رئيس التحرير: عادل صبري 05:39 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

دراسة: الاستقطاب السياسي سمة ديمقراطية لثورة تونس

دراسة: الاستقطاب السياسي سمة ديمقراطية لثورة تونس

تونس تنتخب

السبسي وسط انصاره

دراسة: الاستقطاب السياسي سمة ديمقراطية لثورة تونس

مصر العربية 19 ديسمبر 2014 17:00

جلبت انتخابات تونس لنهاية سنة 2014 انتباه المتابعين والملاحظين، وذلك لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية تهم الداخل التونسي، يتمثل الجانب الموضوعي في أهمية هذا الإنجاز في سياق عربي تميز بصفة عامة إما بوضعيات انسداد ما بعد ثورة مثل حال سوريا وليبيا واليمن، حيث حلت الفوضى والعنف محل بناء الدولة والديمقراطية، أو بوضعيات استعادية مثل الحالة المصرية التي استرجعت فيها المؤسسة العسكرية مقاليد السلطة ولو عن طريق الانتخابات.

 

وبحسب دراسة للباحث عادل اللطيفي بمبادرة الإصلاح العربي، فإنه وفي هذا السياق الهش، يبدو مشهد الانتخابات التونسية التي تحصل في وضع شبه مستقر وبشكل شفاف، حالة شاذة، أما الجانب الذاتي الذي يهم الداخل التونسي، وكذلك بالطبع الامتداد العربي، فيتعلق بتغير الخارطة السياسية لصالح قوى كانت قد خسرت الرهان الانتخابي في سنة، أي القوى الحداثية الوطنية.

 

وترى الدراسة أن هناك تغيرًا طرأ منذ انتخابات 2011 إلى عام 2014، فالسمة السائدة في الانتخابات الأخيرة غلب عليها الاستقطاب بين قوى الحداثة والقوى التقليدية أو المحافظة، وعلى رأسها حركة النهضة الإسلامية.

 

غير أن القراءة العميقة لنتائج الانتخابات الأخيرة ومقارنتها بانتخابات 2011، تبين بوضوح أن هذا الاستقطاب لم يكن سياسيًا، بل كان مجتمعيًا بالأساس، وفي ظل مثل هذا الاستقطاب تصبح مسألة عودة النظام القديم مجسدًا في حزب نداء تونس، من باب المزايدة السياسية والدعاية الانتخابية أكثر منه تحليلاً جديًا.

 

فبفعل الثورة شهدت تونس ديناميكية مجتمعية خلقت شروطًا جديدة للتطور السياسي يصعب معها عودة النظام القديم، ولو وصل بعض رموزه إلى السلطة من جديد.

 

 في هذا السياق تبين الانتخابات الأخيرة في تونس أن الإشكالية الرئيسية التي حكمت توجه أغلب الناخبين لم تعد هي نفسها كما في سنة 2011، فإن كانت الكلمة المفتاح لانتخابات ما بعد الثورة هي الإسلام، فإنها تركت المجال سنة 2014 إلى إشكالية الدولة مع ما يعنيه ذلك من عقلنة الوعي السياسي في تونس.

 

يمكن القول فيما يتعلق بتقييم العملية الانتخابية في مجملها، إن اعتماد الانتخاب على قاعدة التسجيل الطوعي، قد قلصت نسبة المشاركة مقارنة بانتخابات سنة 2011.

 

حيث تجاوز عدد المصوتين سنة 2011 الأربعة ملايين، في حين شارك في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 فقط ما يقارب الثلاثة ملايين ونصف مليون ناخب ليتراجع عدد المشاركين مرة ثانية خلال الانتخابات الرئاسية في دورها الأول بحوالي 300 ألف شخص.

 

بلغت نسبة المشاركة سنة 2011 قرابة 70 بالمائة لتتراجع نسبيا في تشريعية 2014 إلى حوالي 68 بالمائة ثم في الدور الأول للرئاسية إلى حدود 64 بالمائة من عدد المسجلين.

 

ويفسر ذلك بالعقبات التي واجهت عملية التسجيل في هذه السنة، لعل من أهمها تنظيمها في فصل الصيف والاقتصار على فترة وجيزة لذاك. غير أن نسب المشاركة تبقى شديدة التفاوت خاصة بين الداخل والخارج، حيث لم تتجاوز النسبة الثلاثين بالمائة في أحسن الحالات، نظرًا لقلة المكاتب وانتشار الجالية التونسية على فضاء واسع.

 

أما الملاحظة الثانية والهامة على مستوى نسب المشاركة فتتعلق بفئة الشباب، تمثيل هذه الشريحة العمرية حماسا للمشاركة في التصويت لا في الموعد التشريعي ولا في الدور الأول للرئاسة.

 

وتعود أسباب هذه المقاطعة كما يعبر عنها العديد منهم إلى فقدانهم الثقة في تحسن أوضاعهم خاصة في مجال التشغيل، ثم إلى النكسات التي أصابت المرحلة الانتقالية والتي شوهت عملية التحول السياسي.

 

فغياب هذه الفئة عن التصويت يعكس ذلك الإحباط الذي غرق فيه التونسيون خلال المرحلة الانتقالية.

 

مغزى التحولات السياسية

يمكن القول إن الاستقطاب هو بين نداء تونس الذي يمثل، بحسب قيادييه، التوجه الوطني الحداثي المدني في تونس، وحزب حركة النهضة التي تمثل التوجه الإسلامي، نحن إزاء نموذجين يبدو أنهما متعارضين: نموذج الإسلام السياسي الذي يرى في الإسلام المعياري مشروعًا للحكم وللهوية، ثم نموذج مؤسس على مفهوم الدولة الوطنية المعاصرة والقانون الوضعي، وعلى أساس هذا التقسيم برز استقطاب ثنائي بين أنصار الهوية الإسلامية، كما بلورتها تيارات الإسلام السياسي بما فيها الإخوانية وأنصار الهوية الوطنية، التي تثمن إسلاما تونسيا يستلهم من الحداثة.

 

بهذا المعنى يكون انتصار نداء تونس وحصول قائد السبسي على المرتبة الأولى، بمثابة انتصار للهوية التونسية على حساب الإسلام السياسي كرؤية للدولة وللمجتمع، بالرغم من أن المنصف المرزوقي يقدم نفسه على أنه علماني معتدل.

 

لكن أغلب ناخبيه ينتمون إلى التيار المحافظ، وهم مكون أساسي في المجتمع التونسي كما يمثل هذا انتصارًا في عمقه تحولاً من إشكالية الإسلام - المفتاح في انتخابات سنة 2011 - إلى إشكالية جديدة هي إشكالية الدولة، ويمكننا أن نفهم هذا التحول على ضوء الصعوبات التي وجدتها حركة النهضة الإسلامية في التعامل مع ثلاثة ملفات أساسية، هي تسيير الدولة ومسألة العنف ثم إشكالية الهوية الوطنية.

 

فعلى خلفية قراءة خاطئة للدولة التونسية تعتبرها مجرد مغامرة فردية لبورقيبة، وبالتالي يمكن الهيمنة عليها وتغييرها، وضعت حركة النهضة من بين أهدافها وهي في الحكم السيطرة على دواليبها من خلال تعيينات حزبية خلقت توترا شديدا داخل الإدارة التونسية.

 

نضيف إلى ذلك غياب برنامج سياسي واضح يمكن أن يعتمد في تسيير الدولة والشأن العام بما يجنب البلاد حالة الانسداد التي وصلت إليها.

 

أما ملف العنف فيتمثل في تحميل جزء كبير من الرأي العام حركة النهضة مسؤولية انتشار الإرهاب بسبب تساهلها مع العناصر السلفية الجهادية وتشجيعها سفر الشباب التونسيين إلى سوريا وتبنيها نشاطات رابطات حماية الثورة التي مارست العنف ضد الفنانين والمثقفين وحتى ضد الاتحاد العام التونسي للشغل، في حين أخذت مسألة الهوية صبغة الحرب الباردة بين أنصار الإسلام السياسي وشق هام من التونسيين.

 

وقد تعمقت الهوة بين الطرفين بسب الأنشطة التي قام بها عديد الدعاة القادمين من المشرق العربي، ليروجوا لخطاب ديني غريب عن التونسيين سواء حول المرأة أو حول الجهاد.

 

في هذا السياق، شاهدنا عودة قوية لرموز الهوية التونسية مثل العلم التونسي وصور الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وأسماء بعض الأولياء الصالحين المشهورين، مثل سيدي محرز وسيدي بوسعيد والسيدة المنوبية، كدلالة على التشبث بالإسلام الصوفي المحلي.

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان