رئيس التحرير: عادل صبري 07:11 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

استفتاءات تدغدغ العالم.. هل يحق للدولة المركزية وقف الانفصال بالقوة؟

استفتاءات تدغدغ العالم.. هل يحق للدولة المركزية وقف الانفصال بالقوة؟

العرب والعالم

استفتاء كتالونيا

استفتاءات تدغدغ العالم.. هل يحق للدولة المركزية وقف الانفصال بالقوة؟

أحمد علاء 04 أكتوبر 2017 21:29
"كردستان، كتالونيا".. فُتح قوس الأقاليم الراغبة في الانفصال عن السلطات المركزية، حتى باتت تلك الرغبات الانفصالية عنوانًا لمناطق وبالأحرى صراعات كبيرة في مناطق مختلفة.
 
استفتاءات الرغبة في الانفصال فرضت تساؤلات من الجانبين، هو هل يحق لهذه الأقاليم انفصالها، كما هل يحق للسلطات المركزية مواجهة هذه الحركات، حتى وإن كان بالقوة.
 
ارتبطت هذه القوة بما جرى في كتالونيا، إذ واجهت السلطات الإسبانية بعنفٍ وُصف بـ"المفرط"، استفتاء الإقليم من أجل الانفصال عن المملكة، ما أثار ردود أفعال "غاضبة" إزاء الاستفتاء في حد ذاته وكذا محاولة منعه بالقوة.
 
تتسبّب الصراعات التاريخية والتنوع الثقافي والعرقي، بالعديد من بقاع العالم، في نزاعات تؤدي إلى الرغبة في الانفصال عن الدولة الأم، وبخاصةً إذا ما وُجد إقليم داخل حدود الدولة الواحدة له مميزات ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية مختلفة.
 
في الفترة الحالية، يدغدغ حلم الانفصال والاستقلال مشاعر الكثير من القوميات والأعراق في العال،  ففي منطقة الشرق الأوسط، أجرى كردستان استفتاء للانفصال عن العراق بسبب "التهميش والإقصاء والطائفية التي تمارسها الحكومة العراقية بحق الإقليم"، وذلك حسبما أعلن رئيسه مسعود بارزاني في أكثر من مناسبة.
 
بعيدًا عن الشرق الأوسط، ففي أوروبا الأكثر استقرارًا ورخاءً، هناك العديد من الأقاليم تطالب بالانفصال لأسباب اقتصادية أكثر منها عرقية، أو على خلفية اضطهاد تاريخي دامٍ.
 
ففي مارس الماضي، صوَّت البرلمان الأسكتلندي، لصالح طلب إجراء استفتاء للاستقلال عن المملكة المتحدة في ضوء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحدَّد موعد إجراء الاستفتاء في خريف عام 2018، علمًا بأنَّ 62% من الأسكتلنديين كانوا قد صوَّتوا لصالح بقاء بريطانيا بالاتحاد الأوروبي في استفتاء يونيو 2016؛ خوفًا من خسارة مميزات أسكتلندا الاقتصادية، إلا أنَّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بات يهدد المكاسب الاقتصادية لإدنبره، الأمر الذي أعاد طرح مسألة الاستفتاء من جديد، وهناك توجُّه شعبي واسع للانفصال عن بريطانيا في سبيل البقاء ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي، والسوق الأوروبية المشتركة.
 
وليس بعيدًا عن بريطانيا، أجرى إقليم كتالونيا استفتاء للانفصال عن إسبانيا، وقوبل من المملكة بعنف كبير.
 
ويتمتع الإقليم، الذي يبلغ عدد سكانه 7 ملايين و500 ألف نسمة، بأوسع تدابير للحكم الذاتي بين أقاليم إسبانيا، ويأتي ترتيبه السابع من بين 17 إقليمًا تتمتع بحكم ذاتي في البلاد، وتبلغ مساحة كاتالونيا 32.1 ألف كيلو متر مربع، وتضم 947 بلدية موزَّعة على 4 مقاطعات؛ هي برشلونة وجرندة ولاردة وطرغونة.
 
وتعد منطقة كتالونيا أحد أكثر الأقاليم الإسبانية ثراءً، وهي منطقة صناعية، ذات نزعة استقلالية، وتعتز بهويتها ولغتها الخاصة، وكان لها ماضٍ دامٍ مع حكومة مدريد، خصوصًا خلال عهد فرانشسكو فرانكو، لكن عودة الحكم المدني الديمقراطي في عهد الملك السابق خوان كارلوس أنهت مطالب الإقليم بالاستقلال، خاصةً بعد الرخاء الاقتصادي الذي شهدته إسبانيا.
 
لكن تراجع الاقتصاد الإسباني في السنوات الأخيرة، أدى إلى تأجيج النزعة الانفصالية في كاتالونيا، حيث يعتقد أبناء الإقليم أنَّهم يدفعون أكثر مما ينبغي لحكومة مدريد.
 
وفي بلجيكا، التي تحتضن مقر الاتحاد الأوروبي، تعتزم منطقة "الفلامان"، المنطقة الناطقة بالهولندية في شمالي البلاد، طرح استفتاء على الانفصال في عام 2019، حيث ترى أنَّ لها الحق بأن تكون دولة مستقلة؛ بفضل كونها واجهة البلاد الاقتصادية.
 
نشأت القومية الفلمنكية في القرن التاسع عشر، لكنَّها لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم، وقد أسهم ممثلها السياسي في البرلمان، التحالف الفلمنكي الجديد، في تعزيز موقعها كأول حزب بالبلاد خلال الانتخابات التشريعية عام 2014، لتصبح حجر الزاوية في الحياة السياسية، إلى جانب كونها رقمًا صعبًا في الحياة الاقتصادية.
 
هذه الحراكات جلبت الرخاء للكثير من الشعوب والكيانات، وأيضًا التطور العلمي والثقافي والنضج السياسي وازدهار الاقتصاد، لكنَّ في المقابل جلبت بأحيانٍ أخرى الحرب والدمار والعصبية والحقد للكثير من الشعوب.
 
الطريقة التي انتهجتها السلطات الإسبانية تجاه الاستفتاء أثارت تساؤلات عدة بشأن حق الدولة المركزية في استخدام القوة لمنع أي اقليم من أقاليمها، من الانفصال حتى ولو كانت نسبة كبيرة من أبناء هذا الإقليم ترغب في ذلك.
 
السلطات الإسبانية نفذت ما هددت به، من أنّها لا تسمح بإجراء الاستفتاء على الانفصال في كتالونيا، حيث داهمت قوات الشرطة مراكز الاقتراع، وصادرت البطاقات الانتخابية والصناديق، كما وصفت وزارة الداخلية الاستفتاء بأنّه غير شرعي.
 
يفجر الرفض الذي قابلت به الحكومة المركزية الاسبانية استفتاء كتالونيا أيضًا، مقارنات كثيرة بين حالة استفتاء الإقليم الإسباني، وحالة استفتاء إقليم كردستان، نظرًا لأنَّ الاستفتاءين على انفصال الإقليمين، جاءا في مرحلة زمنية متقاربة رغم أن المسافة بينهما تصل إلى 3500 كيلومتر.
 
وتبدو الدفوع متشابهة جدًا بعدم دستورية الاستفتاء من قبل الدولة المركزية في الحالتين، في حين يعتبر البعض أنّ الردود الدولية منها على وجه الخصوص في حالة كتالونيا، كانت واضحة فيما يتعلق برفض الاستفتاء، بينما جاءت غير واضحة في الحالة الكردستانية، إذ أنّ معظم اعتراضات القوى الدولية كانت على توقيت الاستفتاء حيث بدا أنها تتفق معه ولكنها تعترض على توقيته.
 
ويتشابه وضع كردستان وكتالونيا معا، من حيث تمتعهما بحكم ذاتي، كما يتشابهان من حيث أهميتهما ومساهمتهما في اقتصاد الدولة المركزية، فالنفط الذي يعد عصبًا لاقتصاد الحكومة المركزية في العراق يأتي معظمه من كركوك، الواقعة شمال العراق والتي سعى إقليم كردستان إلى تضمينها في الاستفتاء الأخير، على انفصاله عن الدولة المركزية، بينما يمثل اقتصاد إقليم كاتالونيا خمس الاقتصاد الكلي الإسباني ويسهم بحوالي 20% من اقتصاد البلاد.
 
من حيث استخدام القوة لمنع الاستفتاء، تبدو الحالة الإسبانية متقدمة بعض الشيء، إذ أنَّ السلطات الإسبانية نشرت قوات شرطتها في الإقليم بعد تحذيرات متعددة من رفضها للاستفتاء، كما صادرت صناديق الاقتراع، وإغلاق اللجان بما مكنها من إجهاض المحاولة، بينما في حالة كردستان العراق فإنّ الحكومة المركزية في بغداد رفضت الاستفتاء بقوة وحذرت من إجرائه، كما أشار رئيس وزرائها حيدر العبادي إلى أنّ الخيار العسكري ليس مستبعدًا لإيقافه، لكن الاستفتاء مضى قدمًا ولم يوقف، في الوقت الذي بدأت فيه بغداد ودول جوار كردستان العراق، إجراءات لمحاصرة الإقليم وخنقه اقتصاديًّا، في محاولة لمنعه من تطبيق ما أسفر عنه الاستفتاء، وإيصال رسالة إلى سياسييه مفادها خطأ تقديراتهم بالمضي قدما في الاستفتاء.
 
اللجوء للاستفتاء كان قد أسفر في حالات مماثلة، وفي مناطق مختلفة من العالم، عن حصول دول وأقاليم على حق الانفصال أو الاستقلال، وفق ما تراه الأطراف المختلفة، وكان آخر هذه الحالات هو جنوب السودان، الذي كان يتمتع بحكم ذاتي قبل أن يستقل بعد استفتاء 9 يوليو 2011، كما أنّ استقلال الجزائر أيضًا يمثل حالة تاريخية بارزة في المنطقة العربية، إذ استقلت البلاد عن فرنسا في يوليو 1962، عقب أيام من تنظيم استفتاء بشأن الحق في تقرير المصير.
 
قانونيًّا، يقول الدكتور محمود رفعت رئيس المعهد الأوروبي للقانون والعلاقات الدولية إنّ هناك فهمًا خاطئًا لـ"حق تقرير المصير" الذي يستند عليه القانوني الدولي.
 
وأضاف: "البعض يستخدم هذا المفهوم في حقوق الأقليات في أن تنسلخ عن الدولة الأم، وهذا أمر خاطئ تمامًا.. هذا الحق جاء في الأربعينات لمن يكن تحت الاستعمار المباشر لأي دولة مثل الدول العربية التي كانت تحت الانتداب سواء البريطاني أو الفرنسي".
 
في حالة الإسبانية، شدّد "رفعت" على ضرورة التمييز بين أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الشرطة تجاه سكان إقليم كتالونيا وبين شرعية الاستفتاء نفسه، فهذه الانتهاكات أكّد أنّها لن تمر دون محاسبة سواء من سلطات مدريد أو حتى الاتحاد الأوروبي الذي قد يحاول التوصل إلى آلية وصيغة معينة تحاسب مرتكبي هذه الأعمال.
 
أما شرعية الانفصال، فأوضح الخبير الدولي: "الكتالونيون يقولون إن لديهم دستورًا يبيح في إحدى مواده الانفصال وتنظيم استفتاء لهذه العملية في أي وقت يرغبون، في حين أنّ الحكومة المركزية تؤكّد أن الدستور الأم لم يعطِ الحق بالانفصال لكنّه أعطى الحق في الأمر كاستبيان وبالتالي فإنّ القرار الأول والأخير يعود إلى الحكومة المركزية".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان