رئيس التحرير: عادل صبري 09:30 مساءً | السبت 21 سبتمبر 2019 م | 21 محرم 1441 هـ | الـقـاهـره °

هل يدفع بترول إيران التنين الصيني لمواجهة العقوبات الأمريكية ضد طهران؟

هل يدفع بترول إيران التنين الصيني لمواجهة العقوبات الأمريكية ضد طهران؟

محمد الوقاد 09 سبتمبر 2019 20:04

الناظر لردود الفعل الإيرانية على تصاعد وتيرة التصلب الأمريكي تجاه طهران، قد يتعجب مما يمكن اعتباره برودا – إن جاز الوصف – من القيادة الإيرانية، مبعثه يتجاوز محاولة الظهور بمظهر المتماسك أمام "طغيان إمبريالية واشنطن"، أو حتى التعويل على مجرد وجود أطراف غير راضية عن التصعيد الأمريكي، الذي جاء محرجا لقوى دولية كبرى شاركت في صياغة الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.

 

في الحقيقة أن أحد تلك الأطراف يخطط، فيما يبدو، لتجاوز مجرد السعي لتهدئة الأجواء بين إيران والولايات المتحدة، أو محاولة إنقاذ الاتفاق النووي، إنه يقترب من صياغة آلية قد تقلل أضرار إيران أمام أشرس عقوبات أمريكية استهدفتها بالتاريخ، لكن بالطبع يجب أن يكون هناك مقابل متناسب مع هذا الأمر.

 

ويذهب بعض المراقبين إلى أبعد من ذلك متوقعين رؤية خطة إنقاذ صينية لانتشال إيران من براثن إدارة "ترامب"، قائلين إن "إيران هي مفتاح خطط الصين"، كما كتب "روبرت كابلان" مؤخرا في "نيويورك تايمز".

 

وفي خضم الصدام الجيوسياسي الكبير الجاري بين الولايات المتحدة والصين، من غير المنطقي أن ترضخ بكين لجدول أعمال واشنطن بعزل طهران، وفي الواقع، انتهك الصينيون بالفعل علنا العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، عبر الاستمرار في شراء النفط الإيراني، من بين أمور أخرى.

 

العلاقات الصينية الإيرانية

 

وليس هناك شك في أن بكين تعتبر طهران من الأصول الرئيسية في غرب آسيا، فهي بلد يتمتع بموارد طبيعية من الدرجة الأولى، والكثير من رأس المال البشري، وسوق جائع وغير مستغل نسبيا، وتعد الصين بالفعل أكبر شريك تجاري لإيران.

 

إضافة إلى ذلك، تعد إيران أيضا من الدول المستقلة سياسيا على الساحة العالمية، والتي قد تصبح دولة حليفة للصين إذا تم استغلال هذه الحقيقة جيدا.

 

ببساطة، من وجهة نظر الصين، لا يوجد سبب يجعلها ترغب في أن تنجح حملة "أقصى ضغط" من قبل إدارة "ترامب" ضد إيران، ومع ذلك، ليست هذه هي القصة كلها، فالعلاقات بين البلدين أكثر تعقيدا.

 

ومنذ أوائل العقد الأول من القرن الـ21، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لإيران والزبون الأكبر للنفط الإيراني، وامتد التعاون بين البلدين ليشمل مبيعات الأسلحة والموازنة الجيواستراتيجية ضد الولايات المتحدة.

 

وحدد المخططون الصينيون إيران كواحدة من أهم الدول في مشروع ربط آسيا بأوروبا، من خلال مبادرة "الحزام والطريق"، وهي مبادرة السياسة الخارجية الرائدة للرئيس الصيني "شي جين بينغ".

 

ويعد الهدف النهائي للمبادرة هو إعادة هيكلة نظام قواعد التجارة العالمية وممارسات الاستثمار نحو تأسيس نظام أكثر ملاءمة للصين، ويهدف المشروع الكبير أيضا إلى إبراز القوة الناعمة للصين وإنشاء الأسس لهيمنتها في منطقة أوراسيا.

 

وقد تم وضع الكثير من الرؤى حول التعاون الإيراني الصيني خلال زيارة "شي" إلى طهران في يناير 2016، واتفقت الدولتان على توسيع التجارة بينهما لتصل إلى 600 مليار دولار على مدى فترة خلال 10 أعوام، كجزء من خطة مدتها 25 عاما لبناء تعاون أقوى بين البلدين.

وبالإضافة إلى التجارة، تعد الصين مستثمرا رائدا في السوق الإيرانية، وتستثمر نحو 100 شركة صينية كبرى في القطاعات الاقتصادية الرئيسية في إيران، خاصة الطاقة والنقل.

 

وعلى سبيل المثال، أعادت المؤسسة النووية الصينية تصميم مفاعل أراك في إيران، لتلبية متطلبات عدم الانتشار تلبية لشروط النووي الإيراني لعام 2015.

 

وقدمت الحكومة الصينية قرضا بقيمة 10 مليارات دولار للشركات الصينية لبناء السدود ومولدات الطاقة وغيرها من البنى التحتية في إيران، مثل مشاريع السكك الحديدية في كل "بايانور" و"مشهد" و"بوشهر" على الخليج.

 

كما تريد الصين أيضا المساعدة في تسريع بناء ميناء في "تشابهار" على خليج عُمان، وهو مشروع تضع الهند عينيها عليه بشكل خاص.

 

وكمثال آخر بارز، هناك خطوط المترو الخمسة في طهران، التي تم بناؤها جميعا بواسطة الشركات الصينية، وتم صنع عربات السكك الحديدية من قبل شركة إيرانية صينية مشتركة، وهي شركة "طهران واغن" للتصنيع.

 

وعلى الرغم من أنها لا تزال تفتقر إلى بعض التقنيات المتقدمة المتاحة للشركات الغربية، أصبحت شركات الطاقة الصينية من بين المطورين المهمين لحقول النفط والغاز الطبيعي في إيران، التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز بعد روسيا، وواحدا من أكبر احتياطات النفط في العالم.

 

وعلى حد تعبير "ظريف"، فإن الصين وإيران "شريكان استراتيجيان على العديد من الجبهات".

 

إيران تلعب على الوتر الحساس

 

وفي زيارته الأخيرة، ناشد وزير الخارجية الإيراني بكين تعزيز العلاقات حتى يتمكن البلدان من معالجة مجموعة من القضايا، بما في ذلك قمع التطرف والإرهاب.

 

وفي حين أنه – ظريف - لم يشر إلى حملة القمع المستمرة والمثيرة للجدل التي تشنها الصين ضد المسلمين في "شينجيانغ"، لكن "ظريف" كان واضحا في انتقاد السياسات الأمريكية.

 

وينبغي على الصين، حسب تفكير "ظريف"، أن تواجه التحدي المتمثل في إنهاء التعصب الأمريكي المفترض في جميع أنحاء العالم، وأن تلقي بدعمها الكامل لإيران في هذا الجهد.

 

ومع ذلك، هناك رؤية أخرى للإيرانيين مفادها أن الضغوط الأمريكية على إيران حولت بلادهم إلى أسير تجاري لبكين، ويعد النفط الخام الإيراني منخفض السعر، الذي يذهب إلى الصين مقابل أي شيء ترغب الصين في تقديمه، غير كاف لرؤية إيران للشراكة الاستراتيجية.

ولا يوجد أدنى شك في أن الصين مستعدة بشكل متزايد لاستغلال ميل إدارة "ترامب" لاتخاذ إجراءات أحادية لإثبات سمعة "بكين" كصاحب مصلحة مسؤول، وسوف تلعب الصين بورقة إيران وفقا لذلك.

 

وسوف تملأ الصين، الفراغ التجاري والاستثماري الذي خلفته الشركات الغربية التي غادرت إيران، وسوف تشجع على زيادة التجارة المقومة باليوان. ومن الناحية السياسية، سوف يستفيد الصينيون من الأزمة النووية لترسيخ نفوذهم في الشرق الأوسط حيث تخشى بكين من نشوب صراع أوسع نطاقا من شأنه أن يعطل وارداتها من الطاقة.

 

الصين لها حساباتها

 

لا يعني ما سبق أن الصين لا تتعامل بأريحية كاملة مع إيران، رغم التصعيد الأمريكي،  حيث ظلت بكين تولي اهتماما وثيقا لحساسيات واشنطن تجاه طهران.

 

وتظهر الأرقام الاقتصادية للأشهر الخمسة الأولى من عام 2019 أن تجارة الصين مع إيران انخفضت بشكل ملحوظ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق عندما لم تكن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران سارية.

 

وتدرك طهران في الوقت نفسه أن الصين لها علاقات مع كل دولة في الشرق الأوسط، بما في ذلك خصوم إيران مثل (إسرائيل) والسعودية، وهي علاقات قد تتعرض للخطر إذا تحركت بكين للتقارب أكثر مع طهران.

 

ومن المتوقع أن تلعب الصين بأوراقها في إيران بعناية، لكن الإيرانيين يأملون في أن استمرار الخلاف الأمريكي الصيني يمكن أن يوفر بعض الفرص لطهران.

 

ومن وجهة نظر بكين، تتباين الآثار قصيرة الأجل لقرار واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015، ونظرا للآثار العالمية لتجديد العقوبات الأمريكية، سيكون لدى الإيرانيين أموال أقل لشراء البضائع الصينية، وهناك خطر من أن الانسحاب قد يحفز إيران على استئناف برنامجها النووي، ما يزيد من احتمال نشوب صراع عسكري في الخليج العربي.

 

وسيكون أحد المؤشرات المبكرة لنهج بكين في مسألة العقوبات الإيرانية هو كيف ستستجيب الصين لمطالب إدارة "ترامب" بوقف استيراد النفط الإيراني، على المدى القريب.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان