رئيس التحرير: عادل صبري 10:29 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

روسيا والأزمة الخليجية.. الحياد يصطدم بالخوف

روسيا والأزمة الخليجية.. الحياد يصطدم بالخوف

العرب والعالم

بوتين ولافروف

روسيا والأزمة الخليجية.. الحياد يصطدم بالخوف

أحمد علاء 27 أغسطس 2017 21:47

"في اليوم الثالث بعد الثمانين، لافروف في الخليج".. تحط الآن الطائرة الروسية في أزمة المنطقة، الممتدة منذ الخامس من يونيو الماضي، حين قررت "رباعية الحصار" معاقبة قطر على سياساتها التي تراها مزعزعة لأمن واستقرار العرب.

 

وصل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى الخليج، يجري زيارةً تبدأ بالكويت، وتضم كذلك قطر والإمارات، في محاولة ربما لحل الأزمة المستعصية والمستمرة في المنطقة، والتي ضربت شقاقًا في المنطقة، وتهدِّد بتغيير جذري في قضاياها الإقليمية.

 

زيارة لافروف تأذن بانضمام روسيا إلى جهود الوساطة للتقريب بين الدول الأربع "مصر والسعودية والإمارات والبحرين" وقطر، حيث تتعرض الأخيرة لمقاطعة، تسميها "حصارًا"، بسبب سياساتها التي تراها "الرباعية" داعمة للإرهاب، بينما تلتزم هي دائمًا بالنفي.

 

ولعل قوة النفوذ الروسي في المنطقة، لا سيّما خلال السنوات الماضية بعد غياب أو تغييب للدور الأمريكي المعتاد، دفع محللين إلى اعتبار أنَّ الأزمة قد قاربت على الحلحلة، حتى وإن لم تنتهِ بشكل حاسم، يعيد المنطقة لما قبل "5 يونيو"، وربما لهذا الطرْح ما يبرره، فعلاقات موسكو بدول طرفي الأزمة جيدة.

 

صراحةً، أعلن الجانب الروسي أنَّ زيارة لافروف تأتي ضمن جهود روسيا لدعم الوساطة الكويتية لحل الأزمة الخليجية، بعدما كانت قد التزامت نوعًا من "الهدوء الدبلوماسي" فور اندلاع الأزمة، منذ أن دعت إلى تسويتها من خلال الحوار والتركيز على جهود مكافحة الإرهاب ضمن مجلس التعاون الخليجي.

 

وفي بداية الأزمة، كانت قد أعلنت على لسان دميتري بيسكوف الناطق باسم الرئيس فلاديمير بوتين، في أول تعليق لـ"الكرملين"، إنَّ موسكو لا تتدخَّل في شؤون دول أخرى ولا في شؤون دول الخليج، لأنَّها تقدر علاقاتها مع الدول الخليجية مجتمعة ومع كل دولة على حدة.

 

ثمَّ صدرت تصريحات عدة من مسؤولين روس تؤكِّد ضرورة حل الأزمة بالحوار والتفاوض ففي تصريح للافروف وزير الخارجية الروسي قبل لقائه نظيره القطري في موسكو: "تابعنا بقلق أخبار هذا التصعيد ولا يمكن أن نرتاح لوضع يشهد تدهورًا في العلاقات بين شركائنا"، ودعا إلى "تسوية أي خلافات من خلال الحوار".

 

ولعل ما منح الزيارة بعدًا أهم، هو زيارة وزير الدفاع القطري إلى موسكو قبل أيام، وتم الحديث عن تعاون عسكري مشترك في مجال الدفاع الجوي وتقنيات الأسلحة الحديثة، في وقتٍ أيضًا تلتزم فيه روسيا بعلاقات قوية "عسكرية واقتصادية" مع المعسكر المناهض للدوحة.

 

اتصالات بوتين

 

تولي روسيا اهتمامًا كبيرًا لما يدور في الخليج لا سيّما بسبب مصالحها في المنطقة، وتحديدًا سوريا، حيث كان قد أكَّد الرئيس فلاديمير بوتين أن الأزمة لها تأثير كبير على منطقة الشرق الأوسط.

 

وقد يكون ذلك سببًا في كونها التزمت حيادًا – على الأقل وفق ما كان معلنًا – في التعاطي مع الأزمة، فبوتين وجَّه أكثر من رسالة بشأن ضرورة الحوار لحل الأزمة، ولم تتحرك بلاده على أي صعيد سواء مع هذا الطرف أو ذاك، أسوةً مثلًا بما فعلته تركيا التي يرى محللون أنّها منحازة لقطر من خلال الصفقات العسكرية والتجارية التي أبرمتها معها.

 

وفي مطلع يوليو الماضي، أكد بوتين خلال مكالمة هاتفية مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثانٍ أهمية الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى التغلب على الخلافات وحل الأزمة.

 

في ذلك اليوم، أجرى بوتين مكالمة أخرى مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وشدَّد على ضرورة الحوار المباشر بين كل أطراف الأزمة الخليجية لحل النزاع القائم.

 

ورأى محللون أنَّ بوتين حاول توصيل رسالة بالتزام بلاده موقف الحياد، فهو أجرى مكالمتين منفصلتين مع طرفي الأزمة، وأكّدا ضرورة الحل بالتوافق.

 

لكنَّ روسيا أظهرت دعمًا اقتصاديًّا لقطر من خلال ما أعلنه نائب وزير الزراعة الروسي جنبلاط خاتوف، أنَّ روسيا مستعدة لزيادة تصدير المنتجات الزراعية إلى قطر، بيد أنَّ "الأخيرة" لم تتوجه بطلب بهذا الصدد إلى الوزارة الروسية.

 

الخوف والحياد.. حلف جديد

 

الموقف الروسي تجاه الأزمة تم اعتباره "دبلوماسيًّا حذرًا"، لكن محللين اعتبروا أنَّ قطر تستفيد من الموقف موسكو، وكأنَّ ذلك حلف يواجه موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أظهر نوعًا من الاصطفاف إلى جانب معسكر الحصار، وما دلَّل على ذلك دعوة ترامب لقطر بالتوقف عمَّا أسماه "تمويل الإرهاب".

 

ولعل ما يدعم هذا الطرح هو الملف السوري، إذ أنَّ موسكو ترى الدوحة أحد أهم اللاعبين الرئيسين في هذا الملف، كما لعبت دورًا كبيرًا في الوساطات الجارية هناك من خلال شبكة علاقتها، لا سيّما مع المعارضة السورية، فرأى محللون أن بعض فصائل المعارضة إذا ما خسرت قطر ستندفع جبرًا إلى روسيا.

 

على جانب قريب أيضًا من الأزمة، فإنَّ تشكيل حلف بين قطر وتركيا وإيران سيزعج روسيا بشدة على مصالحها في المنطقة، لا سيّما أنَّ أنقرة عزَّزت من تواجدها العسكري في قطر كما أنَّ طهران كانت قد فتحت خطًا جويًّا لمساعدة قطر في تأمين احتياجاتها من الغذاء كما فعلت تركيا أيضًا.

 

الاقتصاد.. ضغط قاتل

 

الجانب الاقتصادي أيضًا ليس ببعيد، فالعلاقات بينهما على هذا النحو كبيرة، وكلاهما يسعيان لرفع التبادل التجاري إلى 500 مليون دولار في المرحلة المقبلة، كما قطر لاعب رئيسي في اتفاق فيينا بخصوص تخفيض الإنتاج النفطي لامتصاص الفائض من النفط في الأسواق، ويرى اقتصاديون أن انسحاب قطر من الاتفاق وانهياره قد يؤدي إلى هبوط أسعار النفط وتكبد الاقتصاد الروسي خسائر كبيرة.

 

وبالنسبة لاستثمارات قطر في روسيا، فقد تنوعت بين الطاقة والعقارات إلى السياحة وغيرها، حيث تستثمر شركة "بريميوم كونستراكشن" القطرية ببناء مجمع فندقي كبير في شبه جزيرة القرم الروسية بقيمة 100 مليون دولار، وجهاز قطر للاستثمار دفع 239 مليون يورو مقابل 24.99% من أسهم الشركة المشغلة لمطار "بولكوفو" الواقع في سانت بطرسبورج بشمال روسيا، كما قدَّمت شركة قطر القابضة طلبا لمصرف "في تي بي" الروسي، لشراء أسهم فيه.

 

وتحدثت تقارير دولية عن ضخ شركة "المستثمر الأول" الذراع العقارية لجهاز قطر للاستثمار 500 مليون دولار بالاشتراك مع شركة "جازبروم" الروسية في قطاع العَـقارات الروسي ولا سيَّما في العاصمة موسكو، كما أبرم جهاز قطر للاستثمار في إطار تحالف مع شركة "جلينكور" العملاقة لتجارة السلع الأولية، صفقة مع "روس نفط" في نهاية العام الماضي، اشترى بموجبها التحالف حصة في الشركة الروسية بلغت نسبتها 19.5%، مقابل 10.5 مليار يورو "نحو 11.3 مليار دولار"، ووصفت الصفقة بالأكبر في العام الماضي.

 

هذا بالإضافة إلى شراء جهاز قطر للاستثمار وشركة "جلينكور" لتجارة السلع والخدمات، ثلث حصة شركة "لوك أويل"، من محطات الوقود في روسيا، ويستثمر صندوق قطر حوالي 500 مليون دولار في أعمال التنقيب التي يتضمنها مشروع "الأورال الصناعي – الأورال القطبي".

 

تلك الاستثمارات يقول "ن. بوست" إنَّها ستلقي بظلالها على سوق العمل الروسي من خلال خلق فرص عمل ورفع الكفاءة الإنتاجية للعمالة وزيادة الأجور، وستؤثر على معدلات النمو الاقتصادية في روسيا بشكل إيجابي في المرحلة المقبلة، وفي حال وقوف روسيا موقف عدائي من الدوحة قد تسحب الدوحة استثماراتها من البلاد وتوقع البلاد بأزمة نسبية، وهي أداة ضغط ناعمة تمتلكها قطر من خلال استثماراتها في روسيا.

 

على الجانب الآخر من الأزمة، لا يمكن لروسيا أن تخسر علاقاتها مع المعسكر الآخر، لا سيَّما مصر والسعودية، حفاظًا على نفوذها في المنطقة، وبالتالي فقد أعلنت التزامها الحياد أيضًا في محاولة لعدم الانزلاق في الإغراءات التي تقدم من هذا الطرف.

 

ولعل ذلك ما دعا خبراء روس، استطلعت آراءهم وكالة "نوفستى"، إلى اعتبار أكدوا موقف بلادهم محايدًا من أطراف الأزمة، وتعمل على موقف متوازن على النقيض من موقف الولايات المتحدة، حسبما قالت الوكالة.

 

مديرة المعهد الروسى للدراسات الاستراتيجية إيلينا سوبونينا قالت: "موسكو لديها فرصة لتصبح واحدة من الوسطاء في النزاع بين حكومة دولة قطر والدول العربية، وروسيا على عكس الولايات المتحدة أو بعض دول الخليج لا تتحيز لأى طرف من الأطراف".

 

وأضافت: "موسكو تقوم فى الواقع بدور الوسيط فى هذه الأزمة، لأنها ليست مهتمة بإثارة الشغب والتوتر فى الخليج، مع العلم أن هذا يمكن أن يكون له تأثير سلبى على البحث عن حل سلمى للأزمة السورية".

 

غير أنَّها أشارت إلى أنها لا يمكن ولا ينبغي أن تكون روسيا الوسيط الوحيد فى الأزمة، لذلك تتولى تنسيق جهودها مع دول مثل الكويت وسلطنة عمان، والتى تعمل بنشاط فى هذه الأزمة كوسيط.

 

ماذا بعد الجولة؟

 

سياسيًّا، يرى الدبلوماسي السابق السفير معصوم مرزوق الخبير في الشؤون السياسية أنَّ "التحرك الروسي" قد يكون أحد العوامل التي تجعل دول الحصار تُخفض سقف مطالبها.

 

وقال لـ"مصر العربية": "دول الحصار صعدت إلى أعلى الشجرة في مطالبها من الدوحة، وهي الآن ستدخل مرحلة النزول من أعلى الشجرة وستضر إلى تخفيض مطالبها، لأنّها في الأساس قدمت مطالب غير معقولة وغير متصور الاستجابة لها".

 

وأضاف: "قطر لم تستجب لأي مطلب ولن تفعل، ووفق الأعراف الدبلوماسية ستبدأ دول المعسكر الآخر إلى التراجع، ومن غير المستبعد حتى لهذه الدول أن تخسر القضية".

 

ولم يستبعد "الدبلوماسي السابق" أن تكون موسكو تراعي الدور القطري في سوريا وبالتالي لا تحبذ معاداتها والارتماء في المسعكر الآخر، وكذا تأثير التعاون الاقتصادي بين البلدين.

 

كما أنَّ الخوف من تشكيل حلف تركي قطري إيراني ربما يجعل – كما يقول مرزوق – موسكو تتحرك بحذر في هذا الملف، لا سيّما ما يرتبط بالملف السوري الذي توليه روسيا أهمية كبيرة ولها نفوذ كبير هناك.

 

لكنَّه أكَّد أنَّ روسيا أكبر من أن تتدخل فيما أسماها "البقالة الدبلوماسية العربية"، لافتًا إلى أنَّ لها نفوذًا ومصالح عديدة في المنطقة، ما يعني أنه من غير المسموح لأحد أن يتعدى عليها.

 

زيارة لافروف إلى الخليج وما يمكن أن تتمخض عنه، يوضحها مرزوق: "ربما يحدث تطور مفاجئ يؤدي إلى اجتماع عاجل بين أمير الكويت وزعماء الدول الأربع، ويصدر بشأنه بيان ثم تصدر قطر بيانًا آخرًا يأتي موافقًا لما يصدر عن البيان الأول ويعبر عن الرغبة في تخفيض الاحتقان وحفظ العلاقات العربية".

 

لكنّه رأى أنَّ الأزمة لن تنتهي، موضحًا بالقول: "الأزمة لن تنتهي، فهناك مشكلة في النظام العربي الرسمي أشبه بفيروسات في الجينات الوراثية العربية بأنها تصدِّر مشكلاتها الداخلية وتحوِّلها إلى صراعات لصالح قوى إقليمية أو دولية، بحيث تجذب الانتباه بأنها تخوض معارك ولديها أمور هامة تسير وراءها، وتلقي بمشكلاتها وأحيانًا فشلها الداخلي إلى معركة وهمية مع أي طرف".

 

أمد زمني

 

جانب آخر من الأزمة يتعلق بمداها الزمني وهل طال من عدمه، فقال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة استمرار الأزمة منذ "5 يونيو" لا تعني إنَّ أمدها طال.

 

وأضاف – لـ"مصر العربية": "الأزمة مستمرة وهي تعتبر حرب تكسير عظام بين الطرفين"، مستبعدًا إمكانية تحديد وفت بعينة لنهاية الأزمة.

 

وأشار إلى أنَّ الأمر يتوقف على استجابة قطر لبعض الأمور، معتبرًا أنَّ الأمر تحقق بالفعل عندما عدّلت الدوحة قانون مكافحة الإرهاب الصادر في 2004، وهو ما رأى أنَّه دلالة على إمكانية تعديل السياسات القطرية من خلال ممارسة ضغوط عليها.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان