رئيس التحرير: عادل صبري 01:28 صباحاً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

هل يجرؤ ترامب على معاقبة الدول الرافضة لقراره بشأن القدس؟

هل يجرؤ ترامب على معاقبة الدول الرافضة لقراره بشأن القدس؟

العرب والعالم

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

هل يجرؤ ترامب على معاقبة الدول الرافضة لقراره بشأن القدس؟

أحمد علاء 23 ديسمبر 2017 16:08

"القرار مقابل الدولار".. فتح الرئيس الأمريكي - رجل الأعمال السابق - دونالد ترامب المزاد على "ابتزاز جديد"، لا يتعلق هنا بأسهم في بورصة أو شركة في قطاع الأعمال، إنّما تعلق بإعطاء أو "سرقة" القدس المحتلة إلى الكيان الإسرائيلي المحتل.

 

بعدما عرقلت الولايات المتحدة بـ"الفيتو"، مشروع قرار مصريًّا ينص على إلغاء القرار الذي تضمّن نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة وإعلان المدينة المقدسة عاصمةً للاحتلال، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كاسحة على قرار أخر تقدمت به تركيا واليمن، فيما اعتبر "صفعة دبلوماسية على وجه أمريكا".

 

أمس الأول الخميس، صوّتت 128 دولة، بينها كل الدول العربية، في الجمعية العامة لصالح القرار الذي يحث الولايات المتحدة على سحب "قرار القدس" الذي أعلنته في وقت سابق من ديسمبر الجاري.

 

إزاء هذه التحركات الدبلوماسية في المنظمات الدولية، هدّد ترامب بقطع المساعدات المالية عن الدول التي تصوّت لصالح القرار الذي صاغته مصر وساندته كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي عدا واشنطن.

 

وقبل التصويت على القرار، قال ترامب، الأربعاء الماضي: حسنًا، نحن نراقب هذه الأصوات.. دعوهم يُصوِّتون ضدنا، سنوفِّر الكثير من الأموال.. الأمر لا يعنينا، لكن الأمر ليس الآن كما كان عليه في السابق حين كان يمكنهم التصويت ضدك ثم تدفع لهم مئات الملايين من الدولارات ولا أحد يعلم ماذا يفعلون".

 

كما حاولت نيكي هالي السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، أيضًا الضغط على دولٍ أخرى لعدم التصويت ضد واشنطن، مُتعهِّدةً بـ"تسجيل الأسماء".

 

وكرر ترامب تهديده في تغريدة على "تويتر" أمس الجمعة، قال فيها: "بعد صرف سبعة تريليونات دولار بغباء على الشرق الأوسط.. حان الوقت للبدء في بناء بلدنا".

 

لكن تهديدات ترامب الدولارية لم ترعب أغلب الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ قالت الأرقام إنّ القرار تمت الموافقة عليه بأغلبية 128 صوتًا لصالح القرار، ما يعادل 66.3% من إجمالي الأصوات، بينما غابت عن جلسة التصويت 21 دولة، وامتنعت 35 دولة عن التصويت، وعارضت القرار 9 دول من إجمالي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الـ193، بينها أمريكا وإسرائيل.

 

كانت 3 بلدان من الـ9 التي صوَّتت ضد مشروع القرار والقاضي برفض قرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، مستعمراتٍ أمريكية سابقة ولا تزال محكومة جزئيًّا باتفاقاتٍ مشتركة مع الولايات المتحدة، وصوتت كل من جواتيمالا، وهندوراس، وبالاو، وجزر مارشال، وميكرونيزيا، وناورو، وتوجو، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، وإسرائيل لصالح خطوة ترامب.

 

إذًا، نالت الولايات المتحدة صفعة دبلوماسية، يُقال إنّها "عزلتها دوليًّا" عن حل القضية الفلسطينية، والآن بات الحديث ينصّب على المرحلة التالية، سواء فيما يتعلق بما عرفت شعبيًّا بأنّها "قضية العرب الأولى"، أو ما ستفعله الإدارة الأمريكية، وتحديدًا "هل ستنفذ التهديدات؟".

 

يرى نيك بيسلي أستاذ العلاقات الخارجية بجامعة "لاتروب" الأسترالية، أنّ النبرة التي استخدمها ترامب وهالي كانت صريحةً وغير مُعقَّدة، ودالة على افتقار الإدارة الأمريكية إلى رؤية أوسع للشؤون العالمية ودور الولايات المتحدة فيها.

 

وأوضح: "إنهم ينظرون إلى كل شيءٍ في مداه التفاعلي القريب، بينما لا يرون كيف ستكون لذلك تداعياتٌ سلبية على التأثير العالمي.. هناك افتقارٌ حقيقي للتفكير في الصورةِ الكبيرة ولإدراك العالم الكبير المتشابك".

 

عربيًّا، تعتبر مصر والأردن، من بين أبرز متلقي المساعدات الأميركية، وهما أيضًا من أبرز المشاركين في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وهما لم يؤخذا تهديدات ترامب على محمل الجد بما يكفي للتراجع عن المعارضة القوية للخطوة الأمريكية.

 

ومن أجل تعاونه في الدفاع ومجالات أخرى يتلقى الأردن نحو 1.2 مليار دولار سنوياً من واشنطن.

 

وزير أردني طلب عدم ذكر اسمه قال حسب "هاف بوست عربي": "الأمريكيون يعرفون أكثر من أي أحد أن استقرار الأردن حيوي للمصالح الأمريكية في المنطقة".

 

وأضاف: "لا نتوقع أن تمس الإدارة الأمريكية المساعدات لكن إن فعلت فلن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة مشكلات الأردن الاقتصادية".

 

وفي السياق، قال رئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري إنّ دور بلاده كحليف في منطقة ملتهبة، حيث أدّت الاضطرابات إلى تدبير وشن هجمات على الأراضي الأمريكية، سيحافظ على الأرجح على المساعدات.

 

وأضاف: "ترامب لا يساعدنا لوجه الله ونحن نؤدي أمورًا إقليمية لدعم الاستقرار والتي لم نتراجع عنها"، ورأى أنّ قرار الأمم المتحدة كان سيحصل على المزيد من الأصوات المؤيدة لولا تهديد ترامب.

 

أمّا مصر، فهي تتصدر الجهود إقليمية لرفض قرار ترامب باعتبار أن له أثرًا سلبيًّا على الأمن في المنطقة، وكانت القاهرة وسيطًا أساسيًّا في اتفاقات السلام السابقة.

 

وقال إتش إيه هيلر الخبير بالشؤون المصرية لدى المجلس الأطلسي إنّ "مصر تشعر باطمئنان على الأرجح بشأن المساعدات العسكرية الأمريكية التي تحصل عليها والبالغة 1.3 مليار دولار برغم تهديدات ترامب".

 

وأضاف: "لا أعتقد أن مصر ستشعر بالقلق.. بالتأكيد لن تكون الدائرة المقربة من ترامب راضية، لكنني أشك في أن يصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك".

 

بنظرة رقمية، فيمكن الحديث عن مساعدات هائلة تقدمها الولايات المتحدة إلى أغلب دول العالم، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط.

 

تقول الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إنّ إسرائيل تلقَّت من الولايات المتحدة تمويلًا عسكريًّا يبلغ قدره 3.1 مليار دولار في 2016، أمّا أفغانستان والعراق، حيث انخرطت الولايات المتحدة عسكريًّا في كلتيهما في 2001 و2003 على التوالي، فهما الدولتان الوحيدتان اللتان تلقتا أموالاً أكثر من وزارة الدفاع "البنتاجون".

 

مصر تُعد رابع أكبر دولة في تلقي التمويل العسكري الأمريكي، حيث تلقَّت 1.1 مليار دولار من برنامج التمويل العسكري الخارجي التابع لـ"البنتاجون"، بينما القاهرة هي التي قادت دفعة الأمم المتحدة لإدانة قرار ترامب المُتعلِّق بالقدس.

 

وشكّل التمويل الأمريكي بين 20 و25% من إجمالي الميزانية العسكرية المصرية في السنواتِ الأخيرة، وفقًا لإحصاءاتٍ أعدَّها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وما من دولة أخرى تمنح القاهرة قدرًا من المساعدات العسكرية يمكن مقارنته بما تمنحه الولايات المتحدة لها، فيما تم تعليق بعض هذه المساعدات على خلفية مخاوف تتعلَّق بحقوق الإنسان، وهناك خططٌ أُفيدَ بها لمواصلة هذه المساعدات في العام المقبل، لكن ترامب بإمكانه عَكس هذه الخطط، وفي المقابل ربما يُستبعد التصعيد الأمريكي ضد مصر بسبب مصالحها في منطقة الشرق الأوسط.

 

وأغلب الدول التي تتلقَّى مساعدات عسكرية كبيرة من الولايات المتحدة تفعل ذلك لأنها دولٌ محوريةٌ بالنسبة للمصالح الأمنية الأمريكية مثل العراق أو أوكرانيا أو باكستان، لكنّ على الناحيةِ الأخرى، تُعد المساعدات التنموية خارج البلاد، مثل تلك التي تُقدِّمها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية هدفًا أكثر ترجيحًا لأنّ يُخفض الإنفاق فيه، رغم أن التخفيضات سيكون لها أثرٌ على الشركات الأمريكية والمواطنين الأمريكيين الذي يعتمدون على المشروعات التي تُموِّلها البرامج المانحة.

 

وتعتبر دول إثيوبيا وجنوب السودان وكينيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن الدول العشر الأكبر في تلقي أموال الوكالة الدولية للتنمية الأمريكية.

 

ولطالما كان ترامب متشككًا تجاه المساعدات الخارجية، مُدَّعيًّا بأنّ الولايات المتحدة يجري استغلالها في ذلك، ومنذ توليه السلطة، تعهَّد بخفض المساعدات الأمريكية إلى الخارج، التي حين قدرت بـ43 مليار دولار في السابق كانت تُشكِّل فقط 1 إلى 2% من الميزانية الفيدرالية، أو ما يقرب من 10% مما أنفق على برنامج مقاتلات الغارة المشتركة إف 35.

 

إذًا، من الصعب تقدير إلى أي مدى من الجدية يمكن أخذ تهديدات "هالي وترامب"، لكنّ الثابت قد يكون هو تصعيد اللهجة الأمريكية جرّاء الصفعة الدبلوماسية التي تعرضت لها، ولكن ليس ذلك بالضرورة أن يكون متبوعًا بإجراءات حاسمة تتعلق بما قطعه ترامب وسفيرته على نفسه (الدولارات)، غير أنّ هناك من يرد بأنّ الرئيس الأمريكي لا يمكن توقع تصرفاته، وبالتالي بقطع المساعدات احتمالٌ لا يجب استبعاده.

 

لكن، هل يمكن لأحد أن يتخيل أن الولايات المتحدة تقدم كل هذه المساعدات لدول مختلفة بدون مقابل؟، بالقطع ستكون الإجابة "لا"، إذ أنّ هذه المساعدات ليست منحة خير أو عطاء بلا مقابل، فكل دولار تدفعه الولايات المتحدة يرتبط الأمر بمصالح تجنيها من وراء ذلك.

 

دفع هذا السبب، كثيرًا من المحللين إلى اعتبار أنّ الولايات المتحدة لا تجرؤ عن وقف المساعدات وبالتالي المساس بمصالحها هناك، سواء في منطقة الشرق الأوسط، حيث أكثر بؤر العالم التهابًا، أو أوروبا حيث تحتاج واشنطن إلى حلقة مصالح هناك، إزاء "المد الروسي".

 

وإتساقًا مع ذلك، قال دبلوماسي غربي كبير، تحدَّثَ دون الكشف عن هويته للحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة، لوكالة "سي إن إن" الإخبارية: "لا يهم مدى قربنا من الولايات المتحدة، فنحن حريصون على الحفاظ على تمسُّكنا الطويل بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بخصوص وضع القدس".

 

وأضاف: "بالنسبة للكثير من الأعضاء بمجلس الأمن، بالأخص الدول الغربية، فإنّ أصواتهم تعكس المواقف التي تمسَّكوا بها على مدارِ 50 عاماً في ما يتعلَّق بحلِّ الدولتين ووضع القدس عبر المفاوضات.. من المفترض لهم الآن أن يتخلوا عن سياسةٍ استمرت 50 عاماً، لأجل ماذا؟".

 

ورأى أنّ أي ضغط أمريكي كبير في هذه القضية قد يعزل واشنطن حين تحتاج دعم الأمم المتحدة في ملفاتٍ مثل قضية كوريا الجنوبية أو إيران.

 

وفي الشرق الأوسط، ربما لا تجرؤ واشنطن على خسارة حلفائها بالمنطقة لا سيّما السعودية، وذلك بعدما جمعت هذه الأطراف في سلة واحدة من أجل مواجهة إيران، التي تمثل "عدوًا" مشتركًا، يطل برأسه في أغلب أزمات المنطقة، وتحديدًا في سوريا والعراق واليمن ولبنان.

 

أمّا إفريقيًّا، فرغم الفقر الشديد الذي يعيشه الملايين من أبناء القارة السمراء، وهم دائمو الحاجة إلى المساعدات الأمريكية، فتجد واشنطن نفسها مجبرة على ذلك، وهذا يرجع في الأساس إلى الخوف من "التنين الصيني".

 

المثير فيما يتعلق بالقارة السمراء، أنّ دولًا كثيرة تتلقى دعمًا ماليًّا من مصادر أخرى ولا تقتصر على الولايات المتحدة، فتقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تتعقب إنفاق المساعدات الدولية، إنّ إثيوبيا مثلًا تلقت 700 مليون دولار من الولايات المتحدة بين عامي 2014 و2015، مقارنةً بـ800 مليون دولار من البنك الدولي في نفس الفترة، فضلاً عن 526 مليون من المملكة المتحدة، و224 مليون من صندوق الاتحاد الأوروبي.

 

الأمر نفسه ينطبق على دول أخرى، وإن اختلفت قيمة الدعم، والحديث هنا عن كينيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي تتلقى سويًّا مبالغ كبيرة من مصادر أخرى، لا سيّما البنك الدولي والمملكة المتحدة.

 

وهذا لا يمنع أن بعض الدول تتلقى دعمًا من الولايات المتحدة أكثر من الأطراف المانحة الكبرى الأخرى، والحديث هنا مثلًا ينطبق على جنوب السودان.

 

ويمكن القول إنّ أي تراجع أمريكي عن إفريقيا سيكون بمثابة هدية كبيرة للصين، التي تعمق بصمتها وتأثيرها بصورة كبيرة في القارة السمراء.

 

ووفقًا لما ذكرته وحدة "AidData" لمراقبة المساعدات، فإنّ الصين تستعد بالفعل لأن تحل محل واشنطن كمانحٍ أوَّلي لكثيرٍ من دول العالم النامي، بالكثير من الإنفاق المُوجَّه إلى دولٍ إفريقية.

 

يقول نيك بيسلي أستاذ العلاقات الخارجية بجامعة "لاتروب" الأسترالية إن أي خطوةٍ من جانبِ الولايات المتحدة لخفض المساعدات الخارجية ستنظر الصين إليها باعتبارها فرصة عظيمة.

 

وأضاف: "إنْ نفذت واشنطن هذا التهديد فإن الدول التي ستُحجَب عنها الأموال ستتجه نحو بكين"، إذ ينخرط قادة الصين بشكلٍ كبيرٍ "في السوق لكسب أصدقاء ونفوذ".

 

المحلل بشبكة CNN لشؤون مكافحة الإرهاب فيليب ماد عبّر عن استغرابه من تصريحات ترامب وتهديده بقطع المساعدات، متسائلًا: "هل يمزح؟".

 

وقال: "لماذا نحن نعطي الدول أموالًا؟ هل لأنهم يصوتون لصالحنا في الأمم المتحدة؟ إذا كان هناك طفل يموت لأنّه لا يملك طعامًا أو بمرض أو أن هناك منطقة مقسمة بسبب حرب أهلية وأنّ الشعب الأمريكي يرسل أموالًا لمساعدة أم على تربية طفلها، فهل نعتبر أنّه ولأن تلك الدولة لم تصوت معنا في الأمم المتحدة فإننا لن نرسل تلك الأموال لتلك الأم؟".

 

وأضاف: "أعتقد أنّ الرئيس يتحدث بعاطفة وليس بأفكار، عندما أرسل الصواريخ إلى سوريا، إحدى تعليقاته كانت لأن الأطفال يموتون، وأنا أقول أنّ أطفالا سيموتون إذا لم ترسل الولايات المتحدة أموالًا إلى جانب الأوروبيين واليابانيين وغيرهم لدول أخرى مقسمة بسبب أمور مثل الحروب الأهلية أو الأمراض أو الفقر، هل نمتنع نحن؟ لا أعتقد أن ذلك سيحدث". 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان