رئيس التحرير: عادل صبري 09:15 صباحاً | الجمعة 20 يوليو 2018 م | 07 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

«الحراقة» ... شباب يتركون الجزائر لنخبة مسنة يحكمها «رئيس غائب»

«الحراقة» ... شباب يتركون الجزائر لنخبة مسنة يحكمها «رئيس غائب»

العرب والعالم

«الحراقة» ... شباب يتركون الجزائر للنخبة المسنة يحكمهم « الرئيس الغائب»

«الحراقة» ... شباب يتركون الجزائر لنخبة مسنة يحكمها «رئيس غائب»

مصر العربية - وكالات 31 يوليو 2017 08:49

الجزائر .. إحدى أكثر الدول هدوءاً في العالم العربي ، نُفذ آخر هجوم كبير في عاصمتها منذ عشر سنوات تقريباً، ولم تندلع فيها ثورات الربيع العربي في عام 2011 .. فلماذا انتشرت ظاهرة " الحراقة" بها؟.. وما الذي يدفع شبابها للتطلع إلى الضفة الأخرى للمتوسط عبر "قوارب الموت"؟.
 
تُطلق تسمية "الحراقة" على هؤلاء المهاجرين، الذين يعبرون الحدود، دون أي اعتبار لوجودها؛ بمعنى أنهم "يحرقون" هذه الحدود، طلباً لمستقبل أفضل ودون الحصول على أية تأشيرةٍ للسفر، وهو مصطلح محلي للمهاجرين الذين يستخدمون زوارق غير شرعية في البحر المتوسط.


يغادر آلاف الجزائريين بلادهم خلسة كل عام، على متن قوارب صغيرة، يعبرون بواسطتها البحر الأبيض المتوسط، باتجاه إيطاليا أو إسبانيا، معرضين حياتهم للخطر الداهم في أغلب الأحيان.


ويرى مراقبون ان الجزائر أصبحت دولة الآباء المؤسسين من كبار السن الذين يعيشون بمنأى عن الأحداث أكثر من أي وقت مضى ، حيث يبلغ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من العمر 80 عاماً، وهو حبيس كرسي متحرك ، وفي مايو2017، احتاج إلى المساعدة لكي يقوم بالتصويت، ولم يُلق خطاباً علنياً ​​منذ سنوات، لذلك يسميه النقاد "الميت الحي".


وفي الانتخابات التي جرت، في مايو2017، تبين أن 28% فقط (وفقاً لأرقام الحكومة المبالغ فيها) قد قاموا بالتصويت. وقد أفسد ربعهم بطاقات الاقتراع.
 


وبحسب "الإيكونوميست" يبدو أن النظام عازف عن التغيير، فالحاشية المحيطة بسعيد، شقيق الرئيس بوتفليقة صاحب النفوذ القوي، تناقش إمكانية الاستمرار لفترة رئاسية خامسة بالفعل، بعد انتهاء الفترة الرابعة في 2019، وذلك بإبقاء المنافسين بعيداً وإجراء تعديلات وزارية باستمرار. تبقى الحكومات في المتوسط لفترة أكثر من عام بقليل.


تمدد ظاهرة "الحراقة"
 

وتعتبر الجزائر في المرتبة التاسعة بين البلدان المصدرة للهجرة غير الشرعية، عبر الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، حسبما نقل موقع فرانس 24 عن المنظمة غير الحكومية "الجيريا ووتش".


وبحسب تقرير لصحيفة "الإيكونوميست" البريطانية تعتبر ظاهرة" الحراقة" إحدى  التحديات التي تواجه جهود الجزائر في تنويع اقتصادها، في ظل تراجع إيرادات النفط، وتحفُّظ جزء من النخبة الحاكمة في الوقت ذاته على الانفتاح على العالم.


وبدأت ظاهرة "الحراقة" مع بداية القرن الحالي، إلا أنها أخذت بالتمدد في الأشهر الأخيرة، وهي تثير الكثيرَ من الأسئلة لدى السلطات المعنية. 


وتقول رابطة الجزائية لحقوق الانسان، أن اتجاه هذه الهجرة ليس في طريقه للانعكاس، وأن هذه الهجرة نفسها لن يتضاءل حجمها في القريب، بل هي تتمدد، انطلاقاً من شواطئ العاصمة الجزائر، نفسها، وهي التي كانت حتى وقت قريب، بعيدة عن هذا النوع من الظواهر.


ووفقاً لـ"فرانس 24"  فإنه لا يمكن الاعتداد بالإحصاءات الرسمية، التي تحسب وتذكر فقط، من جرى توقيفهم من "الحرّاقة"، دون احتساب أولئك الذين قضوا غرقاً في عرض البحر أثناء محاولة السفر، وهذا لا يساعد على تقييم ورسم الواقع على حقيقته في هذا المجال.


وتقول أرقام الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن 1200 من "الحراقة" منعوا من المغادرةعام 2016، من قبل حرس الشواطئ الجزائري. أما 2017، فلا يبدو أفضل حالاً من سابقه، مع توقيف 85 شخصاً من "الحرّاقة" في ليلة واحدة، في الثالث من شهر يناير، في مدينة وهران وحدها، و10 آلاف "حراقة" أنقذوا في أعالي البحار من قبل البحرية الجزائرية منذ العام 2005.


هذه المأساة المستمرة منذ عدة أعوام، تعود أسبابها إلى فقدان الأمل والأزمة الاقتصادية، وكذلك المعاناة اليومية، والتطلع إلى غدٍ أفضل. كما يشرح السيد عبد المؤمن خليل، الأمين العام للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، رداً على سؤال لـ "فرانس 24".


"نماذج عديدة من الناس، تطالها ظاهرة الهجرة هذه، ولا تقتصر على الفقراء أو العاطلين عن العمل فقط، بل إن أغلبية المتحمّسين للسفر، هم من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، وكذلك نجد بين هؤلاء "الحرّاقة" نساءً، وقصّراً، ومسنّين، وكذلك مثقفين من حملة الشهادات". كما يقول السيد عبد المؤمن خليل.


من ينجو من الموت خلال الرحلة، من هؤلاء "الحرّاقة" يتعرضُ لنفس المشاكل التي يعاني منها المهاجرون اللاشرعيون في أوروبا والقادمون من المغرب، وتونس، وليبيا. في عام 2014 أوقِف نحو 13 ألفاً من المهاجرين عند وصولهم إلى الحدود الأوروبية.


أما من توقفُه البحريةُ الجزائرية قبل عبوره البحر المتوسط، فيلاحق قضائياً، ويعاقب بدفع غرامة مالية بتهمة الهجرة غير الشرعية، وقد يتعرض للسجن أيضاً.


ودعا هواري قدور رئيس المكتب الوطني للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان الحكومة إلى ضرورة معالجة الأسباب المسببة لتزايد الحرقة في الآونة الأخيرة ، مشيرا إلى انه من أسبابها الرئيسية " فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي اعتمدت في الجزائر وانتشار الفساد ما جعل نسبة البطالة تتجاوز 35 بالمائة بين أوساط الشباب وهو ما يدفعهم للهجرة أيضا تداعيات تراجع أسعار النفط على الاقتصاد الوطني وكذلك سقوط (تاريخي) للدينار الجزائري أمام عملتي الأورو والدولار وتسويق إعلامي للغرب بان الدول الأوروبية أصبحت الفردوس".


وأضاف في تقرير له التقرير أن الهجرة غير الشرعية الجزائرية تواصل عبر البحر المتوسط بالانتشار كالنار في الهشيم فلازال المئات يغامرون بحياتهم وحياة أطفالهم ومستقبلهم أملا في حياة أفضل هذه الظاهرة التي تؤرق الحكومة من خلال رفع عدد الزوارق نصف الصلبة التي تستعمل في ملاحقة قوارب للحراقة في عرض البحر كذلك استعمال طائرات مروحية لمراقبة السواحل بشكل أفضل حيث تخضع السواحل الممتدة على مسافة 1200 كلم لمراقبة بحرية وجوية.


وحذرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان من تنامي تجارة البشر في البحر الأبيض المتوسط التي أصبحت امتدادها يشكل خطرا على الدول النامية والفقيرة وذلك بالانتقال إلى المهربين والذين يجدون من تهريب البشر والاتجار بهم مكسبا ماليا يضاهي التجارة بالمخدرات إذ يجني المهربون بحسب الرابطة نحو 6 مليارات و800 مليون دولار سنويا ونحو 60 ألف دولار أسبوعيا عبر البحر الأبيض المتوسط حيث يقدر سعر تذكرة الهجرة غير الشرعية ما بين ألف إلى 10 آلاف دولار أمريكي أي من 18 مليون سنتيم إلى نحو 180 مليون سنتيم وتختلف الأرقام حسب الدولة المصدرة للمهاجرين حيث يدفع جزائريون وغيرهم ما يقارب المائتي مليون سنتيم لبلوغ الضفة الأخرى.


وأكد هواري في تقريره "أن مكافحة تهريب البشر هي دائما تكون بدون جدوى إذا لم تفتح طرق قانونية وآمنة أمام اللاجئ ويجب أن يعي الجميع أنّ المهاجرين غير الشرعيين ليس بالضرورة أن يكونوا أشخاصاً خطرين كما يعتقد البعض فالأغلب هم الهاربون من الموت أو الباحثون عن ما يوفر لهم العيش الكريم لذا يجب دعمهم والتعامل معهم بشكل إنسانيّ من خلال توفير الطرق القانونية والسليمة حتى لا يعرضوا حياتهم هم وأبناءهم للخطر الشديد" ، بحسب صحيفة " أخبار اليوم"الجزائرية.


وقال هواري أنه من الضروري أن تتعاون الحكومة الجزائرية مع الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان حول هذه الظاهرة والعمل على عدم محاولة تهميشها آو إقصاءها .
 

الأزمة الاقتصادية 


وقالت الإيكونوميست "يجب على حكومة الجزائر أن ترحب بالاستثمار وفرص العمل الجديدة. لكن أصحاب المشاريع المحليين يشكون من أن المسئولين يعوقونهم. فالتراخيص التي كان استخراجها يستغرق فيما مضى شهراً واحداً تمتد الآن لمدة ثلاثة أشهر".


وأشارت إلى ان الوزراء لا يزالون يدعون إلى التنويع (بعيداً عن النفط) والاستثمار الخاص، ولكن العديد من الشخصيات الهامة تبدو قلقة من تقويض إمبراطورية الأعمال الحكومية.

وقال جمال ولد عباس، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني التي تحكم الجزائر منذ الاستقلال، والذي يبلغ من العمر 83 عاماً "يجب ألا تمنح الترخيص للمحتكرين".


لا يزال الاحتكار، من وجهة نظر السيد عباس، من صلاحيات الدولة. وقد قاومت رؤيته للعالم التطور منذ النضال المناهض للاستعمار الذي ساعد في دفعه في الستينات من القرن الماضي "نحن الدولة الإسلامية والعربية الوحيدة التي ظلَّت مخلصة لمُثلها الاجتماعية والسياسية في التضامن مع الفقراء والمهمشين"، كما يقول.


في اعتقاده، تتمتع بلاده بالكثير من المزايا التي تستحق الشكر. فالجزائر أفضل من أي بلد إفريقي آخر على مؤشر "التنمية البشرية" للأمم المتحدة.


وتضيف الإيكونوميست: "الفقراء يعيشون في مساكن مجانية، وإن كانت بائسة. وقد أنهت محطات التحلية مشكلة نقص المياه. ويسير مترو الأنفاق الحديث عبر العاصمة. وتنتشر الطرق السريعة المعفاة من الرسوم في أنحاء البلاد".


وما زالت عائدات البترول بالدولار، بالإضافة إلى الخوف من الحملات الأمنية تفرض حالة من الهدوء. إلا أن الرفاهية والروتين والمخدرات استنزفت حيوية الأمة. فالسلع التي أنتجتها الجزائر بوفرة في الماضي، مثل القمح، يجري استيرادها في الوقت الراهن. ويحصل الخبز والبنزين والحليب على دعم الدولة. كما يحصل الطلاب على الغذاء والنقل بالإضافة إلى التعليم مجاناً ، وفقا للصحيفة.


إلا أن الحكومة لم تعد قادرة على الحفاظ على توازن النفقات والمصروفات. فمنذ انهيار أسعار النفط عام 2014، فقدت الجزائر 90% من رصيد عائدات النفط. وأنفقت تقريباً نصف الاحتياطي الأجنبي، ويمكن أن ينفد الباقي في غضون عامين.


خلال العام الماضي 2016، تخطَّى عجز الميزانية حاجز 17% من الناتج المحلي الإجمالي GDP. ونظراً لاعتمادها على النفط والغاز على مدار عقود، تمثل رد الفعل التلقائي للحكومة في زيادة الإنتاج.


ويبدو أن الحكومة عاجزة عن هيكلة الدولة من جديد. في ثمانينات القرن الماضي، اندلعت احتجاجات بسبب الخبز عندما حاولت الحكومة خفض الدعم، ما أدى إلى تفوق الإسلاميين في صناديق الاقتراع.


وكشف عبد المجيد تبون، أحدث رؤساء الوزراء في الجزائر عن خطة اقتصادية أخرى، في العشرين من يونيو  2016، متحدثاً عن الحاجة إلى ترشيد الدعم، ثم خصص 3 مليارات دولار لتنفيذ خطة إسكان اجتماعي والعمل على مشروع الرئيس المفضل، وهو بناء ثالث أكبر مسجد في العالم.


وتعثرت عمليات الخصخصة. وظلت عمليات تقييم ثماني تكتلات حكومية بدأت في طرح أسهمها عام 2014 مُعلَّقةً. بينما تفتح البورصة أبوابها ساعتين في اليوم، ومرتين في الأسبوع. وسعياً لتحقيق العزلة التامة، يعمل أصحاب الثمانين عاماً الموجودون في سُدة الحكم منذ الاستقلال على إحباط الأجانب والمضاربين لتخوفهم من احتمال تحكمهم في مصير الجزائر.


كما قاموا بتسديد الدين الخارجي للدولة، وأغلقوا حدودها البرية وأصدروا قانوناً يحدد الاستثمار الأجنبي بنسبة 49%. ويمكن لمجهوداتهم أن تأتي بنتائج عكسية. فكما يرى عبد الرحمن بن خلفة، وزير المالية وأحد مشجعي القطاع الخاص، الذي جرى استبداله في مطلع هذا العام 2017، عندما ينفد الاحتياطي، "لن يكون أمامنا سوى صندوق النقد الدولي IMF، وسيقوم الصندوق بإملاء شروطه".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان