رئيس التحرير: عادل صبري 10:56 صباحاً | الأربعاء 18 يوليو 2018 م | 05 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الاستثمار الذكي في الهجرة.. ماذا لو فتحت كل الدول حدودها؟

الاستثمار الذكي في الهجرة.. ماذا لو فتحت كل الدول حدودها؟

مصر العربية 08 سبتمبر 2017 22:37

شنَّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، هجومًا جديدًا على خطة للاتحاد الأوروبي لإعادة توزيع الآلاف من المهاجرين بين دول التكتل، واعتبر أن إجبار بلاده على المشاركة في الخطة يقترب من حد العنف.

وأضاف الزعيم الشعبوي منتقدًا بلهجة حادة القوى الأوروبية: "ليس لنا ماضٍ استعماري لتسديد فاتورته"، وقال إنَّ هذه الدول الرئيسية الأعضاء في الاتحاد تحوّلت إلى بلدان هجرة بسبب الواجبات الناتجة عن إرثها الاستعماري.

هذه الرؤية التي توصف بـ"الرجعية" يشاطرها عدد كبير من الأوروبيين وأيضًا الأمريكيين والكنديين والأستراليين، بمقاييس حقوق الإنسان وشروط العولمة واتفاقات التجارة الحر، والتي اكتسحت العالم مع تصاعد موجات من اللاجئين والهجرة غير الشرعية.

تقول "العرب اللندنية" إنه لا شكّ في أن الملايين من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين يشكِّلون مصدر قلق أمني واجتماعي وسياسي للدول الغربية التي تعاني بدورها من وضع اقتصادي متذبذب وتشهد نسبة بطالة مرتفعة واحتقان اجتماعي، وهي معرّضة بشكل كبير للتهديدات الإرهابيين، كما أنه لا خلاف في أن البعض من الإرهابيين استغلوا تدفقات المهاجرين ليتسللوا بينهم إلى دول أوروبية وتنفيذ هجمات إرهابية.

لكن، لهذه الصورة وجه آخر مفيد، لم ينتبه إليه القادة الغربيون وهم منغمسون في البحث عن حلول لأزمة الهجرة إما عن طريق سياسات ومواقف متطرفة على غرار مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة الأحزاب الشعوبية واليمين المتطرف في أوروبا واستراليا، أو عن طريق ابتزاز الدول وإغرائها بالدعم والمساعدات من أجل أن تتولى هي استقبال اللاجئين، وأن تكون جدار صد يقف في وجه الحالمين بالعبور إلى "الجنة الأوروبية أو الأمريكية".

يكشف عن هذا الوجه مايكل كليمنس، الخبير الاقتصادي في مركز التنمية العالمية، وهو مجموعة بحث مقرها واشنطن تهتم بمواجهة الفقر، إذ تبدو مقاربة كليمنس، التي نشرتها مجلة "الإيكونومسيت"، مثيرة للاهتمام، حين يشبه اتجاه الدول العالمية نحو تبني سياسات رافضة للمهاجرين بالمئات من ملايين الدولارات الملقاة على الأرض، دون أن يستغلها أو ينظر إليها أحد.

وفي غمرة الضوضاء التي يحدثها الشعبويون ووسط ضجيج المظاهرات المعادية للمهاجرين والمطالبة بتشديد قوانين استقبالهم، تأتي مقاربة الخبير الأمريكي لتفرض تساؤلات عن المكاسب التي يمكن أن يجنيها العالم كله إذا ما فتحت دوله أبوابها للمهاجرين، وكيفية جعل العالم أغنى بهذه السياسة.

الحدود المفتوحة

يقول كليمنس: "هناك سياسة سهلة ظاهريًّا يمكنها جعل العالم أغنى بضعف ما هو عليه الآن الحدود المفتوحة".

ويدعمه الخبير الاقتصادي براين كابلان بقوله إنَّ الحدود المفتوحة ستجعل الأجانب أغنى بتريليونات الدولارات، فالناخب المتعقّل حتى وإن لم يهتم بمصلحة الأجانب عليه ألا يقول، وماذا في ذلك، بل بدلًا من هذا عليه أن يقول: "ثروة تساوي تريليونات الدولارات على الطاولة. كيف يمكن أن أساعد أبناء بلدي في الحصول على نصيب كبير منها؟".

وفي دراسة أجراها باحثون في جامعة وارويك حول تدفق المهاجرين بين 145 دولة ما بين عامي 1970 و2000، وجد الباحثون أن الهجرة تكافح الإرهاب ولا تدعمه، لأن الهجرة تشجع النمو الاقتصادي.

ويؤكد تقرير "الإيكونوميست" أنَّ الهجرة على نطاق واسع لا تؤدي إلى تردي أوضاع أهل البلد الاقتصادية، فالمهاجرون أقدر من السكان المحليين على أن يأتوا بأفكار جديدة وأن ينشئوا أعمالهم الخاصة التي توظف معظمها السكان المحليين.

والمهاجرون أقل احتمالًا من السكان المحليين أن يستنزفوا التمويل العام، إلا في حال استحالة عملهم بموجب القوانين المحلية، كما هو الحال بالنسبة لطالبي اللجوء في بريطانيا.

بينما يمكن أن يؤدي التدفق الكبير من العمال الأجانب إلى خفض رواتب السكان المحليين ذوي المهارات المشابهة تخفيضًا قليلًا، إلا أنَّ معظم المهاجرين يمتلكون مهارات مختلفة، فالأطباء والمهندسون الأجانب يسدون العجز في هذه المهارات، بينما يقوم المهاجرون غير المدربين على رعاية الأطفال أو المسنين، محررين بذلك السكان المحليين ليقوموا بأعمال أكثر ربحية.

ويشير إلى أنه لا شك في أنَّ الحدود المفتوحة قد تتسبب في الازدحام لكن ذلك يقتصر على المدن الأكثر شعبية مثل لندن، لكن معظم مدن الغرب يمكنها التوسع في البناء خالقين مساحات أكبر، وستجعل الهجرة الجماعية العالم ككل أقل ازدحامًا، لسرعة انخفاض معدلات إنجاب الأجانب حتى تكون أقرب إلى عادات البلد المضيف من عادات بلادهم التي نشأوا فيها.

ويتابع: "يجري التعامل مع الفكرة في كل مكان باعتبارها وهم وفي عصر بريكست ودونالد ترامب، أصبحت فكرة مجهضة من البداية، ومع ذلك، نسأل عن ما يمكن أن يحدث لو كانت الحدود مفتوحة بالفعل".

وفي البيئة السياسية الحالية، فإنه مع صعود القومية في كافة أنحاء القارة، من غير المرجح أن الإصلاحات الاقتصادية العقلانية مثل زيادة الاندماج الجبائي ستكتسب زخمًا، ومن هنا يقترح تقرير "الإيكونوميست" أن يكون هذا الإصلاح من خلال العمل.

ويعرف براين كابلان وفيبول نايك العمل بأنَّه "السلعة الأعلى قيمة في العالم"، ويضيفان في دراستهما "دعوى راديكالية للحدود المفتوحة" (2014) أنه رغم أهمية العمل فإنَّه يهدر معظمه بسبب قوانين الهجرة الصارمة، فالعمال المكسيكيون الذين يهاجرون إلى الولايات المتحدة يتوقعون دخلًا أعلى بـ150%، ويجني العمال النيجيريون الذين لا يمتلكون مؤهلات رواتب أعلى بـ1000%.

وتذكر "الإيكونوميست" أن العمال يصبحون أكثر إنتاجية عندما ينتقلون من دولة فقيرة إلى أخرى غنية، حيث يستطيعون الانضمام إلى سوق عمل ذي رأس مال وافر وشركات فعالة ونظام قانوني مستقر.

ويشبه كابلان ونايك سياسات تشديد الرقابة على الحدود بأنها مثل إجبار الفلاحين على الزراعة في القارة القطبية الجنوبية أو إجبار النيجيريين على البقاء في نيجيريا، وهو تصرف اقتصادي أحمق، في نظرهما؛ فالنيجيري في الولايات المتحدة مفيد أكثر.

ويرد التقرير على الدعوات الشعبوية والتوجهات المفرطة في القومية والتي تحارب الهجرة من منطلق الخوف على هوية مجتمعاتها بأنَّ "الحدود المفتوحة" تعتني حرية تنقل الأفراد للبحث على فرص عمل أفضل، ولا تعني "لا حدود" أو "إلغاء الدولة القومية".

وتضيف المجلة أنَّ من دوافع الهجرة أن البعض من الدول إدارتها جيدة وأخرى إدارتها سيئة، ولتوضيح هذه الفكرة تشير إلى أن العمال في الدول الغنية يكسبون أموالًا أكثر من أولئك في الدول الفقيرة جزئيًّا، ليس لأنَّهم متعلمون تعليمًا أفضل، ولكن أساسًا لأنَّهم يعيشون في مجتمعات طوَّرت مؤسسات تجلب الرخاء الاقتصادي والسلم الاجتماعي، مثلًا من الصعب أن يفكر كندي في الهجرة إلى كمبوديا، بينما يمكن لعائلة كمبودية أن تطير إلى كندا دون تردد، وبالتالي فإنَّ أسرع الطرق للقضاء على الفقر المدقع هو السماح للناس بمغادرة الأماكن التي ينتشر فيها الفقر.

ماذا لو فتحت الحدود؟

يقدر استطلاع أجراه معهد غالوب "2013" حول ماذا لو فتحت الحدود، أنَّ 630 مليون إنسان "حوالي 13% من التعداد السكاني العالمي" سيهاجرون هجرة دائمة إذا استطاعوا، وأعدادا أكبر ستهاجر هجرة مؤقتة، وسيستقر 138 مليون شخص في الولايات المتحدة، و42 مليونًا في بريطانيا، و29 مليونًا في السعودية.

ويمكن أن تكون أرقام معهد غالوب مبالغًا فيها، حسب "الإيكونومسيت"، التي تشير إلى أنَّه من العدل القول إنَّ الحدود المفتوحة ستؤدي إلى تدفق كبير جدًا من الناس، فالفجوة بين الدول الغنية والفقيرة عالميًّا واسعة، كما أنَّ معظم الدول الفقيرة ليست جنات على هيئة جزر في المحيط الهادي، فكثير منها عنيفة إلى جانب كونها فقيرة، أو لديها حكومات قمعية.

وتتحدث تقارير عن أسباب أخرى للهجرة غير الصراعات والبحث عن فرص عمل أفضل من ذلك الهجرة بسبب المناخ.

وتنقل صحيفة "الجارديان" البريطانية عن سيمون لويس الأستاذ في علوم تغير المناخ بجامعة لندن، أنَّ دول البحر المتوسط ستصبح أكثر جفافًا هذا القرن، مع وجود تأثيرات اجتماعية واقتصادية سلبية، وأن الأمر سيكون صعبًا حيث ستتجه أعداد كبيرة من الناس نحو الشمال.

أمام هذه التقارير ليس هناك من حل أمام الدول المستقبلة للمهاجرين سوى مراجعة مفاهيمها ورؤاها في ما يتعلق بالهجرة.

وتقول الكاتبة في الصحيفة إيلي ماي: "نحتاج إلى أن ندرك حقيقة أن الهجرة لن تتوقف أو يتم حلها، وبجميع الاحتمالات، ستكون أكثر شيوعًا، لذلك يجب إجراء مراجعة سريعة للسياسات التي تنتهجها الحكومات الغربية في التعامل مع الهجرة، والتي في الغالب تصاحبها تعليقات عنيفة".

وتخلص ماي في رؤية قريبة من توجه مايكل كليمنس: "الهجرة التي نشهدها ليست أمرًا استثنائيًّا، بل بداية لنموذج جديد، يجب أن نتعامل مع ضحايا هذه الأزمة الدائمة برأفة، ليس فقط لأنهم بشر لكن من أجل مصلحتنا أيضًا".
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان