رئيس التحرير: عادل صبري 01:32 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

 «تماثيل الكونفدرالية» تشعل أزمة بأمريكا.. رمز للعبودية أم جزء من التاريخ؟   

 «تماثيل الكونفدرالية»  تشعل أزمة بأمريكا.. رمز للعبودية أم جزء من التاريخ؟   

العرب والعالم

"تماثيل الكونفدرالية" تشعل أزمة بأمريكا.. رمز للعبودية أم جزء من التاريخ؟   

 «تماثيل الكونفدرالية» تشعل أزمة بأمريكا.. رمز للعبودية أم جزء من التاريخ؟   

مصر العربية - وكالات 24 أغسطس 2017 07:22

مع اندلاع الجدل في أمريكا حول تماثيل الكونفدرالية ومطالبة كثيرين بإزالتها لأنها "تذكر بالعبودية والعنصرية"، وتأكيد آخرين أن تاريخ البلاد لا ينبغي محوه ، تعود إلى الأذهان "حقبة الرقيق"، عندما كان القانون الأمريكي يعطي امتيازات وحقوقاً للأمريكيين البيض دون ذوي الأصول الإفريقية.

فأعمال العنف التي شهدتها مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا 12 أغسطس الحالي وأدت إلى مقتل امرأة وإصابة 19 شخصا كشفت أغوار الماضي العميق وجعلت هذا الجدل يطفو على السطح مجدداً، فعاد الحديث عن جماعات عنيفة مسلحة ذات ماضٍ لطخته الدماء والعنف كما هو حال حركة "كوكلوكس كلان" و"النازيون الجدد" و"ذوو الرؤوس الحليقة" وغيرهم.

مرة أخرى تعود تلك الأحداث لتنكأ جراح الحرب الأهلية والانقسام الذي تولد عنها حتى وصل الأمر إلى التماثيل والنصب التي مجدت قادتها، في ظل تراشق الاتهامات حول من هو "خائن" ومن هو "وطني"!
 

قد يعتقد البعض أن هذه المسألة سهلة، ويمكن حلها بسهولة كبيرة، لكن الأمر لا يبدو كذلك.

ففي ظهيرة يوم مشمس 12 أغسطس الماضي، اندفع الأمريكي الأبيض المتطرف جيمس أليكس فيلدز، السبت الماضي، بسيارته "الدودج تشالنجر"، فضية اللون، باتجاه متظاهرين ضد العنصرية، متسبباً في مقتل هيذر هاير (32 عاماً)، وجرح 19 آخرين ، بحسب " هاف بوست عربي".
 

الحادث نفسه، جاء على خلفية احتشاد أعداد كبيرة من المؤيدين للجماعات العنصرية البيضاء واليمينية المتطرفة، بينها "كوكلكس كلان" و"النازيون الجدد"، في شارلوتسفيل، قابلها خروج مظاهرة لأعداد أخرى من مناهضي العنصرية في المدينة، قبل تعرض الأخيرة للهجوم.
 

وجاء احتشاد مؤيدي الجماعات العنصرية البيضاء؛ احتجاجاً على قرار المدينة إزالة تمثال الجنرال "روبرت لي"، أحد رموز الحرب الأهلية الأميركية، والمتهم بالعنصرية وتأييد العبودية.
 

من هو الجنرال "روبرت إي لي"؟
 

وُلد الجنرال "روبرت إي لي" في 19 يناير  1807 في مقاطعة ويستمورلاند بولاية فرجينيا، وهو واحد من 9 أبناء للحاكم التاسع لولاية فرجينيا الضابط بسلاح الفرسان "هنري لي الثالث"، وأحد الموفدين الأوائل لتمثيل المقاطعة، التي أصبحت لاحقاً ولاية فرجينيا، في الكونغرس التأسيسي للبلاد.

وكان أيضاً أحد المقاتلين البارزين في فرقة الخيّالة المشاركة في الثورة الأميركية (1775-1783) ضد التاج البريطاني، والذي نتج عنه لاحقاً تأسيس الولايات المتحدة الأميركية.
 

سمعة والد الجنرال وبسالته في معركة تحرير البلاد، هما ما أكسباه لاحقاً لقب "لايت هورس هاري"؛ لجرأته وحنكته وشجاعته في التصدي للجيش البريطاني. 
 

انضم "روبرت إي لي" إلى أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية عام 1829 وتخرج فيها كثاني أفضل المتفوقين على دفعته دون وجود شائبة واحدة في سجله، خلال السنوات الأربع التي قضاها هناك، بحسب قناة "هستوري" التأريخية الأميركية، ليتعين في فيلق المهندسين.
 

وبحسب القناة التأريخية نفسها، فقد برز نجم "لي" في الحرب الأميركية-المكسيكية (1846-1848) التي نشبت بين الجارين عقب ضم الولايات المتحدة تكساس إليها عام 1845 بعد انفصالها عن المكسيك والذي جاء ثمرة ما يعرف بثورة تكساس عام 1836.
 

أصيب "لي"، الذي كان برتبة نقيب خلال هذه الحرب، بجروح بسيطة، نال على أثرها ترقية تشريفيةً إلى رتبة عقيد (دون الامتيازات المرافقة للرتبة أو زيادة في الراتب)، ووصفه القائد العسكري لهذه الحرب وأحد أهم الجنرالات العسكريين في التاريخ الأميركي وأطولهم خدمة في هذه الرتبة (52 عاماً)، الجنرال وينفيلد سكوت، بأنه "أفضل جندي وقعت عليه عيناي في الميدان".

في عام 1852، تم تعيين الجنرال "لي" رئيساً لأكاديمية ويست بوينت العسكرية التي تخرج فيها قبل 23 عاماً من ذلك التاريخ، إلا أنه وبعد 3 سنوات فقط، استطاع الحصول على موافقة وزير الحرب الأميركي وقتها، جيفرسون ديفيس، ليعود إلى الجيش برتبة مقدم في فرقة الخيالة الثانية بغرب تكساس.
 


13 ألف تمثال في البلاد
 

وبحسب موقع سليت ماغازين يوجد حوالي 13 ألف تمثال ورمز كونفدرالي في الولايات المتحدة بينها 10 على الأقل داخل مبنى الكونغرس في واشنطن.
 

ومسموح لكل ولاية أميركية أن يكون لها تمثالان في الكونغرس، وهناك شخصيات كونفدرالية ضمن المجموعة. وهذه التماثيل موزعة في مناطق مختلفة بينها تمثال للرئيس الكونفدرالي جيفرسون ديفيس ونائب الرئيس ألكزاندر ستيفنز فضلا عن تمثال لروبرت إدوارد لي وغيره من القادة العسكريين الجنوبيين.
 

تحركات لإزالتها
 

ودعت زعيمة الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي رئيس المجلس بول رايان إلى الانضمام إلى الديموقراطيين ودعم مشروع قانون لإزالة تلك التماثيل.
 

ولا يمكن إقرار الإجراء من دون دعم الجمهوريين الذين يسيطرون على مجلسي الكونغرس.

وقالت بيلوسي إن "التماثيل في الكونغرس يجب أن تجسد أسمى القيم الأميركية، وتعبر عمن نحن وما نتطلع إليه كوطن"، معتبرة أن تماثيل الكونفدرالية "مخزية".
 

وبعد أحداث شارلوتسفيل دعا مشرعون إلى إزالة تماثيل جنرالات الكونفدرالية من مدنهم. وقد بدأت العديد من المدن الأميركية إزالة تماثيل من شوارعها بينها بالتيمور في ولاية ميريلاند.
 

62 % يؤيدون بقاءها
 

وكشف استطلاع للرأي أجرته الإذاعة الوطنية العامة (NPR) ومؤسسة ماريست أن غالبية الأميركيين يريدون الإبقاء على تماثيل الكونفدرالية في مكانها تكريما للقادة الجنوبيين الذين سقطوا في ساحات المعارك.

وشارك في الاستطلاع الذي أجري ما بين 14 و15أغسطس الجاري 1125 أميركيا، قال 62 في المئة منهم إنهم يريدون بقاء التماثيل، فيما قال 27 في المئة إنهم يريدون إزالتها ، وفق قناة " الحرة" الأمريكية .
 

قوانين الإزالة 
 

ذكرت صحيفة "يو إس إيه توداي" الأمريكية، أن عدة دول تحت خط مايسون ديكسون، الفاصل بين مريلاند وبنسلفانيا في الولايات المتحدة، وضعت آليات قانونية تمنع وتصعب من أمر إزالة أو تعديل أو نقل الآثار التاريخية التي تقع ضمن إطار الملكية العامة.
 

في ولاية كارولينا الجنوبية، على سبيل المثال، يتطلب إزالة أي أثر الحصول على ثلثي أصوات المجلس التشريعي، أما في ولاية تينيسي فهناك لجنة تاريخية تشرف على كثير من الآثار، أما المدن في حد ذاتها فلا تملك سلطة الإزالة.
 

الأمر نفسه في جورجيا؛ حيث تحمي القوانين النصب التذكارية والآثار التي تكرم الخدمة العسكرية من الإزالة أو التعديل أو النقل، بما في ذلك الولايات المتحدة أو العديد من ولاياتها أو الولايات الكونفدرالية الأمريكية.
 

أما في مسيسيبي ففي عام 2004 مررت الولاية قانوناً يحظر إزالة أو تعديل التماثيل أو نقل النصب التذكارية التي تكرم للجيش، بما في ذلك التماثيل التي تشير إلى الحرب الأهلية، كما حظرت إعادة تسمية الشوارع أو المدارس أو المباني الحكومية التي تم تسميتها للحرب الأهلية أو غيرها من الشخصيات العسكرية أو الأحداث.


وفي كارولاينا الجنوبية، الآثار الكونفدرالية يحميها أيضاً قانون الدولة للتراث، الذي تم تمريره بعد إزالة علم الكونفدرالية عام 2000 من أعلى قبة المجلس التشريعي ونقله إلى نصب تذكاري مجاور؛ حيث يتطلب القانون ثلثي الأصوات بغرفتي تشريع الدولة لإزالة أو تعديل الأثر.
 

كذلك صعبت الجمعية العامة لولاية تينيسي إمكانية إزالة أثر تاريخي من أي ملكية عامة خلال العام الماضي، مع تمريرها قانون حماية التراث الذي يتطلب تصويت ثلثي أعضاء اللجنة التاريخية، حيث كان القانون قبل ذلك يتطلب أغلبية بسيطة.


الكونفدرالية والحرب الأهلية
 

ويربط معظم الناس بين الكونفدرالية والحرب الأهلية (1861-1865)، حين حاولت الولايات الجنوبية الانفصال عن الولايات المتحدة لسببين رئيسيين هما العبودية وحقوق الولايات، وفق مؤرخين.
 

واعتمد اقتصاد الجنوب على عمالة العبيد، فخلق وصول أبراهام لينكولن إلى البيت الأبيض في مارس 1861 بالإضافة إلى وجود تحركات في الكونغرس لوقف انتشار العبودية، أزمة للولايات الجنوبية.
 
والأسباب التي أدت إلى الحرب الأهلية موضع جدل آخر في المجتمع الأميركي. 

فقد كشف استطلاع أجراه معهد بيو للأبحاث في 2011 عدم وجود إجماع في صفوف الأميركيين حول دوافع الحرب. لكن 48 في المئة من المشاركين قالوا إن السبب الرئيسي هو حقوق الولايات التي كانت تختلف مع الحكومة المركزية، فيما قال 38 في المئة إن العبودية كانت هي السبب الرئيسي. ورأى تسعة في المئة أن السببين متساويان.


الحرب الأهلية
 

وفي عام 1861، اندلعت الحرب الأهلية بين حلف الشمال الذي ضم عضو الحزب الجمهوري وقتها والرئيس الجديد للبلاد أبراهام لينكولن تدعمه في ذلك 23 ولاية، ويقود جيشه الجنرال "يوليسيس إس غرانت" الذي أصبح لاحقاً الرئيس الـ18 للولايات المتحدة، في مقابل 7 ولايات جنوبية معززة بانضمام 4 أخرى مشكِّلة الاتحاد الكونفدرالي الأميركي برئاسة وزير الحرب الأسبق جيفرسون ديفيس، ويقود جيشها الجنرال ديفيد إيمانويل تويغز، والذي كان عمل الجنرال روبرت إي لي تحت قيادته كقائد جيش شمال فرجينيا.
 

كانت خطة الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الأميركي السادس عشر، أبراهام لينكولن، هي محاولة فرض قوانين إلغاء العبودية على جميع الولايات الأميركية، حال فوز مرشحهم الرئاسي عام 1861، إلا أن 7 ولايات أميركية كانت تنوي إعلان انفصالها عن الاتحاد الأميركي في حال فوز المرشح الجمهوري؛ بسبب هذه الخطة.


كانت الولايات الجنوبية تعتقد أن محاولة الرئيس فرض منع العبودية عليها، إنما هو تدخل من الحكومة الفيدرالية في صلاحيات الولاية، والتي من ضمن صلاحية حاكمها السماح بممارسة تجارة العبيد.


الولايات الجنوبية لم تكن تريد هذا فحسب؛ بل أرادت أن تدّعي أحقيتها في توسيع هذه الممارسة إلى ولايات أخرى.


في شتاء عام 1865، قام رئيس الاتحاد الكونفدرالي، جيفرسون ديفيس، بتعيين الجنرال "ي" قائداً عاماً لجيوش الكونفدراليين الجنوبيين، إلا أن الوقت كان متأخراً وسرعان ما أعلن "لي" استسلامه أمام تقدُّم قوات الشمال في 9 أبريل  1865، منهياً بذلك الحرب الأهلية ومفسحاً الطريق للرئيس لينكولن لفرض قانون إلغاء العبودية.


أصبح "لي" فيما بعد رئيساً لكلية واشنطن في مدينة ليكسنغتون بولاية فرجينيا وحتى مماته بالسكتة القلبية عام 1870، والتي أصبحت بعد ذلك جامعة "لي" وواشنطن.


خائن أم وطني؟

 

ورغم أن اليمين، بشكل عام، ينظر إلى الجنرال "لي" على أنه البطل الذي دافع عن الجنوب حتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان الاستسلام في ربيع عام 1865- فإن العديد من المؤرخين يرونه اليوم "خائناً" للعهد الذي قطعه على نفسه يوم أصبح عسكرياً؛ بالحفاظ على تلاحم "الاتحاد" بين الولايات الأميركية في الشمال والجنوب.


ويرفض أستاذا القانون ستيفن لوبيه وألفريد بروفي، في مقال بصحيفة "شيكاغو تريبيون" تحت عنوان "لماذا ترامب على خطأ بالمساواة بين جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) وروبرت إي لي؟"، حيث رفضا تلك المساواة بين روبرت لي وجورج واشنطن على
اعتبار أن الأول "خائن" والثاني "قائد وطني".


ويقول الأستاذان، في مقالهما المشترك المنشور الأحد الماضي: "أولاً وقبل كل شيء، جورج واشنطن كان وطنياً بينما روبرت لي كان خائناً، ثم إن واشنطن قاد رجال بلاده في معركة لإحراز استقلال الولايات المتحدة، بينما بذل (لي) أقصى جهده من أجل تدمير اتحادنا الأكثر كمالاً، من أجل العبودية".


ويحذر الأستاذان الجامعيان بالقول: "وإياك والخطأ، فإن الغرض الرئيس من الكونفدرالية (في الجنوب) كان لإدامة الرق وتوسيعه؛ بل إن الدستور الكونفدرالي الذي أقسم (لي) على الدفاع عنه وحمايته يحظر أي قوانين تمنع معاملة العبيد السود على أنهم ليسوا ممتلكات".


موقف ترامب
 

وعقب عجز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن إدانة الجماعات العنصرية البيضاء في شارلوتسفيل عقب الحادث الذي أودى بحياة امرأة في العقد الثالث من عمرها في اليوم نفسه، بحجة عدم اكتمال المعلومات لديه عن الحادث وقتها- عاد ترامب يوم الثلاثاء 15 أغسطس  الماضي، ليقول بعد إدانته هذه الجماعات: "العديد من هؤلاء الناس (المحتجين على إزالة تمثال الجنرال روبرت لي) كانوا هنالك للاعتراض على إزالة النصب".


وتابع متسائلاً: "إذا أزلنا هذا الأسبوع روبرت إي لي، لاحظت كذلك إزالة تمثال ستونوول جاكسون (أحد الضباط الذين كانوا تحت إمرة لي)، أتساءل: هل سيكون جورج واشنطن الأسبوع القادم؟! وهل سيكون توماس جيفرسون (الرئيس الثالث للولايات المتحدة) الأسبوع الذي بعده؟! ولكن سيكون عليك بحق أن تسأل نفسك، عند أي حد سنتوقف".


وأعرب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن استيائه للحملة التي تشنها بعض الولايات لإزالة "النُصب الكونفدرالية" من ساحاتها العامة والأبنية الحكومية.


وقال ترامب، في 3 تغريدات متتابعة على صفحته الشخصية بموقع "تويتر": "من المحزن أن نرى تاريخ وثقافة بلدنا العظيم يتم تمزيقهما بإزالة تماثيلنا ونصبنا الجميلة".


وتابع في تغريدة ثانية: "لا يمكنك تغيير التاريخ، لكن يمكنك أن تتعلم منه، روبرت إي لي،
وستونوول جاكسون، أيهما سيكون التالي: (جورج) واشنطن أم (توماس) جيفرسون؟ يا لها من حماقة!".


واستطرد في تغريدة ثالثة: "كذلك، سلبت كل هذه الجماليات من مدننا وبلداتنا ومتنزهاتنا، سيتم افتقادها بشكل كبير، ولا يمكن استبدالها بأي شيء مماثل".

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان