رئيس التحرير: عادل صبري 09:43 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

التقارب مع إفريقيا.. الاحتلال يهزم العرب في «المعركة السمراء»

التقارب مع إفريقيا.. الاحتلال يهزم العرب في «المعركة السمراء»

أحمد علاء 26 ديسمبر 2017 20:45

"النفط مقابل البقاء، والدولار مقابل الاستقرار".. ربما تتخلص سياسات العرب في هذه الشعار، وهي صفقات أثبت التاريخ أنّ خاسرة كمًا وكيفًا.

 

ولأنّ العدو (الاحتلال) يتربص بالعرب في كل وقت وحين، كان لزامًا عليه أن يستغل هذه السياسات على النحو الذي يُكسبه حلفاء هو في أمس الحاجة إليهم.. الحديث هنا تحديدًا عن تراجع عربي واضح عن القارة الإفريقية، مقابل تقارب واضح معهم من قبل الاحتلال.

 

اُستدعي هذا الحديث مما ظهر في الأمم المتحدة، وقت التصويت على مشروع قرار ضد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدينة القدس المحتلة عاصمةً للاحتلال الإسرائيلي، برغم أنّ المشروع نال موافقة حاشدة تمثّلت في 128 دولة، مقابل رفض سبع دول إلى جانب إسرائيل وأمريكا، ومن إفريقيا جاءت دولة توجو الذي قال رئيسها فور نياسنجبيه "أحلم بعودة إسرائيل إلى إفريقيا وعودة إفريقيا إلى إسرائيل"، وذلك خلال زيارته لمناطق الاحتلال في أغسطس الماضي هذه العبارة في دفتر ملاحظات الضيوف.

 

إضافة إلى ذلك، فهناك دول إفريقية امتنعت عن التصويت ما يعني اصطفافًا وإن كان غير مباشر، وهذا المسعكر الإفريقي ضمّ بنين والكاميرون ومالاوي وليسوتو ورواندا وجنوب السودان وأوغندا.

 

لم يُعلن إن كان ذلك بسبب التهديدات التي وجّهتها أمريكا قبل التصويت بقطع المساعدات المالية عن الدول التي تعارضها، لكنّ أحد الأسباب التي يمكن وضعها في هذا السياق هو العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي الذي عمل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كثيرًا على التقارب من دول القارة بغية الحصول على حلفاء، والهدف من ذلك لا عسكريًّا ولا اقتصاديًّا وإنما قد يكون وراء ذلك مسعى الحصول على أصوات هذه الدول في التصويت على أي قرار بالأمم المتحدة، يكون في صالح الاحتلال، فيما بدا وكأنّه ابتزازٌ وشراءٌ للأصوات.

 

5 مراحل.. علاقات مشتركة

 

بدايةً، يمكن تقسيم العلاقات الإسرائيلية الإفريقية إلى عدة مراحل، أولها "شرعنة الكيان" (1948 ـ 1957)، فبعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948 وضع صنّاع القرار في تل أبيب تأسيس علاقات قوية تفرض شرعيتهم على قائمة الأهداف التي يسعون لتحقيقها في السنوات الأولى لقيام دولتهم المحتلة، ومن ثم كانت القارة السمراء التي كان معظمها مستعمرات أوروبية،  هدفًا أمام الدبلوماسية الصهيونية.

 

المرحلة الثانية هي "التغلغل" (1957 ـ 1973)، حيث تعد هذه المرحلة البداية الحقيقية للعلاقات الإفريقية - الصهيونية، حيث كان الاحتلال أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في أكرا بعد أقل من شهر واحد من حصول غانا على استقلالها 1957، وقد لعبت السفارة الإسرائيلية في أكرا دورًا كبيرًا في تدعيم العلاقات بين البلدين، وهو ما دفع إلى افتتاح سفارتين آخرتين في كل من منروفيا وكوناكري.

 

أمّا المرحلة الثالثة فهي "المقاطعة" (1973 ـ 1983)، حيث قاطعت معظم الدول الإفريقية الكيان الصهيوني خلال حرب أكتوبر 1973، فتقلص عدد الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب من 25 دولة إفريقية إلى 5 فقط.

 

وفي مرحلة رابعة، تمت "استعادة العلاقات" (1982 ـ 1991)، حيث كثفت تل أبيب نشاطها الدبلوماسي في إفريقيا بعد انتهاء حرب أكتوبر، والوصول إلى اتفاق سلام مع الجانب المصري، وفي عام 1982م أعلنت زائير عودة علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي، لأنّ الرئيس موبوتو كان بحاجة ماسة للمساعدات العسكرية الإسرائيلية ولا سيما في ميدان تدريب الجيش وحرسه الجمهوري.

 

والمرحلة الخامسة هي "التطبيع" (1991)، حيث نجح الاحتلال في تطبيع علاقاته مع العديد من دول القارة بسبب عدد من المتغيرات الإقليمية والدولية، منها سقوط النظم الشعبوية والماركسية اللينينية في إفريقيا، الدخول في العملية التفاوضية بين العرب والاحتلال منذ مؤتمر مدريد، وفي 1992 أعادت ثماني دول إفريقية تطبيع علاقاتها مع الاحتلال، وطبقًا للبيانات الصهيونية فإنّ عدد الدول الإفريقية التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية أو أسستها معهم منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، قد بلغ 30 دولة، وفي عام 1997، بلغ عدد الدول الإفريقية التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع الاحتلال، 48 دولة.

 

ظروف سياسية وأمنية

 

ورغم أنّ الاحتلال الإسرائيلي منذ تأسيسه كان مدركًا لأهمية القارة الإفريقية، سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا واستراتيجيًّا، إلا أنّ الظروف السياسية آنذاك لم تسمح له بتحقيق اختراق واسع في العلاقات مع دول القارة، باستثناء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

 

ويقول مركز فلسطين للدراسات إنّ "الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها المنطقة العربية وما تعانيه من ضعف وتفكك، وما تتعرض له القضية الفلسطينية، جعلت الساحة الإفريقية ملائمة لتفعيل الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا"، لذا جاءت التحركات الإسرائيلية خلال سنة 2016 في الشرق الإفريقي.

 

كما اعتبرت "قمة توجو" التي خُطّط لأن تعقد في أكتوبر الماضي، خطوةً قوية نحو تلك الأهداف الإسرائيلية، لا سيّما أنّ "توجو" من أكثر الدولة في القارة الإفريقية قربًا من الاحتلال، وبدا أنّ الرئيس التوجولي فور جناسينجي لم يَحِد عن الخط الذي سار عليه والده سابقًا، حيث استقبل "أبوه" رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إسحاق شامير عام 1987، ومن الملفت للنظر بأن هذه الزيارة سبقها زيارة سرية قام بها بناد أفيتال مدير شعبة إفريقيا بوزارة الخارجية الإسرائيلية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة ضدّ إياديما في ديسمبر 1986، وهو ما يوحي بدور أمني للاحتلال في توجو.

 

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس جناسينجي في أغسطس الماضي، زيارةً إلى تل أبيب هي الرابعة له، حيث استُقِبل من قِبل نتنياهو، وفي ردّ له أثناء زيارة سابقة له هناك حول ما إذا كانت توجو تخشى الانتقام من دول شمال إفريقيا أو الدول العربية، قال إنّ توجو بلد صغير ولا تحصل على مليارات الدولارات من السعودية وقطر، وإن السكان المسلمين في البلاد صغيرون وغير نشطين، وبالتالي فإن الخطر السياسي منخفض.

 

إلا أنّ الاحتلال لم يتحقق حلمه المنشود وذلك بعد إلغاء "قمة توجو"، التي اعترضت عليها دول السودان وجنوب إفريقيا والمغرب، فيما اعتبرت صحيفة "ميدل إيست مونيتور" التي تصدر في لندن، أنّ هذه القمة معولٌ خبيث لهدم الأساس الأخلاقى الذى يقوم عليه الاتحاد الإفريقي، ونقلت عن دبلوماسيين أفارقة قولهم إنّ القمة كانت ستعطي صك المشروعية للاحتلال الذي أراد استمالة الأفارقة عبر شعار براق وهو "إسرائيل تعود إلى إفريقيا".

 

ورغم أنّ إلغاء القمة جاء بناء على طلب من الرئيس التوجولى متذرعًا بما تشهده بلاده من اضطرابات داخلية واستحالة استضافة القمة وسط تلك الظروف، اعتبر مراقبون أنّ التوترات الداخلية فى توجو وإن كانت سببًا في إلغاء القمة لكنها لم تكن السبب الوحيد فى ظل تقارير تؤكد وجود ضغوط أفريقية وعربية سعت باتجاه إفشال عقد القمة.

 

تحالفات

 

صحيح أنّ الحضور الإسرائيلي في فضاء غرب إفريقيا ليس متجذرًا ولا تاريخيًّا، لكنّ إسرائيل - في المقابل - تحتفظ بعلاقات مهمة مع بلدان مؤثرة في هذه المنطقة، كنيجيريا مثلًا التي تسللت إسرائيل إليها عشية استقلالها عن بريطانيا سنة 1960.

 

كما استطاعت تل أبيب أن تنجح في إقامة منشآت اقتصادية مهمة في هذا البلد، وكانت تمتلك شركة ضخمة للإنشاء والتعمير اسمها "نيوجيرسال"، كما كانت داعمًا سخيًّا للانفصاليين النيجيريين في حرب بيافرا الأهلية عام 1967، ولديها جالية كبيرة هناك ذات نفوذ اقتصادي ضخم.

 

كما أنّ للاحتلال علاقات وطيدة مع غانا، حيث ساهم في تطوير العلاقات بين البلدين حضورُ جولدا مائير "كانت آنذاك وزيرة لخارجية الاحتلال" فعاليات تخليد استقلال غانا سنة 1957.

 

إذًا، يتجلى من كل هذا أنّ الاحتلال الإسرائيلي يسعى بكل السبل إلى توطيد علاقاته مع البلدان الإفريقية، مستغلًا في ذلك حالة تراجع كبير في السياسات العربية تجاه دول القارة السمراء.

 

وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" التي تصدر في تل أبيب، قبل أسابيع، أنّ تحرُّك إسرائيل لتحسين علاقاتها مع الدول الإفريقية يعد جزءًا من جهود إسرائيل لكسب الشرعية والدعم والتأييد لمواقفها وقراراتها فى الأمم المتحدة، لا سيّما بعد نجاح الدبلوماسية الفلسطينية في الأمم المتحدة في إجهاض مساعٍ إسرائيلية للحصول على عضوية منتخبة في مجلس الأمن الدولي.

 

لا يمكن اعتبار تاريخ رغبة الاحتلال للتقارب مع إفريقيا وليد اليوم، إذ يرجع تاريخه لمن يُسمى "اللأب الروحي لإسرائيل" تيودور هيرتزل، ورئيسة وزرائها الأشهر جولدا مائير، وفي عام 2014 أجرى وزير خارجية الاحتلال أفيجدور ليبرمان جولةً إفريقية شملت رواندا وكوت ديفوار وغانا وإثيوبيا وكينيا لتنشيط علاقات التجارة مع القارة الأفريقية، وفى سبتمبر 2016 عقد نتنياهو لقاءات قمة مع 18 من قادة دول القارة على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة وجميعها لقاءات شارك فيها رجال أعمال إسرائيليون وممثلون عن الشركات الإسرائيلية الكبرى المتطلعة للعمل في القارة.

 

ويرى البروفيسير دورى جولد رئيس معهد السياسات العامة ومهندس استراتيجية إسرائيل تجاه إفريقيا في تصريحات لصحيفة "جيروزاليم بوست"، أنّ بناء تحالف "أمريكي - إسرائيلي - إفريقي" بات أمرًا مطلوبًا على ضوء التحديات الإرهابية القائمة على أرض القارة السمراء والتي تستهدف الوجود الأمريكي، وقال إنّ تعامل إسرائيل مع الملف الإفريقى من خلال تلك الشراكة قد يكون عاملًا ملطفًا من خلال التعاون المالي والإنمائي والأمني والعسكري، حيث كان مقررًا أن يرافق نتنياهو إلى قمة توجو الملغاة 70 من رجال الأعمال وممثلي الشركات الإسرائيلية الكبرى، كذلك كان حادث استهداف سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا أواخر تسعينيات القرن الماضى والذى أودى بحياة 224 فردًا وإصابة 4085 آخرين عاملًا دافعًا للاهتمام من جانب مؤسسات صناعة القرار الأمني والاستراتيجي الأمريكية لخطوة انفتاح جبهة إرهاب إفريقية تستهدف المصالح والوجود الأمريكي.

 

أسباب تدعو إلى التقارب

 

لكن هنا يفرض نفسه سؤالٌ مهم، هو هل هناك من أسباب أخرى تدفع الاحتلال الإسرائيلي إلى التقارب مع دول إفريقيا؟، وهنا يمكن الإجابة على هذا الإجابة من خلال معرفة أنّ القارة السمراء تمتلك 11 من بين 20 دولة هي الأسرع في العالم على صعيد النمو الاقتصادي وذلك طبقًا لتقارير البنك الدولي، وتشكّل الكتلة الأرضية لإفريقيا كتلة أكبر من أراضي كل من الولايات المتحدة وشرق أوروبا والهند والصين مجتمعة، كما من المتوقع أن يتضاعف سكان إفريقيا البالغ عددها مليار نسمة حاليًّا وذلك بحلول عام 2050، بما يجعل القارة سوقًا استهلاكيًّا كبيرًا، ويدلل على ذلك وجود 700 مليون هاتف محمول بأيديهم، كما يشير التركيب العمرى لسكان إفريقيا إلى أنّ نصفهم دون الخامسة والعشرين من العمر، ما يجعلهم قوة عمل مهولة ومؤثرة اقتصاديًّا إذا أحسن استثمارها وتدريبها وعدم تركهم فريسة لمسؤولي التجنيد في منظمات الإرهاب أو فريسة لمهربي البشر عبر زوارق الموت لبلدان الغرب.

 

هناك سببٌ آخر أيضًا يدفع الاحتلال للتقارب مع هذه الدول، وهو الفقر الشديد الذي يجعلهم في حاجة إلى أطراف خارجية تساعدهم لانتشالهم من هذه الحالة المزرية، وهنا تتحدث الأرقام عن نفسها، إذ يوجد 600 مليون إفريقي يعيشون بلا كهرباء، و300 مليون إفريقي بلا إمدادات من مياه الشرب الآمنة، كما يواجه 16 مليون إفريقي في شرقي القارة شبح الموت جوعًا، وتصل اعتمادات دعم تمويل مشروعات الكهرباء الشمسية فى إفريقيا المدعومة من البنك الدولي ملياري دولار أمريكي خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وهي مشروعات حرصت إسرائيل على الإسهام فيها فنيًّا وتكنولوجيًّا وتنفيذيًّا.

 

وحدّدت ورقة بحثية لمركز الجزيرة للدراسات أسبابًا أخرى من أجل هذه السياسات، فتقول إنّ الاحتلال - مدفوعًا بهوس النفوذ الخارجي - يجد من مصلحته حط الرحال في منطقة تعتبر مطيةُ المصالح تأشيرةَ دخولها الرئيسية، فتل أبيب باتت تستشعر النفوذ المتعاظم لدول منافسة كإيران وتركيا في قارة إفريقيا، التي تمثل عمقا استراتيجيًّا لا يستهان به وسوقًا استهلاكية ضخمة.

 

وبالإضافة إلى التخوف من الدورين الإيراني والتركي في إفريقيا، فإنّ قادة الاحتلال بحاجة ماسة لتحسين صورتهم وسجلهم الأسود في الجرائم الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام الإفريقي، ولن يتأتى ذلك إلا بدبلوماسية فاعلة وحضور سياسي واقتصادي مؤثر.

 

كما اتخذ الاحتلال من ظهور "الجماعات الجهادية" في منطقة غرب إفريقيا على مدار الأعوام الأخيرة شماعة لوصم المقاومة الفلسطينية بـ"الإرهاب"، واعتبارها هي والجماعات الإفريقية المسلحة وجهين لعملة واحدة، مستفيدة من ضعف وعي وفهم النخب السياسية في القارة السمراء لأبعاد الصراع العربي الإسرائيلي، بفعل تأثير الإعلام الغربي الموجه والخادم للمشروع الصهيوني.

 

أيضًا، يمثل البحث عن كسب تأييد الأفارقة في المحافل والمنظمات الدولية سببًا آخرًا، فتذكر الدراسة أنّ "الصفعة التي تلقاها الاحتلال من مجلس الأمن الدولي بعد تقديم السنغال لمشروع قانون مجرم للاستيطان صادق عليه المجلس، جعل تل أبيب تستحضر أنّ التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يمت في مواقف الحكومات والأنظمة الرسمية بإفريقيا جنوب الصحراء".

 

لذا أدرك الاحتلال أنّ الغياب عن مجريات الحدث الدبلوماسي والسياسي بهذه المنطقة قد يصب في صالح القضية الفلسطينية داخل المحافل الدولية والإقليمية، فقد ظلت إسرائيل تظن خطئًا أنّ التعلق بالقضية الإفريقية على المستوى الرسمي مرهون بديناميكية الدبلوماسية العربية الداعمة لفلسطين في محافل القارة.

 

"الوقوف على مصادر تمويل حزب الله" هو السبب الثالث الذي ساقته الدراسة وراء هذا التقارب، حيث شكّلت مصادر تمويل حزب الله الخارجية أحدي القضايا الأمنية التي أرّق الاحتلال على مدار السنوات الأخيرة، وباعتبار أنّ منطقة غرب إفريقيا تعتبر الركن الأهم من أركان القارة للأنشطة الاقتصادية والمالية للجالية اللبنانية المتهمة بدعم حزب الله ماليًّا، فقد انصبّ اهتمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ودوائر النفوذ الاقتصادي على بعض بلدان هذه المنطقة، المعروفة بالتأثير الاقتصادي والسياسي للجالية اللبنانية مثل ليبيريا وساحل العاج.

 

يقول مهند مصطفى أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، والباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار": "إسرائيل تعمل على تعزيز نفوذها في إفريقيا عبر تزويد الدول هناك بالأسلحة الإسرائيلية، حتى بطرق مخالفة للقانون الدولي،، وهذا ما أكده تقرير للأمم المتحدة حول العقوبات العسكرية ضد حكومة جنوب السودان، في أكتوبر 2016، الذي اعتبر إسرائيل تدعم جنوب السودان بالسلاح والخبرات الأمنية والتكنولوجية في سعيها لقمع المعارضة للنظام، ويستعملها الأخير خلال الحرب الأهلية الدائرة هناك، رغم الحظر العسكري المفروض عليها دوليًّا".

 

وأشار إلى "استغلال إسرائيل لانتشار حركات إرهابية انفصالية في إفريقيا، لتعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، وخاصة منها إثيوبيا ونيجيريا ومالي".

 

وفي الآونة الأخيرة، أنشأ الاحتلال عدة مؤسسات استثمارية لمنافسة اللبنانيين في مجالات التأثير الاقتصادي والمالي، عبر تشجيع حركة استثمار رجال الأعمال الإسرائيليين في ساحل العاج، كما أقامت شركات للحراسة والأمن لجمع قاعدة بيانات عن رجالات حزب الله في البلد، وخريطة انتشارهم ومستوى تأثيرهم الاقتصادي.

 

يضاف لما سبق أيضًا "تعظيم التبادل التجاري مع غرب إفريقيا"، حيث ظلّ اهتمام الاحتلال الاقتصادي بهذا الجزء من القارة مقتصرًا على دول قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، فحجم التبادل التجاري بين الاحتلال وإفريقيا يظهر أنّ علاقات تل أبيب بها في المجال الاقتصادي ما زالت ضعيفة جدًا.

 

وقد كشف معهد الصادرات الإسرائيلية -في تقرير له سنة 2015- أنّ حجم صادرات إسرائيل نحو إفريقيا يبلغ فقط 1.6% في حين تصل الواردات من إفريقيا 0.5%، ما يعني أنّ استفادة إسرائيل من سوق بحجم تكتل "إكواس" الاقتصادي الذي يبلغ حجم مستهلكيه 340 مليون نسمة، ويمتلك مقدرات اقتصادية هائلة وثروات طبيعية كبيرة ومتنوعة، ما زالت ضعيفة جدًا.

 

أين العرب؟.. ربان مغمور يقود مركبًا ضخمًا

 

لكن، أين العرب من كل كذلك؟، أليس هم في حاجة إلى حلفاء لتقوية وضعهم إقليميًّا ودوليًّا؟، أليسوا في حاجة إلى استثمار "الخيرات السمراء"؟، أجاب السياسي والحقوقي المغربي عادل اعياشي على هذه التساؤلات، فيما يتعلق بالسياسات العربية، وكيف هي الآن.

 

يقول اعياشي: "عندما تمعن النظر في السياسة العربية - الخارجية خصوصًا - فكأنك أمام ربان مغمور يقود مركبًا ضخمًا في عرض البحر على غير هدى، لا يدري إلى أين يسير، فيتيه بين الأمواج والعواصف، لا يفكر في شيء سوى في النجاة بجلده من مصير محتوم، وخوفًا على نفسه من أنياب القروش المتربصة، وثقل النفائس والمعدات، يبدأ هذا الربان المجنون برمي كل ما يحمله المركب من ذهب وأموال كانت في ملك الرعية، دون أن يتخلص أولًا من المعدات التي لا طائل من ورائها، هذا هو حال سياسة العرب".

 

يخوض العرب - يضيف اعياشي - في قضايا كبيرة، ويتخذون قرارات مصيرية، وهم عاجزون حتى على حل مشكلة بحجم بعوضة، "وبمجرد أن تتعقد الأمور بعض الشيء، يبدؤون في تقديم التنازلات المرة بطعم العلقم دونما تردد، فتنتهي تخبطاتهم بالفشل والخسران، وأصبحت بالتالي هذه الحلقة المفرغة عادةً متوارثة، أينما حلت سياسة العرب حل الخراب والدمار وتولدت الأهوال والأزمات".

 

وأضاف: "سياساتنا فاشلة بكل المقاييس، والدليل ما وصلنا إليه اليوم من وضع لا نحسد عليه، فحتى مقدساتنا تنتهك حرماتها وتسلب منا الواحدة تلو الأخرى، وأراضينا تقطع إربًا إربًا ثم توزع على أعدائنا كما توزع قطع الحلوى في الأعياد، وما زلنا مصرين على سياساتنا الخارجية الفاشلة، حاملين شعار النفط مقابل البقاء، والدولار مقابل الاستقرار، لكنها صفقة خاسرة بائدة دفعت شعوبنا مقابلًا لها ثمنًا باهظًا، فغاصت في براثن الجهل والفقر المدقع، بينما أموالنا العربية تصرف على أمريكا وحلفائها لتقود العالم كما يبدو نحو مرافئ السلام والأمن والاستقرار".

 

وتابع: "المال ليس كل شيء، فخزائن الذهب تنفذ إن لم نحافظ عليها ونحرسها من أعين الطامعين الذين يحومون حولها فيخطفون قطعًا منها في الخفاء مع أول فرصة تتاح لهم، وقد يفعلون ذلك علنًا وأصحاب الحق نيام، ويستمر هذا الخطف شيئًا فشيئًا إلى أن تنفذ الأموال والثروات وتضيع في مهب الريح، لتعود عصور الجمال والخيام من جديد، وصاحب اليوم عدو الغد، والزمن يدور علينا فتدور نوائبه".

 

من أجل لعب لعبة السياسة، يوضح الكاتب، يجب الانطلاق من موقع قوة ونفوذ وأرضية صلبة، وإلا سيخسر العرب الرهان كما المعتاد، متحدثًا عن أنّ العرب ظنوا أنّ السياسة هي من تحدد موازين القوة، والعكس هو الحاصل، إذ أنّ القوة هي من ترسم سياسة العالم وتحدد مفترقاته.

 

يدلّل الكاتب على ذلك بالقول: "روسيا مثلًا بدأت فعليًّا بفتح قنوات الحوار مع المعارضة السورية الخانعة بعد ماذا؟ بعد أن سوت كل شيء بالأرض، وحرقت الأخضر واليابس، فمكنتها قوتها من فرض شروطها كاملة على الطاولة، وبعد أن كان العالم العربي يراهن على تحرك أمريكا لمعاقبة إيران على سياستها العدائية في المنطقة، إذا بها ترفع الحصار عنها في خطوة مفاجئة وتغض الطرف كليًّا عن تصرفاتها، لماذا؟ لأن أمريكا وجدت أمامها خصمًا عنيدًا يجابهها من مركز قوة وليس من نقطة ضعف، حتى وإن كانت إيران لا تملك من الأسلحة النووية ما ترعب به العالم، وأنا شخصيًّا أرجح ذلك، إلا أن سياستها الماكرة نجحت إلى حد كبير في إيهام العالم بقوة لا وجود لها، ووفقت بذلك في حصد مكتسبات مهمة في المنطقة، كل هذا بالسياسة".

 

يؤكد حديث الكاتب المغربي إلى الحاجة الملحة لأن تصبح للعرب قوة إقليمية، تقوم على تنوع العلاقات وتستثمر في مناطق شتى، حتى وإن كانت فقيرة، فالاستثمار هناك وانتشال الشعوب هناك من حالة الفقر يقوي مصالح تلك الدول وتجعلها منفتحة أكثر على شتى بقاع العالم، ولا تجعل مصالحها في "جيب ترامب الخلفي".

 

التباعد العربي.. مصر نموذجًا

 

بالعودة إلى العلاقات مع إفريقيا، يلحظ متابعون تباعدًا هائلًا من قبل العرب تجاه دول القارة السمراء، على الأقل بالمقارنة مع سياسات الاحتلال الإسرائيلي في هذا الصدد، وربما أدّى ذلك إلى تأثير كبير على القوتين الإقليمية والدولية للدول العربية، حيث أكّدت الحاجة إلى مثل هذا النوع من العلاقات.

 

تطبيقًا على الحالة المصرية، أجاب الكاتب والباحث محمد شمس الدين على السؤال الملح، لماذا غابت مصر - قلب العالم العربي - عن إفريقيا، أخذ يقول: "كثيرٌ من المهتمين بالشأن الإفريقي في مصر وخارجها، اعتبروا أنّ مصر قصّرت من طرفها على مستوى مؤسساتها ووسائل إعلامها ورجال أعمالها في مد جسور التواصل السياسية والاقتصادية والثقافية بينها وبين دول القارة الإفريقية عمومًا ودول حوض النيل على وجه الخصوص، الأمر الذي عملت على استغلاله إسرائيل ودول الغرب لا سيّما فرنسا والولايات المتحدة وأيضًا الدولة صاحبة القوة الاقتصادية العظمى الصين".

 

يضيف في مقالٍ بصحيفة "المصري اليوم": "فاتت بذلك فرص كانت مصر جديرة باقتناصها لتقوية نفوذها في القارة السمراء على الصعيد الاقتصادي والسياسي ومجالات الاستثمار في التنقيب عن النفط والتعدين والبنى التحتية والسياحة وغيرها، استنادًا إلى وضع مصر إقليميًّا ودوليًّا بدلًا من أن يلجأ أشقاء القارة إلى دول الشرق والغرب وكيان إسرائيل مانحة إياها ضوءًا أخصر لبسط نفوذها في القارة السمراء واستغلال ثرواتها وأيضًا التأثير على مواقف وقرارات دول القارة سياسيا لصالحها فحسب".

 

يواصل قائلًا: "ما فعلته الدول التي سبقت مصر- الدولة العظمى عربيًّا وإفريقيًّا ودوليًّا بوزنها الجيوسياسي - هو أنّها ببساطة صدرت في بداية الأمر قوتها الناعمة، قوة وسائل الإعلام التي لها مفعول السحر في تأليف القلوب وأيضًا في المقابل تأجيج الحروب والصراعات، تلك القوة مهدت الطريق أمام دول الغرب للدخول إلى القارة السمراء بثقلها اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا فتمكنت من إنشاء تحالفات قوية مع عدد من دول القارة رغم العائق الجغرافي، والنتيجة استثمارات متبادلة في مختلف المجالات آنفة الذكر ما يعني توفير آلاف فرص العمل الواعدة وغيرها من الفوائد المرجوة التي ستنعكس إيجابًا على جميع الأطراف".

 

لكن الجانب الآخر من المشهد يمثل نقطة ضوء، إذ أنّ شعوب تلك الدول وإن كانت لا ترى من الأنظمة المتعاقبة في مصر اهتمامًا مناسبًا، إلا أنّ هذه الشعوب تحمل في ذاكرتها الأبدية مدى قوة مصر إقليميًّا ودوليًّا، حتى وإن كانت في أحلك ظروفها وأحوالها.

 

يقول الكاتب شمس الدين: "الجيد في الأمر أنه على الرغم من هذا البعد والتهميش غير معلوم الأسباب في الفترة الماضية الطويلة، إلا أنّ شعوب دول الحوض على الأقل أبقت على حبل الوصال، وإن أردتم التحقق فلتستطلعوا ما يعرفه أبناء تلك الدول عن مصر، ستجدون أنهم يعرفون الكثير عنها وعن رموزها المادية والمعنوية، يحفظون أسماء مدنها وفنانيها، يعرفون تفاصيل عاداتها وتقاليدها لأنهم ببساطة يعشقون ما أبدعته مصر ولازالت عبر أعمالها الفنية التي يتابعها الجميع مهما بعدت المسافات".

 

وفيما بدا وكأنه تحول يحمل شعاع نور في التوجهات المصرية للقارة، كشفت القاهرة عن خطط لتعزيز استثماراتها في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، التي تعد من بين أهم الاقتصادات الأكبر نموًا في العالم، رغم التحديات التي تعترضها في رحلة منافسة الاستثمارات المغربية والصينية.

 

وكان مجلس الوزراء المصري قد أقرّ اتفاقية تأسيس منطقة تجارة حرة ثلاثية بين السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا ومجموعة شرق إفريقيا والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي، وتهدف الاتفاقية إلى تحرير تجارة السلع والخدمات وانتقال الاستثمارات بين الدول الأعضاء، وتعميق التكامل الاقتصادي وفتح الأسواق وتطوير الصناعة والبنى الأساسية بينها.

 

وترتكز الاستراتيجية المصرية على التنسيق والتعاون مع خمسة مجالس تصديرية، هي الكيماوية والهندسية ومواد البناء والغذائية والطبية، التي تمثل صادراتها 80% من إجمالي الصادرات المصرية لأفريقيا البالغة نحو 3.7 مليار دولار سنويًّا.

 

يقول مصطفى الأحول رئيس مجلس الأعمال المصري الشرق إفريقي إنّ "القاهرة ابتعدت عقودًا عن القارة السمراء، ما قلص من حضورها على الساحة"، لكنّ أوضح أنّ زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي المتعددة لدول إفريقية تعيد رسم تلك العلاقات مجددًا، إلا أنّ الأمر سيتطلب جهودًا كبيرة، ولن تدعمها سوى لغة المصالح المشتركة، واتساقًا مع ذلك، أسّس عددٌ من رجال الأعمال المصريين واللبنانيين شركة للاستثمار والتجارة في إفريقيا، وقال رئيس الشركة ماجد المنشاوي إنّ أولويات العمل ستركز على دول القارة الناطقة باللغة الفرنسية.

 

ولدى دول إفريقيا جنوب الصحراء، إمكانات عالية لتصدير المواشي والقهوة والحبوب وغيرها من المنتجات إلى الدول العربية المنتمية إلى منظمة التعاون الإسلامي، وأكدت دراسة لغرفة تجارة وصناعة دبي، أنّ قيمة الاستثمارات الخليجية المباشرة في دول جنوب الصحراء الإفريقية بلغت حتى نهاية يونيو 2015 نحو 2.7 مليار دولار، وتصدرت نيجيريا وجنوب إفريقيا وكينيا وأوغندا قائمة دول القارة السمراء التي جذبت العدد الأكبر من الشركات الخليجية، باستقطابها نحو 25 شركة خليجية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان