رئيس التحرير: عادل صبري 03:50 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

المرابطات الفلسطينيات.. سيوف الأقصى

المرابطات الفلسطينيات.. سيوف الأقصى

العرب والعالم

فلسطينية

المرابطات الفلسطينيات.. سيوف الأقصى

أحمد علاء 23 يوليو 2017 23:57

"هذا أقصانا.. هذه أرضنا".. تركت تلك المسنة الفلسطينية وراءها دنياها، ووقفت أمام المسجد الأقصى تدافع عنه، وأمامها فوهات بنادق الاحتلال وبواباته الإلكترونية، تقول لقواته "هذه أرضنا فأنتم طارئون.. جئتمونا فأنتم محتلين.. وإنا منكم لسنا خائفين".

 

هذه كلمات رصدتها أعين كاميرات، بثّت حديث تلك المسنة الفلسطينية التي رابطت عند "الأقصى" رفقة آلاف غيرها من السيدات، من الأطفال حتى المسنات، وقفن ضد الاحتلال وأعدن إلى قضيتهن زخمها.

 

المرابطات هن سيدات يقصدن الساحات المظللة لقبّة الصخرة، بعد منع قوات الاحتلال الرجال الذين تقل أعمارهم عن أربعين عاماً من الصلاة في المسجد لفترات محددة، فاضطلعت النسوة بهذه المهمة، واخترن مواجهة شرطة الاحتلال الصهيوني والرباط في الأقصى حماية له.

 

هؤلاء الأبطال يتركن بيوتهن فجرًا بعد أن يوقظن أطفالهن ويُعددنَ لهم الطعام، يتوجّهن إلى الأقصى باكرًا ليسبقن المستوطنين الإسرائيليين، ومهمتهن منع قوات الاحتلال ومستوطنيه من تدنيس المسجد.

 

اختارت اللواتي يسمين أنفسهن المرابطات أن يكنّ خط الدفاع الأول عن الأقصى من اقتحامات المستوطنين الاستفزازية، وقررن أن يجتمعن من كل مدن وقرى فلسطين المحتلة مع توحيد زيّهن ذي اللون الأسود، مع وضع النقاب على وجوههن، ومهمتهن سهلة صعبة إرهاب المستوطنين بالتكبير.

 

ولا يدخلون المسجد على شكل الجماعات حتى لا تمنعهن شرطة الاحتلال، فيعملن بالاتفاق على أن تدخل كل واحدة منهن من بوابة مختلفة بلباس عادي، ثم يختفين برهة ويخرجن بزيّهن الأسود الموحد، ويجلسن عند أقرب مصطبة "حلقة" على باب المغاربة الذي لا يفتح إلا للمستوطنين، وفور وضع أي مستوطن رجله في ساحة الأقصى يبدأن التكبير ويقمن بالالتفاف حول المستوطنين لمنعهم من أداء أي سلوكيات.

 

شرطة الاحتلال تعتقل المرابطات بتهمة التكبير وهن في محيط المسجد الأقصى كلما أقدمن على ذلك لمرور فوج سياحي أو مجموعة من اليهود المتطرفين، مبررة هذا الإجراء بأنه يقع تحت طائلة بند "منع الوصول إلى مكان مقدس"، وهو قانون يهودي خاص بأماكن إقامة الشعائر الصهيونية، الأمر الذي دعا لاعتبار هذه الحادثة سابقة خطيرة، بظاهر قانوني، وباطن يراد به تهويد المسجد الأقصى، أو بالأحرى الاستيلاء عليه.

 

الانتهاكات التي مارستها قوات الاحتلال خلال الأيام الماضية وإغلاقها صلاة الجمعة أمام في المصلين في المسجد الأقصى ووضعها بوابات إلكترونية كشرط للدخول هي أحداث لفّت العالم كله، وأثارت غضبًا شعبيًّا في بلدان كثيرة، لكنّها بيّنت أيضًا حراكًا فعالًا للمرابطات.

 

وفي الانتهاكات الأخيرة، حاولت المرابطات المقدسيات في المسجد الأقصى عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أن يدفعن متابعيهن من الفلسطينيين وكافة أقطار العالم، إلى التحرك الفوري والعاجل من أجل إنقاذ المسجد الأقصى المبارك، ووقف كافة الاعتداءات الإسرائيلية بحقه وآخرها البوابات الإلكترونية.

 

مرابطات الأقصى.. كلمات البطلات

 

إحدى المرابطات نشرت مؤخرًا رسالة إلى عائلتها وكتبت عبر "فيسبوك": "انطلاقًا من تحمّل مسؤولية المسجد لأقصى المبارك ودعمًا لموقف أهل القدس خاصة وفلسطين عامة برفض الدخول إلى المسجد الأقصى عبر البوابات الإلكترونية والرباط على الأبواب حتى إزالتها؛ فإني أدعو عائلتي بكافة رجالها وشبابها وأطفالها إلى الحذو حذو العائلات المقدسية بالدعوة والتعميم لكل من يستطيع النفير إلى أبواب المسجد؛ وعدم الدخول عبر بوابات الذل، لنكن على قدر من المسؤولية والانتماء، لنكن جزءًا من أيام عز تكتب في صفحات التاريخ، لنكن جزءا من هذا المشهد العظيم".

 

المرابطة ذاتها نشرت دعاء يحمل قسمًا بأنَّ البوابات الإلكترونية لن تمر: "اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة.. وهذا الجهد وعليك التكلان.. أقسمنا عليك يا الله ألا تمر هذه البوابات.. أقسمنا عليك يا الله.. ورب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه".

 

مرابطة أخرى نشرت فيديو من تصويرها لآلاف المصلين الذين يحتشدون أمام بوابات الأقصى ويرفضون الدخول إليها إلا بإزالة البوابات الحديد، وعلقت على الفيديو وكتبت: "والله إني أرى بشائر النصر قريبة، الآلاف من المقدسيين عند باب الأسباط يرفضون الرضوخ لشروط الاحتلال".

 

وحللت في منشور آخر، ما يشكله ضغط المقدسيين من حالة إرباك لقوات الاحتلال التي باتت تتخبط من صمود المصلين ورفضهم الدخول عبر تلك البوابات "الثبات الثبات يا أهل الأقصى والقدس. والله إنها باتت وشيكة وقريبة جدًا، الاحتلال بات يفقد صبره وبات يبحث عن أي مخرج مشرف له من ورطته، وأفضل رد على تراجع الاحتلال هو رفع سقف الصمود والإصرار كل الإصرار على إنهاء كل أشكال الغطرسة الصهيونية من إبعاد وبوابات وغيرها".

 

مرابطة ثالثة معروف عنها قوة رباطها في المسجد الأقصى المبارك، وارتباطها فيه، نشرت على صفحتها منشورًا "#جمعة_الغضب ليكن لكل منا شرف الرباط على أعتاب الأقصى والغضب لأجل مسرى الحبيب.. لن يسامح التاريخ كل خوان ومتأمر ومتخاذل".

 

تسلحت تلك المرابطة بمنشور نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية حول السيادة على المسجد الأقصى المبارك، وجاء فيه بحسب الصحيفة: "الأيام الأخيرة أثبتت أن السيادة على المسجد الأقصى ليست لإسرائيل ولا للأوقاف الإسلامية ولا للأردن، السيادة في المسجد الأقصى للمقدسيين".

 

عند أي اقتحام للأقصى أو اعتداء من قبل المستوطنين أو الشرطة الإسرائيلية، تجد المرابطات يتصدّرن مشهد الدفاع عن الأقصى، فتكون المرابطة أول من يفديه بالدم والجسد والروح، بعدما فدته بوقتها ومالها وعملها ومنزلها، فتراها تصدح بالتكبيرات بكل ما أوتيت من قوة في وجه المستوطنين وجنود الاحتلال، يوميًّا في أروقة الحرم القدسي الشريف، وفي أزقّة القدس القديمة عندما تحتدم المواجهات.

 

"أم طارق".. بطلة مرابطة

 

أم طارق الهشلمون إحدى أبرز المدافعات الفلسطينيات عن المسجد الأقصى المبارك، وتعرّضت في كثير من الأحيان للاعتداء والضرب وإصدار عدة قرارات بإبعادها قسرًا عن دخول الأقصى، والإقامة الجبرية في منزلها، من قبل سلطات الاحتلال؛ بسبب دورها في حماية الأقصى والدفاع عنه.

 

البطلة الفلسطينية تقول: "مرابطات الأقصى هن خط الدفاع الأول عن المسجد المبارك مع حراس الأقصى، وهذا الدور نقوم به منذ سنوات طويلة، ونحاول بكل جهد وقوة وعزيمة نملكها التصدي للاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه والدفاع عن الأقصى بكل ما نملك".

 

وتضيف لـ"الخليج أون لاين": "المرابطات دائمًا ما يتصدرن المشهد في الدفاع عن الأقصى، والعشرات منهن تعرّضن للضرب والسحل والإهانة والإبعاد من قبل سلطات الاحتلال؛ بسبب الدور الكبير الذي نؤديه في حماية الأقصى والتصدي للمستوطنين المتطرّفين، ولكننا لن نملّ أو نكلّ، وسنبقى ندافع عنه حتى آخر نفس نملكه".

 

مكانتهن عظيمة

 

الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى المبارك أشاد بـ"الدور الكبير" الذي تؤديه المرابطات في الدفاع عن المسجد الأقصى، مؤكدًا أنهن "جنود الأقصى" في الدفاع عنه وحمايته.

 

وقال صبري: "للمرابطات مكانة عظيمة وقوية في المسجد الأقصى، فهن خط الدفاع القوي في وجه الاحتلال ومستوطنيه، وكان لهن دور كبير في إحباط العشرات من محاولات التسلل للأقصى وسرقة محتوياه وتدنيسه، فهن يؤدين نداء الأقصى بشكل فوري وقت الحاجة".

 

وأضاف: " هناك العشرات من المرابطات توكل لهن مهام محددة للقيام بها داخل المسجد الأقصى من حراسة وتنظيف والإشراف على بعض الأقسام الهامة داخل المسجد ومصاطب العلم، ورغم كل تلك المهام فإنك تجدهن في الصفوف الأولى لصد المحتل".

 

امرأة بألف رجل

 

أمّا الباحث الدكتور خالد معالي فيقول: " كل فتاة وامرأة فلسطينية واحدة من القدس المحتلة ترابط في باحات وساحات المسجد الأقصى؛ تعد بألف رجل، من رجالات اليوم؛ هم أشباه رجال لا رجال؛ يتفرجون، ولا يحركون ساكنا لحماية أو الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك".

 

ويضيف في مقال كتبه لـ"أمد": "نساء القدس المحتلة لم يحملن بندقية أو حجرًا أو سكينًا، بل حملن عظمة وقوة الإيمان بالله، وحب المسجد الأقصى؛ فأبين أن يرين الأقصى يدنسه مستوطنون مستجلبون من الخارج، وغدًا هم راحلون؛ فرحن يرابطن ويحمين الأقصى بأجسادهن وبهتافات التكبير وتلاوة القرآن الكريم، وهو ما يغيظ شرطة وجنود الاحتلال".

 

ويتابع: " حماية المسجد الأقصى المبارك؛ تجلت في أسود من المرابطين والمرابطات اللواتي يذدن عنه في زمن قل فيه الرجال من أمة العرب؛ التي تتفرج على تدنيس المسجد الأقصى المتواصل؛ وصولاً إلى تقسيمه كما حصل مع الحرم الإبراهيمي إن ظلّ الحال السيئ على ما هو عليه".

 

ويواصل قائلًا: " مما يغيظ الاحتلال ويملؤه قهرًا ويغيظه؛ هو عدم معرفته للسر الذي يدفع فتيات ونساء القدس للدفاع عن المسجد الأقصى والمرابطة فيه، وتقديم أرواح الكثيرين دفاعا عنه وفداء له، كون الاحتلال لا يقر بالحق الفلسطيني، ولا يعترف بحرية العبادة للمسلمين؛ ولا يعرف سر تعلق المسلم بدينه".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان