رئيس التحرير: عادل صبري 04:19 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

"تمرد" بنغلاديش.. من القضاء العسكري إلى المحاكمة المدنية

بسبب الأحكام الهزيلة والضغوط السياسية

"تمرد" بنغلاديش.. من القضاء العسكري إلى المحاكمة المدنية

وسام فؤاد 07 نوفمبر 2013 09:40

حكمت محكمة مدنية اليوم على المشاركين في تمرد فبراير 2009 بإعدام 152 منهم، كما قضت بالسجن المؤبد بدون إمكان إطلاق السراح على 150 منهم، استنادا لإدانة محكمة عسكرية لهم، وبعد الاطلاع على أدلة تورطهم في أعمال قتل وتعذيب وتخريب راح ضحيتها 74 ضحية ما بين قيادات عسكرية ومدنيين.


وكانت المؤسسة العسكرية في بنجلاديش قد ألقت القبض على 6000 من العسكريين؛ ما بين ضابط وصف ضابط وجندي، استبقت منهم قرابة 800 جندي في السجون للاشتباه في تورطهم في التمرد، وحكمت على معظمهم بأحكام بلغ أقصاها 7 سنوات.


وقد أدت التحقيقات إلى اتهام 23 متهما مدنيا، من بينهم زعيم رابطة العوامية في بنجلاديش "تراب على"، وأحد زعماء حزب بنجلاديش القومي "نصير الدين أحمد بينتو". وقد أدى ضعف الأحكام العسكرية ووجود مدنيين من بين المتهمين إلى ضغط القيادات العسكرية والسياسية؛ لتحويل القضية للقضاء المدني، الذي قضى بالعقوبات سالفة الذكر.

 

صراع طبقي بالجيش
التمرد الذي استمر قرابة 30 ساعة، وبدأ في مدينة دكا، ومنها انتشر إلى عدة قواعد عسكرية في مختلف أنحاء بنجلاديش. نتج عن شعور بالسخط في أوساط الرتب الدنيا والمجندين؛ نتيجة سوء المعاملة والرواتب الضعيفة مقابل الخدمة الشاقة.


وربما كان التفاوت في الدخول ظاهرة مسلم بها في مجتمع بنجلاديش؛ نتيجة وجود تراث من الثقافة القدرية التي تسلم بالأمر الواقع؛ بالإضافة لوجود جوار مع ثقافة سنسكريتية هندية كانت تعتبر التفاوت الاجتماعي – الثقافي أمر مسلم به، ويرتبط بذلك نمط اقتصادي ينخرط في التحولات الاقتصادية العالمية.


ويكرس ذلك التفاوت الحاد على الصعيد الاقتصادي - الاجتماعي بدون أن يوفر آليات قوية لتجاوزه بالرغم من أن حزب العوامية، الذي تتزعمه رئيسة الحكومة الشيخة حسينة حزب ذو أصول يسارية.


غير أن المجتمع المعاصر، لا يمكنه أن يغفل طبيعة النمو الاقتصادي المنبني على طرح رأسمالي، الذي يفرض نفسه على بنجلاديش. فهذا النموذج التنموي يقوم على قاعدة أساسية، مفادها أن النمو الاقتصادي ظاهرة تضخمية؛ ينعكس جزء من تضخمها على الغلاء المضطرد في أسعار السلع والخدمات، وهو ما أرسل رسالة قوية آنذاك إلى الحكومة الجديدة بقيادة الشيخة حسينة، ربما لم تستطع الاستجابة لها بسبب؛ أنماط تحالفاتها الحزبية العلمانية القوية التي تميل لتبني رؤية نيوليبرالية.


التكتلات الحزبية في بنجلاديش طابعها ثقافي أكثر منه اقتصادي، حيث ينقسم المجال العام في بنجلاديش ما بين كتلتين؛ أولاهما تتشكل من تحالف قومي – إسلامي تتزعمه الشيخة خالدة ضياء، والثاني تكتل علماني بالأساس ذو خلفيات يسارية وليبرالية تتزعمه الشيخة حسينة.


 ويمكن القول، "إن التراث اليساري لحزب عوامي من الممكن ألا يكون أصيلا؛ إذ يرتبط في تأسيسه بتوجه الشيخ مجيب الرحمن نحو تبني خطاب يساري كغطاء لإجراءات اتخذها ليواجه المجاعة التي ضربت بلاده عامي 73-1974؛ قبل أن يتم اغتياله في عام 1975؛ ويعد الشيخ مجيب الرحمن والد الشيخة حسينة؛ رئيسة الحكومة الحالية".


وفي إطار هذا المشهد، لا تعتبر مطالب تمرد هي التعبير الوحيد عن التفاوت الطبقي داخل جيش بنجلاديش. فتحليل إدارة هذه الأزمة يكشف عن حدوث استقطاب مدني – عسكري في إدارتها ما بين رغبة الحكومة الجديدة في التفاوض مع التمرديين، وبين رغبة كبار العسكريين في مواجهة هذا التمرد مواجهة عسكرية دموية، وكان موقف كبار العسكريين منبئا عن وجود أزمة طبقية حقيقية داخل الجيش؛ ربما تغلفت بضرورة احترام مبادئ العسكرية.


ومن ناحية ثالثة، فإن الرأي العام في بنجلاديش، وهو رأي عام معارض لظاهرة التمردات العسكرية التي عانى منها، كان الرأي العام في البداية مؤيدا لمطالب التمرديين التي رآها مشروعة بالنظر للتضخم الذي تعاني منه بنجلاديش مقارنة بمستوى الدخول فيها.


 لكن هذا الرأي العام لم يلبث أن انقلب ضد التمرديين؛ بسبب أعمال القتل التي باشروها بين المدنيين؛ وذلك بعد ساعات من قيامهم بتمردهم الذي اقترن بقتل وحشي لحوالي 57 ضابطا عالي الرتبة، تم إحراق جثث بعضهم وإغراق بعضهم الآخر في مجاري الصرف الصحي.


ومن ناحية رابعة، ومما يدعم استفحال هذه الظاهرة في المجتمع البنغالي، فإن القاضي محمد أخطر الزمان الذي نظر القضية لم يتردد في الإشارة لهذا التفاوت الطبقي في حيثيات حكمه.


وبرغم أنه أنزل بالتمرديين أحكاما رادعة؛ إلا أنه لم ينظر إلى القضية من زاوية كونها عسكرية؛ بل ركز على ما تم ارتكابه من جرائم، ولم يفته أن يحث الحكومة على معالجة ظاهرة التفاوت الاقتصادي – الاجتماعي داخل قوات بنجلاديش المسلحة.


الإدارة المدنية للأزمة
ألقى تاريخ بنجلاديش الحديث والمعاصر بظلاله على إدارة الأزمة حتى آلت لما آلت إليه. فالبلد الذي عانى من تمردات واضطرابات عدة ذات عمق عسكري منذ منذ تأسيسه، والتي انتهى أولها باغتيال مؤسس بنجلاديش الشيخ مجيب الرحمن، وهو والد رئيسة الحكومة البنغالية الحالية.


وقد أدى اغتياله إلى قيام سلسلة تمردات انتهت بتمرد أتى بالجنرال حسين محمد إرشاد للسلطة، حتى أدى انتهاء الحرب الباردة للإطاحة به لتعود بنجلاديش لسيرتها التعددية السياسية.


هذا التاريخ المضطرب؛ بسبب متتالية التمردات العسكرية أدى إلى توفر إرادة لدى حكومة الشيخة حسينة لرفض مواجهة التمرد عبر مواجهة عسكرية بين الهيكل الأساسي للجيش وبين القطاع المنقلب، الذي لم يتجاوز 6000 جندي من إجمالي تعداد القوات المسلحة لبنجلاديش والبالغ 200.000 جندي، وفق بيانات حكومة بنجلاديش، حيث آثرت الشيخة حسينة مواجهة التمرد بالتفاوض، وهو ما تسنى لها، ليعلن التمرديون استسلامهم بعد 30 ساعة من قيام التمرد.


لم يخل الأمر من وجود ضغوط للعسكر بضرورة سحق من قاموا بهذا التمرد، وكانت حجتهم في ذلك أن التفاوض ربما يبعث الرسالة الخاطئة لأية عناصر من القوات المسلحة لتقوم بعمل مماثل؛ مما يهدد استقرار البلاد، وهي وجهة نظر لم يكن من الممكن تجاهلها والتهديد بحدوث أحد أمرين؛ إما أن تتكرر التمردات لتدخل بنجلاديش في دوامة جديدة قد تنذر بمجاعة جديدة، أو أن تعاني من إمكان حدوث تمرد مصدره الرتب العالية، وهو تمرد قد يصعب أن تديره بأدواتها السياسية.


وقد تمكنت الشيخة حسينة التي تسيطر على قطاع سياسي كبير في بنجلاديش من حسم هذا الضغط لصالح النظام المدني مرة ثانية، عندما قررت تحويل القضية للقضاء المدني، الذي يتسم بصرامة أكبر في التعامل مع قضايا القتل والتخريب والتعذيب، وهو ما أدى إلى صدور الأحكام التي أسلفنا الإشارة إليها في سياق القانون المدني، الذي لقي هوى وتأييدا لدى القيادات العسكرية الرفيعة في بنجلاديش، وإن كان النظام المدني يسمح للمحكوم عليهم بالاستئناف.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان