رئيس التحرير: عادل صبري 09:25 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

عهد التميمي وجنى جهاد.. رسالة من الله

عهد التميمي وجنى جهاد.. رسالة من الله

العرب والعالم

عهد التميمي

عهد التميمي وجنى جهاد.. رسالة من الله

أحمد علاء 26 ديسمبر 2017 19:23
"في فلسطين نبض كامن يستعيد في كل لحظة خفقانه المسموع.. يقف المحتل يتساءل: ها أنتم ثانية، ألم أقتلكم؟.. فيرد المناضلون: نعم قتلتنا ونسينا أن نموت".. سؤال وجواب في حديث بين محتلٍ مغتصب للأرض وصاحب حق لن يتغير في التاريخ ولا الجغرافيا.
 
أعاد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلان مدينة القدس المحتلة عاصمةً للاحتلال الإسرائيلي، القضية الفلسطينية إلى بؤرة الأحداث، بعدما صعقتها الأوضاع العربية التي أعقبت "ربيعهم الثائر".
 
ويحلم العرب بنسخة جديدة من "صلاح الدين الأيوبي"، يعيد الأقصى إلى أصحابه ويحرر الأرض والعرض، لكنّ يبدو أنّ الظروف الراهنة غير مهيئة لظهور "هذا القائد".
 

"عهد" على العهد

 
هنا يفرض الحديث عن عهد التميمي، تلك الطفلة الشقراء التي مثلت في سن صغيرة (16 عامًا" أيقونة للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وسط حالة عربية "نظامية" يصفها أهلها بـ"المزرية".
 
وُلدت "عهد" الطالبة في الثانوية العامة، الفرع الأدبي في مدرسة البيرة الثانوية للبنات، بقرية النبي صالح شمالي رام الله في 30 مارس 2001، وفي الرابعة من عمرها ظهرت كأصغر الفتيات اللواتي يتوسطن جموع المحتجين على اعتداءات الاحتلال في القرية، لتجدها بجوار أمها تشارك في غالبية المسيرات المناهضة الاحتلال، حتى لفتت أنظار العالم لها وهي في عمر العاشرة، حين أخذت تدفع جنود الاحتلال عن أمها "ناريمان التميمي" خلال مسيرة سلمية مناهضة للاستيطان في أغسطس 2012.
 
واصلت الفتاة نهج التصدي والتحدي لجيش الاحتلال في اعتداءاته على عائلتها وجيرانها، حتى وقعت الحادثة الثانية التي أظهرت شجاعتها، إذ شاركت أمها في تخليص شقيقها "محمد" من يد جندي للاحتلال داهم الطفل على صخرة وهو مكسور اليد في العام 2015، وأشيد حينها بشجاعة تلك الطفلة التي تمكنت من تخليص شقيقها من الاعتقال.
 
وحين وصلت "عهد" سن المراهقة لم تنشغل بما يمكن أن يشغل بنات جيلها، فقد استغلت شجاعتها في الميدان، وكانت تمنع جنود الاحتلال من اعتقال شبان قريتها، ومنعتهم أكثر من مرة من استهدافهم بالرصاص الحي والمعدني المغلف بالمطاط، وكان آخرها في حادثة اعتقالها؛ إذ رفضت الفتاة ترصد قوات الاحتلال بالشبان من أمام بيتها.
 
ولمواقفها الشجاعة المتعددة، حصلت "عهد" على جائزة حنظلة للشجاعة عام 2012 من قبل بلدية باشاك شهير التركية، وهي تطمح إلى دراسة القانون لتصبح محامية، وتقول: "لمّ أكبر بدّي أصير محاميّة؛ لأساعد أهلي ووطني والأسرى، لأظهر للعالم ولمحكمة العدل العليا الدولية (تقصد محكمة لاهاي الدولية) حقوق أبناء شعبي"، وتضيف لـ"مونتيور": "هناك قوانين لحقوق الإنسان يجب أن تطبّق، ويكون هناك عدل بين الفلسطينيين وبقيّة الشعوب، لازم تنتهي العنصريّة بالعالم".
 
ومؤخرًا، شنّ إعلام الاحتلال حملة شرسة ضد "عهد"، بعد أن انتشر فيديو لها وهي تصفع جنود الاحتلال المدججين بالسلاح وتطردهم من بيتها، حيث خرج وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينت يقول: "يجب أن تقضي تلك الفتاة سنواتها في السجن".
 
وقد اقتحم الجنود الصهاينة دارها، واعتقلوها دون مرعاه لحداثة عمرها، ولا لأي مواثيق دولية لحماية الأطفال، بل صرح متحدث جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي: "تخيلوا ماذا كان ليحدث لهذه المستفزة لو تصرفت بهذا الشكل مع ضباط أو جنود عندكم؟".
 
إذًا، هذه هي "عهد" التي يراها كثيرون نموذجًا لقيادة المقاومة، واللافت هنا أنّ ليست رجلًا، بل "فتاة صغيرة" بإمكانها أن تحرك مياه العرب الراكدة في غمار أزماتهم المتلاحقة.
 
ويمثل تصدي وبسالة "عهد" أمام جنود الاحتلال الإسرائيلي لاعتقالها بعد تحريض مباشر وصريح من مسؤولين إسرائيليين، معنى جديدًا للمقاومة كما يجب أن تكون، إذ لم تعد الحاجة قائمةً للتخوف من العدد والعتاد أمام العدو، وهذا يعني الحاجة إلى شجاعة وقلب يملؤه الإيمان.
 

"جنى".. جهاد الطفولة

 
وفي حالة مشابهة نوعًا ومضمونًا، وإتساقًا مع كل ذلك، جاء الدور على نبتة أخرى، أنبتتها نفس القرية التي خرجت منها عهد التميمي، الحديث عن هنا جنى جهاد.
 
تبلغ الطفلة الفلسطينية المناضلة من العمر 11 ربيعًا، لكن يقال إنّ تسبق كثيرين من العرب، سياسيين وحكامًا بنصرتها للقضية الفلسطينية التي خُلدت شعبيًّا كقضية العرب الأولى.
 
تعيش "جنى" في قرية النبي صالح، وتقول عن نفسها إنّها أصغر صحفية فلسطينية في العالم، إذ تصوّر تقارير من فلسطين وتبثها على صفحات التواصل الاجتماعي لتنقل صورةً عن انتهاكات الاحتلال واغتصابه للأرض، ليس فقط بالعربية بل بالإنجليزية أيضًا ليصل صوتها لكل العالم.
 
تقول "جنى": "من هنا تنطلق رسالتنا، كأطفال وشعب فلسطيني أننا باقون هنا وحتى تبقى القدس عاصمة فلسطين الأبدية". 
 
بدأت "الطفلة الأيقونة" مسيرة النضال في سن السابعة، إذ اعتادت على نقل التظاهرات وملاحقة الحدث الفلسطيني، ومؤخرًا بثت مقطعًا لواقعة اعتقال "عهد التميمي" التي تصفها بـ"الصديقة"، إذ تحدت الاحتلال بشجاعةً، وواجهت الصوت بالسلاح.
 

المقاومة النسائية

 
تذكر الكاتبة سيلين ساري: "تعودنا دائمًا أنّ من يحمل شعلة الحرية هم الرجال، ولكن يبدو أنّ هذه المرة سيختلف الحال، فبعد خيبات متتالية ابتليت بها أمتنا في الآونة الأخيرة تخرج لنا من صفحات الأساطير حورية صغيرة تحمل شعلة للحرية، بل هي في ذاتها بشكلها شعلة حرية بدايةً من شعرها المنفلت من أي رباط يقيد انطلاقه إلى ملامحها البريئة الثائرة بنفس الوقت بكلماتها التي تفوق سنوات عمرها، ولكنها كبيرة عميقة بعمق جذورها المغروسة بأرض فلسطين".
 
وتضيف: "ظهور عهد في هذا الوقت هو رسالة من الله للكثيرين ليس بمصر خاصة، بل بكل الدول العربية لتخبرنا أنّ المقاومة لا تحتاج ما تتوهمون من العدد، ولا ما تزعمون من العتاد الذي تثبطوا به عزم الكثيرين.. المقاومة تحتاج شجاعة وقلب يملؤه الإيمان، الإيمان بأنّ الله ناصرك لا محاله لأنك صاحب حق، الإيمان بعدالة قضيتك وهدفك، هذا ما أمرنا به الله أن نعده لأعدائنا كي نرهبهم: ترهبون به عدو الله وعدوكم".
 
وتوضح: "كما يفر الشيطان أمام كلمات الله فزعًا، يفر أتباع كل سامري مرعوبين من كل من يحمل ألواح موسى المنقوش عليها كلمات الله، في كل زمان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها هناك من يجعل الله قوبهم ألواح موسى المحفور فيها الإيمان، قلوب لا تخشى غير الله، ولا تسعى إلا لإعلاء كلمته، تلك القلوب وحدها هي من يفر أمامها كل جنود الشيطان مهما عظم عددهم وعتادهم".
 

"عهد وجنى" وحكام العرب

 
ما فعلته "عهد" جعلها مثلًا أعلى يتوجب أن يتخذه القادة العرب، الذي يقتصر دورهم على بيانات شجب وإدانة منذ سنوات عديدة كما يرى محللون، وربما تواجه ردود الفعل هذه جملة انتقادات وتقليل من شأنها، لخصها يومًا الشاعر العراقي أحمد مطر حين قال: "لا البيانات ستبني بيننا جسرًا،، ولا فتل الإدانات سيجديكم فتيلًا... نحن لا نشري صراخًا بالصواريخ،، ولا نبتاع بالسيف صليلًا".
 
يقول الكاتب التونسي محمد حسام الدين: "ما علمنا لإسرائيل شعرة تهتز من بيانات وتنديدات العرب بل والعالم قاطبة، وما ترامب بالرجل الذي يأبه لأمر العرب ويتأثر ببياناتهم المستضعفة، منذ مدّة قصيرة رأيناه يرقص مع أمراء السعوديّة، في قلب جزيرة العرب، بل في بلاد الحرمين، وهو مملوء بالغبطة، واستمتعنا بالنظر إلى ابنته الحسناء إيفانكا التي لم تكلف نفسها النفاق وارتداء حجاب فلله درّها من فتاة أشجع من ألف رجل من الأعراب".
 
ويرى: "ربما السبب وراء طمأنينة الولايات المتحدة وحبيبتها إسرائيل هو أنّ العرب ذاتهم لم يعودوا يأبهون لشأن فلسطين، ولا لشأن القدس".
 
يدعم ذلك ما ورد في مقطع فيديو، تم تداوله على نطاق واسع بصفحات التواصل الاجتماعي، لمفكر إسرائيلي، أجاب على سؤال "ألا تخشون رد فعل الشارع العربي"، فجاء رد مباشرًا: "إسرائيل لا تخشى العرب وليست بحاجة إلى سلام مع العرب لأن العرب لا ينعمون بالسلام في أرضهم أصلًا وفاقد الشيء لا يعطيه".
 
وقال المحلل الإسرائيلي أيضًا: "العرب فاشلون ولو أن إسرائيل فتحت حدودها للعرب لجاؤوا إليها ليقيموا فيها وينعموا بالرخاء الاقتصادي في ربوعها".
 
تفسر هذه "النبرة المتعالية" ما آلت إليه أوضاع العرب، وربما تكون رسالة أخرى بضرورة "الاستفاقة" منعًا لخطر قادم يُزيد من الطين "بلة"، حفاظًا على آخر أمل لدولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان