رئيس التحرير: عادل صبري 11:18 مساءً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

بعد قرار القدس.. هل يحق للأردن تعديل معاهدة السلام مع إسرائيل؟

بعد قرار القدس.. هل يحق للأردن تعديل معاهدة السلام مع إسرائيل؟

العرب والعالم

ملك الأردن

نظرتان قانونية وتاريخية..

بعد قرار القدس.. هل يحق للأردن تعديل معاهدة السلام مع إسرائيل؟

أحمد علاء 16 ديسمبر 2017 19:30

أثارت موافقة مجلس النواب الأردني على مقترح بتكليف اللجنة القانونية إعادة دراسة مجمل الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك اتفاقية "وادي عربة"، تساؤلات عن إمكانية ذلك، لا سيّما على الصعيد القانوني.

 

جاء ذلك بعد أيامٍ من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل عاصمة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة والاعتراف بالمدينة المقدسة، عاصمةً للاحتلال.

 

واتفاقية "وادي عربة" هي معاهدة سلام وقعت بين الاحتلال والأردن على الحدود الفاصلة بينهما والمارة بوادي عربة في 26 أكتوبر 1994، وطبّعت هذه المعاهدة العلاقات وتناولت النزاعات الحدودية بينهما.

 

وترتبط هذه المعاهدة مباشرة بالجهود المبذولة في عملية السلام بين الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبتوقيع هذه المعاهدة أصبحت الأردن ثاني دولة عربية بعد مصر وثالث جهة عربية بعد مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية تطبع علاقاتها مع الاحتلال، ونظرًا للظروف الصعبة التي كان يمر بها الأردن من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية كان عقد معاهدة السلام مع الاحتلال خيارًا استراتيجيًّا لضمان عدم خسارة مزيد من أراضي المملكة.

 

               تفسير قانوني

 

في حديثه لـ"مصر العربية"، أوضح الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي العام، الحالة القانونية لأي تعديل يمكن أن تلجأ إليه المملكة الأردنية، وقال: "القانون الدولي بشكل عام، واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية لعام 1969 بشكل خاص يسمحان للدول أطراف المعاهدات الدولية سواء الثنائية أو متعددة الأطراف إجراء تعديل أو تغيير أو إعادة النظر في العلاقة التعاهدية بين الدول الأطراف، لكنّ القانون الدولي ينظر نظرةً خاصة ومميزة لمعاهدات السلام واتفاقيات تعيين الحدود بين الدول".

 

وأضاف أنّ القانون يُطلق على هذا النوع من الاتفاقيات "المعاهدات ذات القدسية الخاصة"، وذلك نظرًا للارتباط الوثيق بين هذه المعاهدات وبين الحفاظ وصيانة السلام والأمن الدوليين.

 

وأشار إلى أنّ اتفاقية السلام الأردنية مع الاحتلال (وادي عربة) الموقعة بينهما عام 1994 تنص على عدد من الالتزامات على "الطرف الاحتلالي"، وتقر من جانب آخر بصلاحيات واختصاصات للسلطات الأردنية في الإشراف على المقدسات الدينية الإسلامية في مدينة القدس الشرقية تحديدًا.

 

وأوضح أنّه بالنظر إلى الانتهاكات الجسيمة من جانب الاحتلال في هذه الاتفاقية، سواء التدخل السافر وتعويق ممارسة الشعائر الدينية وحرية العقيدة للفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة، فضلًا عن الخروقات الجسيمة للاحتلال في الاتفاقية بخصوص ضم مدينة القدس الشرقية إلى المدينة الغربية واعتبار القدس الموحدة وفق الزعم الصهيوني العاصمة الأبدية للاحتلال، فيمكن للطرف الأردني في اتفاقية وادي عربة أن يقوم بتنبيه وتحذير الاحتلال بضرورة إجراء تعديلات على الاتفاقية بغرض إدخال تغييرات على أحكام بعينها، وهي المتعلقة بالخروقات التي يرتكبها.

 

وأشار إلى أنّ التعديل يكون بصياغة قانونية جديدة، حاسمة وجازمة، تمنع الاحتلال من الاستمرار في الانتهاكات والخروقات المشار إليها.

 

وتابع: "لكن في كل الأحوال وبالنظر إلى أنّ هذه اتفاقية سلام، وتعد من الاتفاقيات الأبدية غير المحددة بفترة زمنية محددة ولا يجوز نقضها من جانب واحد، ولكن لابد من إخطار الطرف الثاني في الاتفاقية بضرورة التعديل، وفي حال رفض الجانب الإسرائيلي المقترح الأردني بتعديل بعض أحكام الاتفاقية فيتم تسوية ذلك النزاع بالوسائل السلمية للتسوية المنصوص عليها في الاتفاقية ذاتها أو المنصوص عليها في المادة 33 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

 

ثورات على اتفاقيات.. التاريخ يحكي

 

الحديث المزعوم عن تعديل الاتفاقية وصولًا إلى إلغائها، وهو حديث يصعب توقعه في ظل التوترات القائمة في المنطقة، فإنّها ذلك يعيد إلى الأذهان معاهدات وُقّعت لتكون منبرًا للسلام، لكنّ أحد أطرافها شقّ الصف عنها.

 

               فرساي.. المنتصر يذل المهزوم

 

في "معاهدة فرساي" التي أنهت الحرب العالمية الأولى، فرض الحلفاء شروطًا فيها ما اعتبر "إهانة" لألمانيا تتمثل في انتزاع الألزاس واللورين ومصادرة الأسطول الألماني لصالح الحلفاء وتحميل ألمانيا وحدها ديون ونفقات الحرب الأولى وغير ذلك من الواجبات.

 

كل ذلك كان من الأسباب التي حملت أدولف هتلر فيما بعد على نقض هذه المعاهدة وشن الحرب العالمية الثانية التي ذاق منها العالم الأمريّن.

 

وبات يسلم المؤرخون الفرنسيون بخطأ فرض شريعة المنتصر على ألمانيا ويرون أنّه لوعامل الحلفاء ألمانيا معاملة الخصم الشريف عام 1919 بدلاً من معاملة المنهزم المهان لما تمكن هتلر من حقن الألمان بالكراهية ضد فرنسا وشحن نفوس الناس بالحقد والرغبة في الانتقام من أجل غسل عار اتفاقية فرساي عام 1919، كما أدرك الفرنسيون بعد أن وقعت الحرب العالمية الثانية بأن جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا إبان فرض المعاهدة لم يكن البطل بلا منازع وإنما وضع في الميزان بسبب موقفه المتشدد وإصراره على إهانة ألمانيا في أثناء مفاوضات صلح فرساي.

 

               "سيفر" vs "لوزان"


في 10 أغسطس 1920، وقعت معاهدة سيفر مع تركيا، ونصت على جعل مضايق الدردنيل والبسفور مناطق معزولة السلاح تشرف عليها لجنة دولية تقرر إعطاء مناطق عديدة منها فضلاً عن منطقة أزمير المهمة إلى اليونان، كما تقرر منح إيطاليا جزيرتين وإعلان استقلال أرمينيا في الجزء الشرقي من الأناضول، وإعطاء الحكم الذاتي لكردستان في حالة رغب سكانها بذلك وتقرر كذلك بموجب معاهدة سيفر تنازل الدولة العثمانية عن ممتلكاتها في مصر والحجاز وسوريا وفلسطين والعراق ولم تفرض عليها أي غرامة حربية ولم يحدد جيشها.

 

قوبلت المعاهدة بمعارضة شديدة خاصة من قبل الحكومة الوطنية التي قادها مصطفى كمال أتاتورك الذي تمكن من إلغائها واستبدالها بمعاهدة لوزان 1923.

 

               لبنان والاحتلال.. انسحاب بعد اقتتال

 

اتفاقية "17 أيار (مايو)"، وهي معاهدة حاولت خلق علاقة سلمية بين الاحتلال ولبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، بعد اجتياح لبنان وحصار بيروت في عام 1982، وتضمنت بنودها "إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل"، و"الانسحاب الإسرائيلى الكامل من لبنان في فترة 8-12 أسبوعًا"، و"إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تنفذ ضمنها الترتيبات الأمنية المتفق عليها في ملحق خاص بالاتفاق"، و"تكوين لجنة أمريكية - إسرائيلية - لبنانية تقوم بالإشراف على تنفيذ بنود الاتفاقية وتنبثق من تلك اللجنة لجنة الترتيبات الأمنية ولجان فرعية لتنظيم العلاقات بين البلدين"، و"تكوين مكاتب الاتصال بين البلدين والتفاوض لعقد اتفاقيات تجارية"، و"امتناع أي من إسرائيل ولبنان عن أي شكل من اشكال الدعاية المعادية للبلد الأخرى"، و"إلغاء جميع المعاهدات والبنود والأنظمة التي تمنع تنفيذ أي بند من بنود الاتفاقية".

 

لكن اللبنانيين قابلوا هذا الاتفاق بالرفض الشديد معتبرين أنّه "اتفاق عار"، وبعد ذلك زادت العمليات العسكرية من قبل منظمات المسلحة داخل لبنان حتى كادت أن تطول إحدى جولات التفاوض، وانطلقت أشد الحملات ضد هذا الاتفاق من مسجد الرضا في الضاحية الجنوبية لبيروت.

 

وقد كان توقيع الاتفاقية تداعيات على مستوى الداخل اللبناني أبرزها نشوب الاقتتال الداخلي وانقسام المشهد السياسي بين الحكومة والرئيس أمين الجميل المتمسكين بالاتفاق من جهة وجبهة الإنقاذ الوطني ومن ورائها سوريا الرافضين من جهة ثانية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت المتاعب الفعلية في لبنان، ففي 19 أيار (مايو) اندلعت حرب الجبل التي انتهت في 19 سبتمبر 1983 بسيطرة الحزب التقدمي الاشتراكي على كل القرى الجبلية,، تلتها انتفاضة 6 فبراير 1984 في بيروت وسيطرة القوى الرافضة للاتفاق على القسم الغربي من العاصمة.

 

وفي الفترة التي شهدت تصاعدًا لوتيرة استهداف القوات الأسرائيلية والأجنبية داخل لبنان، وبخاصةً بعد حادث مقتل عدد كبير من قوات المارينز والمظليين الفرنسيين، اتجه الرئيس أمين الجميل إلى إعلان إلغاء الاتفاق مع إسرائيل، وتحت ضغط الرفض الشعبي قامت الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبنانى باعتبار هذا الاتفاق باطلًا وذلك بعد أقل من عام على اعتماده وبالتحديد في 5 مارس 1984.
 

               كامب ديفيد.. "البطلان الفقهي"

 

تقول ورقة بحثية على "الموسوعة العربية"، إنّ لكن العالم لا يزال يشهد معاهدات سلام يبدو الظلم فيها بينًا لجهة فرض الأقوى حجته على الأضعف، ومن ذلك مثلاً معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية الموقعة في واشنطن بتاريخ 26 مارس 1979 التي أبرمت وسيناء بأكملها تحت الاحتلال، ومصر في حالة أضعف من حالة الخصم الصهيوني، فجاءت في بعض موادها مجحفة لمصر كالنص في المعاهدة على ما يسمى تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل حتى قبل إتمام انسحاب الاحتلال من الأراضي المصرية المحتلة كافة (المقدمة والمواد 1 و2 و3 و4 و5 و6)، وهو انسحاب جعلته المعاهدة مشروطًا لدرجة تنتقص من السيادة المصرية على شبه جزيرة سيناء (الملحق 1 و2 من المعاهدة).

 

كما جعلت المعاهدة الالتزامات الناجمة عنها تفوق التزامات مصر بموجب أي معاهدة أخرىاتفاقية الدفاع العربي المشترك خاصة عدا ميثاق الأمم المتحدة (م 6)، وهذا ما دفع بعض الفقهاء المصريين لاعتبار معاهدة الصلح هذه باطلة بطلانًا مطلقًا لأنّها عقدت في ظل إكراه الإرادة المصرية بما جعل هذه الإرادة مشوبة بعيب الرضا اللازم لصحة انعقاد المعاهدة بموجب قانون المعاهدات.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان