رئيس التحرير: عادل صبري 02:41 صباحاً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

بعد «معركة دبلوماسية».. هل أصبحت مصر صفقة ترامب الخاسرة؟

بعد «معركة دبلوماسية».. هل أصبحت مصر صفقة ترامب الخاسرة؟

العرب والعالم

السيسي وترامب

بعد «معركة دبلوماسية».. هل أصبحت مصر صفقة ترامب الخاسرة؟

أحمد علاء 19 ديسمبر 2017 21:10
"أخيرًا انكشف السر الذي يعرفه الجميع".. الكون كله كان يدرك أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتخذ قرارًا بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس وإعلان المدينة المقدسة عاصمةً للكيان المحتل.
 
وما كان متوقعًا أنّ تثور شعوب عربية ضد "القرار الترامبي"، الذي يعيد سياسةً يعطي من خلالها رئيسٌ لا يملك لمن لا يستحق، لكنّ الأنظار توجّهت أكثر إلى القادة العرب والمسلمين، نحو أي قرار يتخذونه حفاظًا على القدس عربيةً وإسلاميةً.
 
من بين التحركات العربية، تقدمت مصر بمشروع قرار في مجلس الأمن، يقضي بوقف قرار ترامب بشأن القدس، وافقت عليه 14 دولة لكن حق النقض "الفيتو" الذي مارسته الولايات المتحدة عرقل المشروع لأن يصبح قانونًا.
 

مصر اختارت.. ترامب vs  كلينتون

 
وهنا تساءل كثيرون عن مستقبل العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، فمنذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، اتضح أنّ مصر كانت تفضّل ترامب على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
 
بدى لكثيرين أنّ علاقة تقارب كبير تسود بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره دونالد ترامب، فالرئيس الأمريكي كان قد وصف نظيره المصري بـ"الصديق"، فيما ردّ عليه السيسي بوصفه (ترامب) بأنّه "شخصية فريدة قادرة على فعل المستحيل".
 
وفي مايو الماضي، أبدى ترامب خلال لقائه بالسيسي في العاصمة السعودية الرياض، إعجابه بحذاء السيسي، حيث قال ترامب له: "يعجبني حذاؤك.. مثل هذا الحذاء".
 
المحررة السياسية في وكالة "بلومبرج" الأمريكية جينيفر جاكوب قالت إنّ الرئيس الأمريكي ترامب أعجب بحذاء نظيره المصري، ونشرت الصحفية تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي قالت فيها إن ترامب قال للسيسي "أحب حذاءك"، كما نشرت وكالة الأنباء الفرنسية النص ذاته قائلةً إنّ الرئيس الأمريكي أعجب بحذاء الرئيس المصري.
 
يفسّر ذلك حالة التقارب الشديدة بين الرئيسين، لكنّ الحديث عن المستقبل في هذه العلاقة يفرض العديد من التساؤلات، لا سيّما بعد مشروع القرار المصري الذي يناهض قرار ترامب بشأن القدس.
 
تُثار هذه التساؤلات في توقيت هام، إذ أنّ نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس سيزور مصر غدًا الأربعاء، وهي جولة بدت منبوذة من عدة جهات، يترأسها الأزهر الشريف إذ رفض شيخه الدكتور أحمد الطيب الاجتماع مع بينس، الأمر نفسه الذي قرره البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وهو ما يعطي مؤشرًا ودلالة قوية على أنّ مستقبل العلاقة بين البلدين ربما لن يكون كما قبل "قرار السفارة".
 

 ورقة خاسرة

 
اتساقًا مع هذا الطرح، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالًا يدعو الحكومة الأمريكية لإعادة النظر في الشراكة الاستراتيجية مع مصر، التي تغنى بها عدد لا يحصى من المسؤولين الأمريكيين عند زيارتها سابقًا، ورأى أنّ زيارة بينس لمصر غدًا فرصةً لتغيير الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع مصر التي لم تكن "حليفة جيدة"، حسب وصفه.
 
نصح كاتبا المقال آندرو ميلر الذي عمل محللًا للوضع المصري في وزارة الخارجية الأمريكية، وتولى سابقًا مدير الملف المصري في مجلس الأمن القومي للولايات المتحدة، وريتشارد سوكلسكي الباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، "نائب ترامب" بألا يتبع خطوات من سبقوه في الإشادة بهذه الشراكة الاستراتيجية أثناء زيارته، وألا يشجعها وهو يعلم أنها غير صحيحة.
 
يذكر المقال: "المصالح الأمريكية والمصرية تتباعد بشكل متزايد، والأهداف المشتركة أصبحت أقل، كما يجدر بنائب الرئيس الأمريكي أن يوضح للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن على الدولتين أن يعيدا ترتيب الأوراق، ويبدأ ذلك بتخفيض المعونة العسكرية الأمريكية بشكل كبير، وبخلاف توفير أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، ستكون هذه الخطوة رسالة مهمة للدول الأخرى التي تتلقى دعمًا من الولايات المتحدة بأن هذا الدعم ليس دعمًا مطلقًا، كما أنها ستساهم في تعطيل أحد الترتيبات التي خربت العلاقات المصرية الأمريكية".
 
لا يمكن الحديث عن علاقة مصر والولايات المتحدة دون ذكر "روسيا"، وهنا أشار المقال للاتفاق المبدئي الأخير بين القاهرة وموسكو، الذي يمكّن كل دولة من أن تستخدم القواعد الجوية للدولة الأخرى.
 
ويذكر المقال: "الاتفاق أزال أي شك حول تراجع الشراكة الاستراتيجية مع مصر، ويعد مثالًا واضحًا على التصرفات العدائية من دولة تزعم أنّها صديقة.. هذا الاتفاق لم يكن الوحيد، فقد سبق وقدمت مصر الدعم للمشير خليفة حفتر في ليبيا، وهو قائد الجيش الوطني الليبي الذي يصطدم بالقوات التي تدين بالولاء للحكومة المعترف بها دوليًا ومن قبل الولايات المتحدة".
 
وفي مجلس الأمن نفسه، تبنت مصر وروسيا مواقف مشتركة تعارض مواقف الولايات المتحدة حول قضايا تخص سوريا وفلسطين وإسرائيل، كما كشفت تقارير نشرت خلال هذا العام عن التعاون العسكري والاقتصادي بين مصر وكوريا الشمالية.
 
المقال وضع سببًا آخرًا أيضًا لعدم الارتكان للتحالف استراتيجيًّا بين البلدين، وهو ما أسماه "التأكل الداخلي"، وهنا زعم أنّ "عدم الاستقرار الداخلي في مصر قد أزاح عن قيادة قضايا المنطقة ولم يحافظ لها على مركز القيادة في المنطقة العربية كما اعتادت لسنوات عديدة".
 
يذكر أيضًا الكاتبان: "لم تبذل حكومة السيسي سوى القليل من الجهد على عكس المتوقع في الحملة ضد تنظيم الدولة في سوريا والعراق، وأصرّت القاهرة على تجاهل العروض الأمريكية بتدريب القوات المصرية على طرق وتكتيكات مكافحة الجماعات المسلحة التي كان من الممكن أن تساعدها على هزيمة المسلحين في سيناء، كما لم تعد رخصة استخدام المجال الجوي المصري مهمة للأمريكيين مثلما كانت، والامتيازات الأمريكية في قناة السويس مبالغ في تقديرها بشكل كبير، فعلى عكس ما يشاع، لا تحظى البحرية الأمريكية بامتياز أولوية العبور من قناة السويس، والذي يمكنها من العبور قبل السفن التي تسبقها في الصف".
 
ويواصلان بالقول: "كانت مصر داعمة حقيقية لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في وقت من الأوقات، حينما كان البلدان يحوزان مكاسب هامة تجمعهما سويًا، لكن ما أنفقته الولايات المتحدة خلال العقد الأخير على المساعدات الأمنية لمصر، والتي تزيد عن 13 مليار دولار، لم يثمر سوى عن وظائف جديدة في صناعة العتاد العسكري الذي لا يناسب احتياجات مصر الدفاعية".
 
يقترح المقال بعضًا مما يجب على الولايات المتحدة أن تنتهجه بشأن مصر، ويقول الكاتبان: "في ظل تصرفات مصر الضارة وتراجع أهميتها الاستراتيجية، يجب على واشنطن أن تنفق أموالها حيث توجد مصالحها، وأن تخفض المعونة العسكرية السنوية بمقدار 500 مليون دولار، إذ أنّ الجزء المقتطع من المعونة سيوفر أموالًا تحتاجها الولايات المتحدة بشدة، كما ستلقى هذه الخطوة ترحيبًا من الكونجرس، المستاء من الحكومة المصرية مؤخرًا".
 
إذا راجعت الولايات المتحدة سياساتها تجاه مصر، فإنّ الحديث قد يكون عن رد فعل مصري إزاء ذلك، وهو ما يستبعده المقال، ويذكر: "المخاطر قليلة، إذ لا يحتمل أن تغير مصر من سلوكها ردًا على تخفيض المعونة.. لن تلغي معاهدة السلام مع إسرائيل مثلًا، ولن توقف تعاونها مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، وستستمر بالطبع في محاربة الجهاديين الموجودين فيها".
 
وردًا على أنصار التقارب مع مصر الذين يقولون إن تخفيض المعونة قد يجعل القاهرة غير مقبلة على التدريب العسكري مع الجيش الأمريكي، يوضح المقال: "السنوات العديدة التي أغدقت فيها الولايات المتحدة على مصر بالمساعدات لم تبد كأنها قد ساهمت في جعل رغبة مصر أقوى في أن تنال تدريبًا عسكريًا في مجالات ضرورية، مثل مكافحة الجماعات المسلحة، بل على العكس ربما يساعد توضيح الولايات المتحدة للقاهرة أنّ المساعدات ليست فرضًا عليها في استعادة جزء من النفوذ، كي تحصل على بعض التنازلات منها، وفي حين أنّ الاضطرابات في مصر مصدر قلق مشروع، إلا أنّه من الوهم الاعتقاد بأن المعونة الأمريكية هي الفيصل بين الفوضى والاستقرار".
 
يوضح الكاتبان: "بدلًا من أن يقر ترامب بتضاؤل أهمية مصر، زاد من الرهان على العلاقة معها، ووعد أن يكون صديقًا وفيًا لمصر، وأمطر السيسي بالمديح، وصمَت البيت الأبيض تجاه انتهاكات حقوق الإنسان والتي تزيد من التطرف ومن خطر الإرهاب العالمي. وسيؤدي ارتباط الولايات المتحدة بحكومة السيسي وممارساتها القمعية إلى أن ينظر إليها الملايين من الشباب المصريين المهمشين على أنها عدو".
 
يختتم الكاتبان: "رغم تفاخر الرئيس الأمريكي بقدرته على التفاوض، إلا أنّ مصر تعد صفقة خاسرة للولايات المتحدة، وعلى نائب الرئيس الأمريكي بينس أن يستغل زيارته لمصر في فتح صفحة جديدة معها، يتناسب فيها التزام الولايات المتحدة تجاهها بما تحصل عليه في المقابل، وإن فعلت إدارة ترامب هذا، فستكون قد اتخذت خطوة صغيرة لكنها مهمة نحو استعادة مصداقية الولايات المتحدة وسمعتها الملوثتين في المنطقة".
 

نظرة دبلوماسية

 
بالعودة إلى مشروع القرار المصري بشأن القدس بمجلس الأمن، رأى الدبلوماسي السابق معصوم مرزوق مساعد وزير الخارجية الأسبق أنّ المشروع تمّ فيه التشاور مع جهات عدة، بما فيها الولايات المتحدة وإن كان بشكل غير مباشر.
 
وقال لـ"مصر العربية": "إذا تم إدراج اسم الولايات المتحدة كطرف في النزاع المعروض أمام المجلس بمشروع القانون لما جاز للوفد الأمريكي المشاركة في هذه الجلسة، لإنه وفقًا للمادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة، عندما يناقش موضوع ويكون أحد طرفي النزاع موجودًا في مجلس الأمن، فإنّ هذا الطرف لا تجوز له المشاركة أو التصويت".
 
قاد ذلك "مرزوق" إلى اعتبار أنّه لا تتضرر العلاقات الأمريكية المصرية بعد مشروع القرار، معيدًا الذكر أنّ هذا المشروع لم يتم عرضه على هذا النحو لم يتم إلا بعد تشاور مجهد وصعب للوفد المصري مع كل الوفود بمجلس الأمن بما فيها "الأمريكي".
 
إلا أنّه اعتبر أنّ مشروع القانون يمثل انتصارًا للدبلوماسية المصرية، وأوضح: "موضوع القدس ليس في حاجة إلى مزيد من القرارات لإثبات أحقية العرب والمسلمين، منها القرار 476 والقرار 478 الصادران في 1980، فضلًا عن سلسلة قرارات من منظمة مختلفة، وكان آخرها قرار العام الماضي الذي قدّمته مصر وسحبته بعد ذلك الخاص بالمستوطنات الذي تضمن عدم شرعية أي إجراء إسرائيلي في الأراضي المحتلة بما فيها القدس".
 
كل هذه القرارات - يذكر مرزوق - تؤكد أنّ الهدف لم يكون الحصول على قرار إضافي إلى القرارات الموجودة في سجلات المجتمع الدولي حول القضية الفلسطينية، وإنما الهدف هو عزل الموقف الأمريكي، حيث صوّت الـ14 عضوًا الآخرون لصالح القرار، وهو مكسب مهم للغاية، بينما مارست أمريكا حق الفيتو.
 
وهناك خطوة أخرى في هذا التصعيد الذي تقوده مصر، وهو نقل الملف إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يمكن استخدام آلية الاتحاد من أجل السلم، الذي كانت أمريكا قد استخدمته عام 1950 من أجل اتخاذ قرار ضد كوريا الشمالية بعد اعتراض الاتحاد السوفيتي عليه في مجلس الأمن، فطلبت الولايات المتحدة الاستفادة من حالة أنّه إذا تعذر للمجلس اتخاذ قرار في موضوع يتعلق بالفصل السادس فيجوز أن يُنقل إلى الجمعية العامة ويصدر قرار له، يحمل نفس قوة مجلس الأمن.
 
وأشار إلى أنّ الدبلوماسية العربية بقيادة مصر عليها إتباع هذه الخطوة، حتى وإن كان ذلك من باب الإحراج، ويوضح: "مصر هي التي تتصدى لهذا الحراك، وهناك دول أخرى متحمسة مثل دول الاتحاد الأوروبي التي ترى أنّ قرار ترامب يزيد العنف والتطرف، وأوروبا تدرك جيدًا أنّ إغلاق كل سبل الحل السياسي والدبلوماسي أمام القضية الفلسطينية فإنّ التطرف سيزداد حول العالم".
 
نجحت الدبلوماسية المصرية في عزل الموقف الأمريكي، لكن هذا لا يعني التغيير في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ويقول مرزوق: "العلاقات الحالية في الأساس تمر بفترة فتور، وهذا راجع إلى أنّ المؤسسات الأمريكية مثل البنتاجون والكونجرس ووزارة الخارجية لم تعد جميعها ترى مصر بنفس الأهمية السابقة".
 
وأضاف: "الأوضاع الداخلية للدولة تقوى بمزيد من الحريات والديمقراطية وإشراك الشعب في المسؤولية، وعكس ذلك يجعل الولايات المتحدة تدرك أنّها تتعامل مع شخص واحد بينما بقية الشعب مغيب أو مقموع وتم إسكاته، وهنا يصبح من السهل أن تصبح هذه الدولة غير خطرة عليها".
 
"السفير السابق" رأى أنّ أغلب الحكام العرب لا يستمدون الشرعية من شعوبهم لكن من خلال ما أسماه "التوافق الأمريكي الصهيوني" على استمرار وجودهم في السلطة".
 
 
 
 
 
 
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان