رئيس التحرير: عادل صبري 07:13 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

انتحار طفلة في الـ 12 من عمرها بسبب ظروف الدراسة

انتحار طفلة في الـ 12 من عمرها بسبب ظروف الدراسة

تونس – خولة العشي 16 ديسمبر 2014 15:22

«أمي، أبي سامحوني ، لم أكن أحب الذهاب إلى مبيت المعهد وأنتما كنتما مصرّين على أن أذهب هناك كل يوم، لقد تعذّبت كثيراً، وأنا لم أعد أتحمل هذا العذاب». بهذه الكلمات الطفولية الرقيقة ودّعت شيراز ذات الـ12 ربيعاً والديها قبل أن تضع حداً لحياتها شنقاً في إحدى الأشجار. تركت شيراز منديلها المدرسي الزهري ورفيقاتها البريئات ورحلت إلى عالم آخر لأنّ هذا العالم لم يستوعب جمال الصور التي رسمها خيالها الطّفل.

كانت شيراز تقطن في المنطقة الريفية «العلا» من محافظة القيروان بالوسط التونسي. اضطرت شيراز ورفاقها الذين تحولوا من المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الإعدادية، للإقامة بالسكن الداخلي ( المبيت) نظراً إلى بعد المدرسة الإعدادية عن المنطقة السكنية قرابة 20 كيلومتراً. ويوفر المبيت لهؤلاء الأطفال الأكل والإقامة بداية من يوم الإثنين إلى الجمعة ليعودوا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بمنازلهم. تضطر العائلات إلى إرسال أبنائها للمبيت توفيراً لمصاريف التنقل اليومي من المنزل إلى المعهد وتجنباً لحدوث مشاكل لبناتهم، خصوصاً في طريق الذهاب أو العودة، وأيضاً لعدم توافر النقل العمومي وعدم انتظام النقل الخاص الذي يعمل بصفة غير قانونية.

انتفض الرأي العام التونسي حين ذاع خبر هذه الحادثة. ولئن اعتاد التونسيين على حوادث الانتحار في صفوف الشباب والكهول وحتى كبار السن، فإن انتحار الأطفال شكّل مفاجأة سيّئة استدعت تدخّل السلطات المعنية بصفة عاجلة. تحدّثت والدة شيراز عن أسباب انتحار ابنتها في إحدى القنوات التونسية الخاصة بمرارة شديدة: «لم تكن رسالة الانتحار التي تركتها شيراز هي الأولى، اعتادت ابنتي على كتابة الرسائل وتركها تحت وسادتها قبل الذهاب إلى المبيت، أربكتني كلمات ابنتي التي تحمل ألماً كبيراً ومعاناة طفلة ترغب بشدّة في استكمال دراستها. تحدثت إليها فصارحتني برغبتها الشديدة في ترك المبيت والتنقل يومياً إلى المعهد باستخدام النقل الخاص، وعبّرت لها عن خوفي عليها من مصائب الطريق، خصوصا أنها تنهي دروسها في وقت متأخّر. تحدّثت شيراز عن سوء معاملة المشرفين على المبيت لها ولرفاقها، وعن تقزّزها مما يقدّمونه من مأكولات سيّئة ومتّسخة. قبل أيام من تنفيذها الانتحار، قام أحدهم بسرقة أغراضها من المبيت، عادت شيراز في نهاية الأسبوع إلى المنزل، ولدى استعدادها للعودة إلى المبيت صباح يوم الإثنين بتاريخ 17تشرين الثاني (نوفمبر)، وأثناء تناول إخوتها الصغار الفطور في حدود الساعة السادسة صباحاً، تركت شيراز المنزل وتوجهت إلى حديقة المنزل حيث قامت بتعليق نفسها في شجرة لوز وفارقت الحياة».

من الكلمات الأليمة التي كتبتها شيراز بالقلم الرصاص لأكثر من مائتي مرة أيضاً: «يا إلهي أيها الحنون، أرغب بشدّة في الموت». رسائل كثيرة تركتها شيراز وجدتها والدتها وهي ترتب ثيابها بعد وفاتها ودوّنت في إحداها جميع السنوات التي درستها وشطبت السنة الأخيرة التي ذاقت خلالها ألم الحرمان والإهانة. كانت شيراز متفوقة في دراستها ومتميزة جداً، على رغم أن والديها الأُمِّيَّين لم يكونا قادرين على مساعدتها. إحدى المسؤولات عن مبيت مدرسة «العلا» أكّدت في إجابتها عن تصريحات أم شيراز، بأنّ «ظروف المبيت عادية، غير أن عدد التلاميذ يفوق طاقة استيعابه، ما يجبر بعض المسؤولين على معاملة الأطفال معاملة سيّئة أحياناً». وتهربت المسؤولة من الإجابة عن بقية التساؤلات.

حادثة انتحار شيراز لم تكن الوحيدة في تونس، ففي اتّصال لـ «الحياة» بالمندوبية التونسية للطفولة، أكد مندوب الطفولة أن تونس عرفت خلال هذه السنة 15 حالة انتحار في صفوف أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة لأسباب مختلفة، من بينهم خمسة أطفال بمنطقة «العلا». وفي انتظار أن تتحرّك أجهزة الدّولة لمعاقبة المسؤولين عن انطفاء شمعة الصغيرة شيراز بسبب رغبتها في أن تدرس في ظروف أفضل، تبقى معالجة قضايا الطفولة، كإصلاح التعليم والحد من استغلال الأطفال وعمالة الأطفال وبيئة الطفل الصحية المتدهورة... وغيرها من القضايا، من أهم رهانات نجاح الحكومة القادمة.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان