم الحروب على النزوح قسرًا من أوطانهم بحثًا عن أوطان جديدة.
 
ولإدراكها جيدًا أنّ هؤلاء النازحين لا ذنبًا لهم فيما جرى وكان، فتحت ألمانيا لهم أبوابها على مصراعيها، رغم التحذيرات الكبيرة التي توّجه لها خوفًا من أن تطالها هجمات إرهابية من خلال تسلل عناصر متطرفة بين اللاجئين، تنفذ عمليات ربما تكون انتقامية على الخسائر الكبيرة التي تُمنى بها هذه الجماعات في مناطق سيطرتها وتحديدًا في سوريا والعراق.
 
وبعد عامين من الصور الدرامية لوصول اللاجئين لألمانيا في خريف عام 2015 - تقول إذاعة "دويتشه فيلا" - إنّ الوضع لا يزال يشكّل تحديًّا هائلًا بالنسبة للاجئين والمتطوعين والمدن، في وقتٍ تغيّر فيه المزاج العام تجاه "اللاجئين" في البلاد، بعد احتوائهم في هذه المجتمعات.
 
وفي دليلٍ على هذا الاحتواء والتغير الإيجابي في المزاج، كشفت منظمتان حقوقيتان في ألمانيا، انخفاض عدد جرائم العنف ضد اللاجئين في البلاد بشكل كبير في عام 2017.
 
وأظهرت الإحصاءات المنشورة، أمس الخميس، من قبل مؤسسة أماديو أنطونيو ومنظمة "برو أسيل"، ارتكاب 1713 جريمة ضد اللاجئين في عام 2017، مقارنةً بـ3768 حالة في عام 2016.
 
وأفاد المكتب الاتحادي الألماني للتحقيقات الجنائية أيضًا بانخفاض الهجمات على اللاجئين، لكنّه لن ينشر الأرقام النهائية لعام 2017 قبل نهاية يناير المقبل.
 
ومع ذلك، قالت متحدثة باسم المكتب إنّ الإحصاءات الجزئية تشير إلى انخفاض الجرائم، حيث أظهرت الأرقام حتى 4 ديسمبر الجاري، الإبلاغ عن 264 هجومًا، مقارنةً بـ995 في عام 2016 بأكمله.
وكانت للولايات الشرقية التي تشكّلت من ألمانيا الشرقية الشيوعية السابقة مشكلة خاصةً مع العنف ضد اللاجئين، فقد سجّلت براندنبورج حول برلين أعلى معدل بواقع 85 حالة لكل مليون نسمة، تليها ساكسونيا 65 حالة، وساكسونيا-انهالت 55 حالة، وبرلين 52 حالة، وتورينجيا 47 حالة ومكلنبورج فوربومرن 45 حالة.
 
وكانت أدنى المعدلات في ولاية هامبورج الشمالية بواقع سبع هجمات لكل مليون نسمة، ثم شمال الراين وستفاليا في الغرب خمس حالات ثم بريمن في الشمال ثلاث حالات فقط.
 
وعلى الرغم من هذا الانخفاض، طالبت المنظمتان باتخاذ إجراءات صارمة ضد الجناة والمزيد من الشفافية من جانب السلطات، وقالتا إنّه مع وقوع أكثر من 1700 حالة لا يمكن لألمانيا القول إنّ المشكلة قد اختفت.
 
وأضافت المنظمتان أنّ العنف العرقي ضد طالبي اللجوء لا يزال يمثل مشكلة في جميع أنحاء ألمانيا.
 
 
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان