رئيس التحرير: عادل صبري 12:18 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

محي الدين عميمور يتحدث عن هوية الجزائر وضعف المعارضة وسيطرة السلطة على البرلمان

محي الدين عميمور يتحدث عن هوية الجزائر  وضعف المعارضة وسيطرة السلطة على البرلمان

العرب والعالم

الدكتور محي الدين عميمور

في الجزء الأول من حواره مع مصر العربية..

محي الدين عميمور يتحدث عن هوية الجزائر وضعف المعارضة وسيطرة السلطة على البرلمان

الجزائر- أميمة أحمد 26 ديسمبر 2017 16:25

قضايا جزائرية عديدة لا زالت تشغل بال الكثيرين في العالم العربي، كالصراع الثقافي بين المعربين والمفرنسين، والديموقراطية الوليدة وغيرها.. كل هذا وغيره تحدث عنه في حوار لمصر العربية المجاهد الدكتور محي الدين عميمور المستشار السابق برئاسة الجمهورية (1971-1984) لثلاثة رؤساء هواري بومدين، رابح بيطاط، الشاذلي بن جديد، وتقلد 2000 -2001 وزيرا للإعلام والثقافة، ثم سيناتور في مجلس الأمة ( الغرفة الثانية في البرلمان وسفير سابق للجزائر لدى باكستان..


 

في الجزء الأول من حواره مع "مصر العربية" اختصر المؤرخ السياسي الجزائري حديثه عن هوية الجزائر، وسيطرة أحزاب الموالاة على الحكم في الجزائر، ودور المعارضة في المشهد السياسي.


 

وإلى نص الحوار..

 

في الجزائر صراع لغوي عربي – فرنسي، أفرز صراعا على هوية الجزائر وانتمائها الإقليمي رغم أن الدستور حدد مكونات الهوية بالإسلام والعروبة والأمازيغية.. ماتفسيركم لهذا الصراع؟

 

في البداية لم يكن هناك أي صراع، فقد كان تكامل كبير بين المثقفين بالعربية والمثقفين بالفرنسية على قلة عددهم خلال مرحلة الثورة، ولكن هناك فعلا اليوم مشكلة لغوية في الجزائر يتحمل جيلنا مسؤولية كبيرة في حدوثها.

 

فلقد تركت فرنسا الجزائر في وضعية أمية تقترب من 90 في المائة، وبعد استرجاع الاستقلال بدأ العمل في زيادة حجم التعليم ونشر اللغة العربية، ونظرا لوجود عدد من المناضلين المثقفين بالفرنسية رأت القيادة أن تعطىَ لهم الفرصة للتمكن من اللغة العربية، ومن هنا لم يفرض التعريب الشامل بالطريقة الفيتنامية..

 

والواقع أنه لم يكن هناك عداء للغة المستعمر، بل تمت المحافظة عليها ورعايتها لتكون الجزائر صلة وصل بين الثقافة الفرنسية والثقافة العربية، لكن ما كان وضعا مؤقتا أصبح واقعا دائما، ونظرا لتمكن أبناء التكوين الفرنسي من وضعية متميزة في الإدارة ومجالات التنمية انطلقت عملية حصار للمعربين، لم تكن مقصودة في البداية، فالذي حدث هو أن المسؤول الذي تكوّن بالفرنسية اختار مساعدين له من نفس التكوين، الذين اختاروا مساعدين بنفس الأسلوب، لكن الأخيرين، وكثير منهم لم تكن له مساهمة مباشرة في النضال من أجل الاستقلال، بدءوا يمارسون عملية إقصاء للمعربين، الذين بدأوا يحسون بالغربة في وطنهم..

 

وتحولت القضية إلى عداء حقيقي للغة العربية، كان وراءها نشاط فرنسي متزايد، لجأ إلى تكثيف الجهود في المراكز الثقافية، وتشجيع مطالب بعض اللهجات المحلية في مناطق معينة، وليس حيثما توجد لهجات محلية، ومنح التأشبرات وإعطاء المنح الدراسية بصفة انتقائية، وهو ما اعترف به مؤخرا سفير فرنسي.


ولم تعد القضية اهتمامات لُغوية بل أصبحت قنابل موقوتة تثير موضوع الهُويّة التي لم تكن أبدا من أدبيات الحركة الوطنية، التي اعتمدت الانتماء العربي الإسلامي، وكان وراءها المناضل مصالي الحاج والشيخ عبد الحميد بن باديس ومن معهما من رجال الحركة والتعليم ومعظم قيادات الثورة.

 

إذن.. هل تحول الأمر إلى عداء سياسي؟

 

تحوّل الأمر من تناقض لُغويّ بين المُعرّبين والمُفرنسين إلى عداء سياسيّ متزايد بين خصوم اللغة العربية وأنصارها، زاد من خطورته الإحباط الذي يعيشه الوطن العربي بعد انكسار 1967، وإجهاض الانتصار العربي في 1973، وانحراف المسيرة العربية إثر زيارة القدس المشهورة في 1977، وما تلاها من غزو صهيوني لبيروت ثم من مشاريع عربية للتسوية تميزت بالتنازلات المتوالية، وهذا كله أثر على عزيمة العروبيين وأعطى الجناح الآخر الفرصة للتنمر ولممارسة عملية ابتزاز متواصل ومتزايد، دفع السلطة إلى تجاوز المنطق الديموقراطي بالسكوت على تجاوزات عديدة لإنجاح المشاريع التنموية وتفادي الخلل الإداري والوظيفي.

 

وهكذا، وبدلا من ترسيخ التكامل بين العمق التاريخي الأمازيغي والانتماء الثقافي العربي الإسلامي والبعد الحضاري المتوسطي والعمق الجغرافي الإفريقي أصبحت القضية صراعا لغويا بخلفية سياسية، تأثرت بالوضعية القلقة التي عرفها المجتمع بعد اضطرابات أكتوبر 1988، وتداعياتها التي وصلت بنا إلى عشرية دموية ما زلنا نعاني من آثارها حتى اليوم.. 

 

وأدى ذلك كله إلى خلخلة مشروع المجتمع الذي كانت قاعدته بناء دولة لا تزول رغم الأحداث وزوال الرجال، خصوصا مع بروز طبقة رأسمالية طفيلية كان قد حذر منها الرئيس الراحل هواري بو مدين، ثم باللجوء إلى دسترة الأمازيغية عبر التصويت البرلماني بدلا من طرح القضية للاستفتاء الشعبي وذلك دائما لضمان السلم الاجتماعية، حيث كان المتوقع أن تكون نسبة الرفض للدسترة عالية في حالة الاستشارة الجماهيرية.

 

المعارضة دائما تشكك بقدرة البرلمان على اتخاذ القرار.. هل حقا السلطة التشريعية تحت وصاية السلطة التنفيذية؟

 

يقولون هنا إن التفاف الجماهير حول السلطة يرجع أساسا إلى عجز المعارضة عن انتزاع المصداقية الحقيقية التي تعطيها الحق في أن تكون الجناح الثاني للسلطة، ولم يكن من المنطق أن تصدق الجماهير مطالبة المعارضة السلطة بتحقيق التداول في حين أن زعامات معارضة تتمسك بمواقع القيادة لأكثر من ربع قرن، ولم يكن للكثير من قيادة المعارضين ما يثبت اهتمامهم وبالديموقراطية، فكلهن كانوا ينتظرون الانتخابات الرئاسية ولا يحاولون، كما يحدث في الغرب، التقدم للانتخابات المحلية..

 

هل تفتقد الجزائر العقول السياسية المخضرمة؟

 

أزعم أن الجزائر، وبرغم أنها تضم سياسيين متميزين، تفتقد بوجه عام وجود طبقة سياسية تقنع الجماهير ببرامجها التنموية وبأهدافها الوطنية، وخصوصا في المجال الثقافي، وكان من بدايات ذلك على ما أعتقد التصفيات التي عرفها حزب جبهة التحرير الوطني في العهدة الأولى للرئيس الشاذلي بن جديد، أي في الثمانينيات، وتم بها استبعاد شخصيات سياسية كانت تمثل الرأي الآخر، أو الآراء الأخرى.. 

 

وهكذا أجهضت عملية بروز أحزاب متعددة من رحم الحزب الواحد وعلى ضوء الميثاق الوطني الذي صادق عليه الشعب بعد مناقشته في السبعينيات، أي مرتبطة بالتوجهات التي زرعتها الحركة الوطنية وأبرزتها الثورة التحريرية، وكانت النتيجة ديموقراطية مفتعلة لم يكن من نتائجها تحقيق التعددية بل عرفنا وضعية طابعها العددية، وهكذا فقد التغيير الديموقراطي مضمونه الحقيقي.

 

وشيئا فشيئا تناقص اهتمام الشارع بكل الانتخابات، تشريعية كانت أم محلية، وهو ما نتج عنه ضعف المجالس المنتخبة، وعدم مقدرتها على ممارسة الدور المنوط بها في مجال مراقبة المؤسسات التنفيذية بشكل فعّال.

 

في تصريح لك، اعتبرت أن حرية الإعلام تبدأ عندما يتحرر الإشهار والمطابع" وهما لازالا بيد الدولة.. كوزير إعلام هل وجدت صعوبة في تحرير الإعلام؟

 

أنا لم أكن وزيرا للإعلام، بل كنت مجرد وزير للاتصال. لكي أوضح الأمر أقول إن الإعلام هو عملٌ خلاّق يهدف إلى صياغة الرأي العام الوطني، وحمايته من محاولات التسميم الفكري الخارجية، وتوجيهه نحو تحقيق الأهداف الوطنية التي تستجيب لطموحات الشعب وتدافع عن مبادئه وعن القضايا العادلة التي يؤمن بها، جهويا وعالميا.

 

أما الاتصال فهو مهمة ميكانيكية ليس فيها جهد خلاق أو مقدرة على اتخاذ المبادرات، فأنا أعطي إلى الأسفل ما يُعطى لي من أعلى، وإذا لم أتلقّ شيئا بقيت مكتوف اليدين في انتظار التعليمات.

 

ولا أخفي عليك أنني بذلت كل جهد ممكن، وفي إطار العفّة والانضباط الوظيفي، لأفرّ من موقع كنت عاجزا فيه عن تحقيق ما أراه، مقارنة بما كنت أتمتع به من حرية في العمل خلال عملي الرئاسي لمدة نحو 13 سنة، مع الرؤساء الهواري بو مدين ورابح بيطاط والشاذلي بن جديد.

 

وبالطبع فإن من يموّل أي مؤسسة إعلامية يكون له الرأي الأول في تحديد خطها السياسي ومجال حركتها الاجتماعي، خصوصا في غياب الرقابة الديموقراطية الفعالة التي يقوم بها جهاز تشريعي كفء، وأستطيع أن أؤكد لكِ أن الدولة، كمموّل، قد تكون أحيانا أكثر رأفة بالصحفيين من القطاع الخاص.. 

ومن هنا كنت أريد استلهام تجربة البي بي سي بالنسبة للإذاعة وللتلفزة، وبدأت في إعداد قانون للإعلام يعطي للصحفيين حق المشاركة في إدارة المؤسسة الإعلامية العمومية، ويضمن إنشاء نقابة حرة للإعلاميين، ويحد من سلطة التمويل وتعسف الإشهار، ويمنع أي تمويل خارجي بالنسبة للصحافة الخاصة، ويفرض أن يكون المالك والإعلامي مقيما في الجزائر، لكن كلّ هذا ووجه بعداء شديد شارك فيه بعض الإعلاميين المستفيدين من رعاية خاصة.

عميمور مع الرئيس بوتفليقة

 

أنتم كعضو في مؤسسة الفكر العربي، تخلفتم عدة مرات عن حضور لقاءات للمؤسسة بمراكش 2014، و فُسّر على أنه بسبب العلاقات الملبدة بين الجزائر والمغرب.. ماحقيقة الأمر؟

 

كانت هذه فعلا هي الخلفية، فأنا أحترم المغرب كبلد عربي مُجاور، وأحب الشعب المغربي كشعب شقيق لي فيه صداقات كثيرة، وأدرك تماما الحدود التي يجب أن يلتزم بها كل زائر لبلد نرتبط معه بالكثير من الروابط.

 

وكنت تابعت عملية إجهاض الجانب المغربي لزيارة الأخ أحمد أو يحيى للمغرب بصفته رئيسا للحكومة الجزائرية منذ عدة سنوات، كما تابعت ما حدث من تشويش خلال مشاركة الأخ عبد العزيز بلخادم في ذكرى لقاء طنجة، والذي كان اختياره لزيارة المغرب من قبل الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، بدلا من اختيار مستوىً أقل أهمية، كان محاولة جزائرية مخلصة للتذكير بمرحلة وحدة صفف المغرب العربي، والتذكير بما حققته تلك الوحدة من نتائج إيجابية، لكن الرسالة في الحالتين لم تلتقط جيدا من قبل الأشقاء، وافتُعِلَتْ تصرفات غير لائقة تضمنت هتافات كانت عدائية..
 

ولهذا اعتذرتُ عن عدم المشاركة في لقاءات المغرب، فأنا أرفض الإساءة للواجبات التي يجب أن يتمسك بها الضيف، كما أتفادى القيام بما يمكن أن يُخلّ بمتطلبات العلاقات بين المغرب من جهة ومؤسسة الفكر العربي ومؤسسة البابطين من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه لم أكن لأسكُتَ لو سمعتُ في اللقاءات خطبا أو تصريحات فيها ما يمكن أن أراه استفزازا لبلادي، وكنت سأتدخل بكل وسيلة ممكنة وأيا كانت النتائج، ولقد حدث فعلا ما كنت أتوقع حدوثه وما منعني من المشاركة، حيث ضمت الكلمة الرسمية للمغرب عبارات ما كان لها أن توجد في مناسبة ثقافية لا علاقة لها بالسياسة.

 

ومن هنا كان اعتذاري لسمو الأمير خالد وللشاعر عبد العزيز البابطين اعتذارا مكتوبا أوضحتُ فيه احترامي للجميع، وحرصي على ألا أكون سببا في أي شنآن بين المؤسستين والبلد المضيف.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان