رئيس التحرير: عادل صبري 08:13 مساءً | الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م | 07 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

ديمقراطية وديكتاتورية في الاستفتاء التركي.. السلطان يصطدم بالمعارضة

ديمقراطية وديكتاتورية في الاستفتاء التركي.. السلطان يصطدم بالمعارضة

العرب والعالم

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

قبل أيام من إجرائه..

ديمقراطية وديكتاتورية في الاستفتاء التركي.. السلطان يصطدم بالمعارضة

أحمد علاء 12 أبريل 2017 09:04
 
أيام قليلة تفصل تركيا عن أهم استفتاء في تاريخها، على التعديل الدستوري، بموجبه تتحدد خريطة أنقرة السياسية داخليا وخارجيا، ذلك الحراك الذي أثار جدلًا في الداخل بحالة استقطاب واسعة، وأحدث أزمات في الخارج حيث اندلعت خلافات عدة بين أنقرة ودول أوروبية بسبب هذا الاستفتاء.
 
في المقترح الذي قدَّمه حزب العدالة والتنمية الحاكم مدعومًا بحزب الحركة القومية - ثاني أكبر أحزاب المعارضة، يُستفتى رأي الأتراك يوم الأحد المقبل على 18 تعديلًا دستوريًّا، أهمها زيادة عدد نواب البرلمان من 550 نائبًا إلى 600 نائب، وخفض سن الترشح للبرلمان من 25 إلى 18 عامًا، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يوم واحد مرةً كل خمس سنوات.
 
تضمَّنت التعديلات أيضًا إلغاء منصب رئاسة الوزراء وأن يكون رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية، وإلغاء العمل بالمحاكم العسكرية باستثناء أوقات الحرب، إمكانية فتح تحقيق مع رئيس الجمهورية من خلال الحصول على ثلاثة أخماس عدد النواب عبر تصويت سري.

 

تشابك بالأيدي في البرلمان

 
حالة استقطاب داخلي وصف بها الوضع في تركيا إزاء الاستفتاء، وهو تقييمٌ دلَّل عليه ما شهده البرلمان في 21 يناير الماضي، حين وصل الخلاف إلى حد العراك والتشابك بالأيدي في الجلسة التي شهدت تصديق المجلس على إجراء الاستفتاء.
 
حالة الاستقطاب وجدت دليلًا آخر وهو نسبة التوقع، فالرئيس رجب طيب أردوغان رجَّح أن يدعم الاستفتاء 60%، ورأى كمال كيلجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري أنَّ النسبة ذاتها سترفض التعديلات.
 

 

حشدٌ بنعم.. وحشدٌ بلا

 
فوسط حشد الحكومة للدفع بالتصويت بـ"نعم" في الاستفتاء، خرجت المعارضة تتهمها بأنَّها تقود البلاد نحو ما أسمته "الحكم الديكتاتوري" من خلال نزع السلطة من البرلمان.
 
زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض قال: "في حال أقرت هذه التعديلات فإنَّ الديكتاتورية ستصبح أمرًا واقعًا هنا، وسنخلق ديكتاتورًا يستطيع فعل أي شيء ولا يمكن لأحد المساس به".
 
وأضاف: "سيتغير نظام البلاد حال إقرار التعديلات من برلماني إلى رئاسي ديكتاتوري ولن يكون هناك أمان لأحد لا فيه ماله ولا على نفسه، وسيعمل القضاة لصالح القصر فقط وستفلس العدالة تمامًا".
 
ورغم حصول الحزب الحاكم على دعم من حزب معارض "الحركة القومية" لطرح الاستفتاء في حسم الأمر لصالح تأييده، فمقابل هذه الكفة تبلور رفضٌ من قِبل حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي، ما جعل الحسم في يد الأتراك.
 
معارضو هذه التعديلات اعتبروها مخططًا من الرئيس رجب طيب أردوغان لتوسيع صلاحياته، ومحاولةً منه للبقاء رئيسًا لتركيا أطول فترة ممكنة، فضلًا عن الخوف من المزيد من التوجهات التي وصفوفها بـ"السلطوية".
 
لكنَّ الحكومة دافعت عن هذه التعديلات، وقالت إنَّها ستجنِّب البلاد ازدواجيةً في رأس السلطة، وأكَّدت أنَّها ستمنح البرلمان قوة كبيرة، وفسَّر ذلك وزير العدل بكير بوزداغ، حين صرَّح قبل أشهر: "هذا النظام عندما يدخل حيز التنفيذ فإنَّ البرلمان سيصبح في حالةٍ أقوى؛ لأنَّ الشعب حاليًّا يختار السلطة التشريعية فقط ولا يختار السلطة التنفيذية، فالوضع الحالي يفرض أن تكون الحكومة بمجملها من الحزب الفائز، واليوم لا يمكن لأحد أن ينظر إلى قانون إن لم يرغب بذلك حزب العدالة والتنمية (الحاكم)".
 
الوزير أضاف: "الشعب وفق هذه التعديلات سيتمكن من اختيار السلطتين بشكٍل مختلف وبشكل مباشر".
 
السعي نحو تعديل الدستور في تركيا ليس جديدًا، ففي عام 2007 أعلن حزب العدالة والتنمية نيّته العمل على تغيير الدستور الذي صاغه قادة الجيش بعد "انقلاب 1980"، إلا أنَّه على مدار السنوات السبع الماضية يواجه هذا المسعى صعوبات عديدة لم تنجزه.
 
 
العلمانية.. لغم
 
أحد أهم العقبات التي حالت دون تعديل الدستور هو مبدأ "العلمانية"، فكانت المادتان الثانية والثالثة هما المعرقلان دومًا للتعديل، وفيهما أنَّ "تركيا دولة ديمقراطية علمانية اجتماعية تحكمها سيادة القانون، تحترم حقوق الإنسان، وتلتزم بمفهوم أتاتورك للقومية، وتستند إلى المبادئ المنصوص عليها في افتتاحية الدستور في إطار فهم السلم الاجتماعي، والتضامن الوطني والعدالة".
 
أيضًا، دخل النظام الرئاسي على خط الأزمة، فالحديث عن تحوُّل تركيا من "برلمانية إلى رئاسية" كان كفيلًا لمعارضون كثيرون باعتبار التعديل محاولةً لجمع السلطات والصلاحيات في قبضة الرئيس وتهميشًا لدور البرلمان.

 

أوروبا وتركيا.. شظايا الاستفتاء تتوسع

 
الاستفتاء لم يكتفِ بحالة استقطاب في الداخل، لكنَّ شظاياه امتدت لتحرق– أو تكاد تكون - علاقات تركيا مع دول أوروبية، والحديث هنا عن دول بينها ألمانيا وهولندا وآخرون.
 
منعت السلطات الألمانية تجمعات للأتراك تحشد للتصويت بـ"نعم" في الاستفتاء، لكنَّ هولندا منعت دخول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو للغرض نفسه، ضمن سلسلة زيارات خطَّط مسؤولون أتراك لإجرائها من أجل لقاء مواطنيهم ودعوتهم للتصويت بـ"نعم".
 
هولندا التي اعتبرت أنَّ زيارة وزير الخارجية التركي كانت ستهدِّد أمنها القومي، هدَّدها أوغلو نفسه بفرض عقوبات، فمنحته عرضًا، وهو أن يلتقي أعضاء جاليته بلاده في سفارة بلاده أمَّا دون ذلك فــ"لا".
 
ردَّت أنقرة باستدعاء القائم بالأعمال بالسفارة الهولندية، أمَّا أردوغان فوصف السلطات الهولندية بأنَّها "بقايا الفاشية والنازية"، قبل أو يلوِّح هو الآخر بفرض عقوبات.
 
أوغلو صعَّد من وقْع الهجوم، فقال إنَّ أمستردام تحتجز الأتراك كرهائن عبر حظرها اللقاءات الحاشدة معهم، وأعاد تهديده بعقوبات سياسية واقتصادية وصفها بـ"القاسية"، بينها إلغاء الاتفاقات حول تدفق المهاجرين.
 
 
ألمانيا هي الأخرى أعاقت تجمعات كان ينوي مسؤولون أتراك عقدها مع ذوي أصول بلادهم، بينما سمحت بها في بعض الأحيان على نطاق ضيق وفي مقار دبلوماسية تركية.
 
أدروغان اتهم برلين بما اتهم به أمستردام "النازية"، وهو ما أغضب المستشارة أنجيلا ميركل، فدعت أردوغان للتوقف عن هذه اللهجة، وقالت إنَّها لن تسمح للصراعات الداخلية التركية بأن تنتقل إلى مواطنيها من ذوي الأصول التركية.
 
أوروبيًّا على نطاق أوسع، يواجه نظام أردوغان بأنَّه يسعى لشرعنة ما يسمونها "الديكتاتورية"، ما دعا ألمانيا وهولندا والنمسا وسويسرا ودول أخرى أنَّها لن تشارك في هذه العملية ولن تقدم التسهيلات لها، فردَّ أردوغان وكرَّر: "هذه ليست نزاعات فاشية ونازية تتصاعد وتتسع".

 

تركيا وهولندا.. من يتدخل في شؤون من؟

 
نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الحاكم ياسين أقطاي قال إنَّ بلاده لا تتدخل في شؤون الدول الأوروبية حتى تمنع بعض هذه الدول تنظيم تجمعات على أراضيها، لافتًا إلى أنَّ هولندا وألمانيا هما الذان مارسا تدخُّلًا في الشأن الداخلي التركي.
 
وأضاف لـ"الجزيرة": "الشعب هو الذي سيؤيد هذا المقترح أو سيرفضه، وأغلب الشعب يؤيد هذا الاستفتاء، لكن ألمانيا وهولندا تدعمان المعارضة التركية وهذا تدخل في شؤوننا".
 
وتابع: "هناك أكثر من خمسة ملايين تركي في أوروبا، ومنهم مليونان ونصف مليون مصوِّت، ولهذا فالأمر في حاجة إلى حملات، سواء لنا كمؤيدين للاستفتاء بل للمعارضة أيضًا في حاجة إلى التحرك وفق قدراتهم، ولا نحن فقط نمنع من تنظيم مثل هذه التجمعات لكنَّ المعارضة يسمح لها".
 
مارتين زيخرز الخبير في العلاقات الهولندية الشرق الأوسطية قال إنَّ أسبابًا عميقة وراء رفض هولندا تنظيم تجمعات للحشد للتصويت بـ"نعم" منعًا للتدخل التركي في شؤون الأتراك المقيمين على أراضيها.
 
زيخرز أوضح أنَّ الحكومة الهولندية تخشى من عقد مثل هذه التجمعات تحسبًا لاستغلالها من قبل "اليمين المتطرف" في الانتخابات المقبلة بداعي تدخل تركيا في الشأن الهولندي وتصديرها لسياساتها إلى أمستردام.
 
المحلل الهولندي أشار إلى أنَّ موقف بلاده متعلق بأردوغان بشخصه، غير أنَّه أكَّد أنَّ الرئيس التركي سيستفيد من هذه الأزمة، حين هدَّد بفرض عقوبات على دول أوروبية، ووصف الهولنديين بـ"النازيين" خلال إحدى تجمعاته، وهو ما سيمنح موقفه المؤيد للاستفتاء أصوات أكثر.
 
ياسين أقطاي السياسي التركي اتفق مع هذا الطرح، فقال إنَّ أي صراع يجمع أردوغان بالدول الأوروبية يفيد الرئيس، مذكِّرًا بمحاولة الانقلاب التي وقعت في منتصف يوليو الماضي، حيث رأى أنَّ موقف أردوغان بات أكثر قوة.
 
أقطاي شدَّد على أهمية الحفاظ على العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي ميتنة، رافضًا في الوقت نفسه الحديث عن تضرُّر العلاقات بين بلاده ودول القارة بسبب أزمة الاستفتاء.
 
لكنَّ أقطاي أعرب عن تخوفه على مستقبل أوروبا تحت حكم القادة الحاليين كألمانيا وهولندا، قائلًا إنَّهم ادعوا إتباعهم بالقيم الأوروبية من حقوق الإنسان وحرية التعبير والديمقراطية على غير الحقيقة، حسب قوله. 
 

وتشير استطلاعات الرأي القريبة نوعا ما من الموضوعية (على قلتها) إلى تقدم الموافقين على التعديل الدستوري على المعارضين بنسبة تتفاوت بين شركة وأخرى، إلا أن خبرتنا في طريقة عمل هذه الشركات ومدة تقارب نتائجها مع النتائج الرسمية في عدة مناسبات انتخابية أجريت مؤخرا في تركيا يدعونا لعدم التعويل عليها، إذ يسعى معظمها عبر نتائجه التي يعلن عنها إلى التأثير على رأي الناخب بدل التعبير عنه. 

 

كما تجري الأحزاب المختلفة استطلاعات رأي خاصة بها تبقي نتائجها طي الكتمان للاستفادة منها في توجيه حملاتها الانتخابية، بحيث يركز كل حزب في الأيام الأخيرة على المناطق التي يتراجع التصويت فيها لخياره وعلى المواد التي تحظى بأكبر قدر من النقاش والتحفظ، وهذه الاستطلاعات هي الأقرب للدقة والموضوعية.

وفي هذا الإطار، تشير مصادر إلى أن آخر استطلاع رأي أجراه العدالة والتنمية يشير إلى نسبة موافقة في حدود %53.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان