رئيس التحرير: عادل صبري 07:26 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

القتال في "دماج".. اليمن الخاسر الأكبر

القتال في دماج.. اليمن الخاسر الأكبر

العرب والعالم

الصراع في دماج-ارشيف

القتال في "دماج".. اليمن الخاسر الأكبر

مصر العربية 06 نوفمبر 2013 20:13

تخوض تيارات ذات مرجعيات إسلامية في شمال اليمن حربًا ضروسًا، تصنف من قبل البعض على أنها مذهبية، أو طائفية، بين يمنيين مسلمين ينتمون للفكر السني (السلفي) وآخرين ينتمون للفكر الزيدي، الشيعي (جماعة الحوثي).

 

في الواقع، لا يمكن فهم ما يحدث من مواجهات مسلحة اليوم في بلدة "دماج" التابعة لمحافظة صعدة، شمالي اليمن، بدون العودة إلى جذور المشكلة القائمة هناك بين التيار السني السلفي والشيعي الحوثي.

 

ولفهم طبيعة العلاقة بين التيارين، يرجع محللون، بجذور الأزمة، إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، بتزامن ظهور الدعوة الوهابية في المملكة العربية السعودية، مع بداية انهيار الدولة القاسمية الزيدية في شمالي اليمن، حين كان الأتراك مسيطرين على صنعاء وكانت "العدو المشترك" للدعوة الوهابية، ودولة الأئمة الزيدية.

 

بينما يفضل محللون آخرون الرجوع للستينيات من القرن الماضي، وتحديدا ما بعد ثورة سبتمبر عام 1962، التي اندلعت في اليمن ضد الإمامة الزيدية (التي أصبحت ملكية وراثية عام 1926)، حيث توطدت العلاقة بين الدعوة الوهابية (السلفية) والإمامة الزيدية الملكية، ودعمت السعودية، الملكيين في حروب السبعة أعوام التي خاضوها مع الدولة اليمنية الجديدة، منذ اندلاع الثورة وحتى العام 1969.

 

إلا أن ما سبق، يوضح طبيعة العلاقة التوافقية (التحالفات ذات الطابع السياسي)، بين الطرفين، بيد أن علاقة التباين والتنافر التي نشبت لاحقا، يعود جذرها الأقرب، إلى الثمانينيات من القرن الماضي، حين عاد شيخ السلفية في اليمن ومنظرها الأبرز "مقبل بن هادي الوادعي" من السعودية إلى مسقط رأسه في "دماج"، ليؤسس فيها مركزا علميا لتدريس العلوم السلفية.

 

وفي الوقت الذي كان فيه زعيم جماعة الحوثي "حسين بدر الدين الحوثي"، ذهب إلى إيران لتلقي دراسة عميقة في المذهب الشيعي، ليعود هو أيضا إلى اليمن، ويبدأ بتدريسه لطلابه في مسقط رأسه بمحافظة صعدة.

 

 وحوَل الشيخ السلفي مقبل الوادعي، دماج، إلى منبع الفكر السلفي في اليمن، في الوقت الذي كانت تعتبر صعدة منذ القدم مقرا للزيدية، حيث باتت مؤخرا تحت سيطرة شبه كاملة بيد جماعة الحوثي، لتمثل "مركز سلطتهم" الرئيسي، وعاصمة الجماعة المسلحة، وذلك مع انتهاء الحرب السادسة بين هذه الجماعة والقوات الحكومية عام 2010 (بدأت الحرب الأولى عام 2004).

 

وقبل وفاته في 2001، تقلصت خلافات الشيخ الوادعي مع السعودية، التي اتهمت لاحقا بدعمه وتمويل مركزه العلمي، وبعدها تؤكد معلومات متطابقة أن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح قرر - بهدف مواجهة المد السلفي السعودي- دعم ما يسمى بـ"منتدى الشباب المؤمن"، المنتدى الذي شكل نواة الحركة الحوثية، وتحول معظم أعضائه، لاحقا، إلى قادة وأتباع لجماعة الحوثي.   

 

وتلك المقاربة، عززها تقرير مجموعة الأزمات الدولية، عن الشرق الأوسط (مايو 2009)؛ حيث اعتبرت المجموعة في تقريرها أن هذا التهديد السلفي "ساهم في بلورة ما يسميه البعض بالزيدية الإحيائية التي قامت على أساس استشعار خطورة ضياع الهوية الزيدية أمام الدعوة الوهابية".

 

وينسب التقرير أيضا، إلى يحيى الحوثي، شقيق حسين الحوثي مؤسس الحركة، قوله "إن دافعنا الأساسي للعمل هو مكافحة الوهابية"، مشيراً إلى "وجود حروب فكرية وثقافية من بداية الثورة، وأن الحكومة تنشد مساعدات اقتصادية من السعودية، وهي تساند انتشار الوهابية في سبيل ذلك".

 

وبالمقابل أيضا، كانت قوة الحوثيين تتنامى تباعا، وفق منهج شيعي جديد استقدمه مؤسس الجماعة "حسين الحوثي" من إيران. حيث بدأت مجاميع حوثية، تقريبا منذ العام 2003، بإطلاق صرختهم المستوحاة من الثورة الإسلامية الإيرانية (تنادي بالموت لإسرائيل وأمريكا) في مجموعة مساجد تابعة لهم في العاصمة صنعاء عقب صلاة كل جمعة، وذلك بعد أشهر من انتشارها في مساجد محافظة صعدة.

 

 وفي عام 2004، شعر الرئيس اليمني السابق بقلق من هذا التنامي الحوثي بعد أن بدأت ملامحه، تتضح أكثر من خلال الدعوة إلى الخروج على الحاكم في طريق استعادة الإمامة، أو الولاية لآل البيت الهاشمي.

 

في ذلك العام، بدأ علي صالح بشن حرب شعواء ضد الجماعة بمحافظة صعدة، لتتمكن القوات الحكومية من قتل مؤسس الجماعة حسين الحوثي في الحرب الأولى (سبتمبر عام 2004). لكن الجماعة لم تنته بعد، وظلت لفترة تعيد رص صفوفها بقيادة شقيقه "عبدالملك الحوثي"، لتواصل بعدها خوض خمسة حروب أخرى عنيفة مع قوات الجيش اليمني.

 

وفي الحرب السادسة والأخيرة شاركت المملكة السعودية في الحرب لطرد الحوثيين من على حدودها مع محافظة صعدة، بعد أن كانوا قد توغلوا واحتلوا جبلاً استراتيجيًا تابعًا للمملكة.

 

وإبان ثورة فبراير 2011 الشعبية على نظام صالح ، بدأت ميليشيات الحوثي المسلحة بالتمدد – بقوة السلاح - نحو مناطق أخرى مجاورة لمحافظة صعدة، بينها محافظات: الجوف، حجة، وعمران، مستغلة بذلك، غياب الدولة وانشغالها بمواجهة الثورة، مما زاد من قوتها وانتشارها خارج محافظة صعدة.

 

 وحتى ذلك الوقت، لم يكن الحوثيون قد استهدفوا، بعد، أية نشاطات سلفية، مع أنهم طالما اشتكوا من انتشارها في اليمن على حساب مذهبهم الزيدي.

 

وفي أكتوبر عام 2011، قررت الجماعة الحوثية القيام بذلك، وفرض المتمرّدون الحوثيون حصاراً على بلدة دماج في صعدة، وشنّوا هجمات على معهدها السلفي الشهير "دار الحديث".

 

واستمر الحصار شهرين، وأدّى إلى قطع الإمدادات الأساسية عن البلدة، بما في ذلك المياه والمواد الغذائية، ورد السلفيون في مواجهتهم مستخدمين السلاح، وقُتِل منهم عشرات الطلاب، بما فيهم عدد من الأجانب، كانوا يدرسون في المعهد، كما قتل عدد غير قليل من المتمردين الحوثيين.

 

وبعدها، تمكنت لجنة وساطة قبلية من إبرام اتفاقية وقف إطلاق النار، ثم التوصل إلى توقيع الطرفين على اتفاق لإنهاء المواجهات في 21 يونيو 2012، والذي سمي بـ"الصلح الأولى".

 

 ولم تصمد الاتفاقية كثيرا، ليعاود متمردو الحوثيين ضرب دماج، أواخر العام الماضي، غير أن الوساطة القبلية تمكنت أيضا من إجبار الطرفين على توقيع اتفاقية صلح ثانية في 17 ديسمبر من العام نفسه.

 

وفي أول أيام عيد الفطر المبارك الماضي (8 أغسطس 2013)، عاودت جماعة الحوثي اعتداءاتها على السلفين بدماج، باستهدافها سيارتين تابعتين لمجموعة من طلاب المركز عند نقطة تفتيش حوثية على مداخل منطقة دماج. وأطلق مسلحو الحوثي النار عليهم، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين .

 

بعدها اشتدت المواجهات، وفرضت جماعة الحوثي حصارًا على دماج وتفاجأ سكانها بهجوم شرس من قبل جماعة الحوثي بجميع أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة نتج عن الهجوم مقتل أربعة أفراد وجرح آخرين مع تفجير بعض المنازل.

 

وإثر عودة المواجهات، شكل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لجنة رئاسية تقوم بمهمة إنهاء التوتر والنزاع بين الطرفين. نجحت اللجنة في فرض التهدئة.

 

وبدأت اللجنة عملها الميداني في 23 من أغسطس الماضي، وانتهت – مبدئيًا- بإجبار الطرفين على التوقيع على إيقاف إطلاق النار، والدخول في حوار حول أسس ومبادئ وضمانات عدم العودة، بضمنها سحب المقاتلين وإنهاء الاستحداثات الأخيرة، وتسليم المواقع لقوات من الجيش.

 

وفي شهر سبتمبر الماضي، انتهت اللجنة الرئاسية، تقريبًا، من أهم مهامها، ورفعت في منتصف الشهر تقريرها إلى الرئيس هادي، متضمنا الإنجازات والنتائج والإتفاقات والتوصيات.

 

وفي حين ساد الهدوء في المنطقة  خلال ما تبقى من الشهر، إلا من بعض الخروقات البسيطة والمتفرقة، تفاجأ أبناء بلدة الدماج، منذ مطلع أكتوبر الماضي، بعودة الحوثيين إلى فرض حصار شديد على منطقتهم، ليعاودوا، نهاية الشهر ذاته، قصفهم مجددا على المنطقة بشكل أعنف من السابق، مستخدمين الدبابات وصواريخ الكاتيوشا ومختلف الأسلحة الثقيلة، طبقا لإفادات متطابقة من اللجنة الرئاسية والسلفيين انفسهم.

 

وأكدت المعلومات من جهات مختلفة، بينها اللجنة الرئاسية، أن مسلحي الحوثي، منعوها، كما منعوا اللجنة الدولية للصليب الأحمر اليمني من دخول المنطقة وإسعاف الجرحى.

 

وفيما أكدت تصريحات رسمية، وأخرى لمستشار الأمين العام للأمم المتحدة جمال بنعمر، أنه تم التوصل إلى وقف إطلاق النار صباح الاثنين الماضي، والسماح لسيارات الصليب الأحمر بالدخول.

 

إلا أن سرور الوادعي المتحدث الرسمي باسم الجماعة السلفية بدماج، نفى ذلك، مؤكدا أن المعارك تواصلت مباشرة بعد خروج الفريق الميداني للجنة الدولية للصليب الأحمر، ومعه بعض الجرحى من الحالات الخطيرة، وهم لا يساوون ثلث العدد الحقيقي من المصابين.

 

وإذ كان الطابع المذهبي فرض الخلافات بين الطرفين المتحاربين اليوم في صعدة (السنة/السلفيين، والشيعة/الحوثيين)، فإن عودة المواجهات الأخيرة، تحمل طابعا سياسيا، استغلت فيه الخلافات المذهبية.

 

ويتحدث محللون عن رغبة جماعة الحوثي من وراء ذلك، تحقيق أحد أمرين، الأول: محاولة إعاقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، الذي وصل إلى نهايته تقريبا، وذلك لرفض الجماعة النتيجة النهائية التي توصل إليها المتحاورون من ضرورة نزع سلاح الميليشيات الحوثية، ضمن الحلول والضمانات النهائية لإنهاء قضية صعدة.

 

أما الأمر الآخر، أن هناك من يعتقد أن الجماعة تسعى لتحقيق هدف آخر من هجومها الشرس والعنيف على سلفيي دماج، هذا الهدف في نظر هؤلاء هو: محاولة القضاء على أكبر قدر من الجماعة وتدمير البنية التحتية للمنطقة التي تعد مقرا للسلفيين، بكونها الجماعة الأقوى والوحيدة التي لا تزال مؤثرة ومتنامية في محافظة صعدة خصوصا، التي تعد معقلا وعاصمة للحوثيين.

 

وبالتالي من الواضح أن يسود القلق والخوف من أن تؤثر السلفية مستقبلا على مستقبل الفكر الشيعي الحوثي. وذلك قبل أن تفرض نتائج مؤتمر الحوار عليهم (الحوثيين) تسليم أسلحتهم الثقيلة للدولة. وهو التوجه الذي بات أمرا واقعا من خلال توافق كافة المكونات على ذلك.  

 

إلا أن الترجيح أكثر، ربما يكون للتفسير الأول، من حيث إنه يعزز القول بفكرة استحالة قبول الجماعة المسلحة، التخلى عن أسلحتها الثقيلة، التي من المؤكد أن قوتها الطبيعية لا تتجسد إلا من خلاله. لاسيما أنها وصلت إلى هذه المرحلة من القوة والحضور والتسلح الثقيل بعد حوالي عقد من التجميع والتدريب والحروب المتواصلة.

 

وفي نهاية المطاف، من المهم الإشارة هنا إلى أن جماعة الحوثي تبرر حربها الشعواء تلك، بوجود أجانب مسلحين في معهد دماج، وأنها تعمل على قتلهم كونهم يمثلون خطرا على الدولة.

 

غير أن السلفيين من جهتهم، يعتبرونها حجة واهية للحرب، كون الأجانب الذين لديهم، طلاب علم، دخلوا البلاد بعلم الدولة وفق تصاريح رسمية منحت لهم، وأنهم اضطروا إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان