رئيس التحرير: عادل صبري 05:00 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مرشح الرئاسة حمّة الهمامي.. حجر كل الزوايا في اليسار التونسي

مرشح الرئاسة حمّة الهمامي.. حجر كل الزوايا في اليسار التونسي

تونس تنتخب

حمّة الهمامي، مرشّح الرئاسة التونسية

مرشح الرئاسة حمّة الهمامي.. حجر كل الزوايا في اليسار التونسي

الأناضول 18 نوفمبر 2014 11:27

كأنّ لسانه لا يقدر إلاّ على نطق اللاءات.. أولى لاءاته نطقها وهو دون العشرين من عمره، ليعتقل ويعنّف من قبل بوليس الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة (1957- 1987)، على خلفية نشاطه في اتّحاد الطلبة.

 


ومنذ ذلك الوقت، ظلّ متمسّكا بلاءاته، ثابتا على ما آمن به، متمسّكا بمواقفه، ومتماسكا حتّى في أحلك الظروف. ذاك هو حمّة الهمامي، مرشّح الرئاسة التونسية عن حزب الجبهة الشعبية، السياسي التونسي الذي رفض الإنحناء زمن انهيار المعسكرات الكبرى، والخضوع والتنازل زمن انهيار القيم الكبرى.. شخصية اكتسبت برصيدها النضالي القدرة على امتصاص مفاعيل أزمات اليسار، وتهدئة وتيرة غضب الخريف الذي هيمن لعقود على مفاصله.  

 

يقول المقرّبون من الهمامي إنّ مقارباته الذكية التي تستحضر في الغالب منطق "الحدّ الأدنى المشترك" وتستبعد منطق "التغيرات العنيفة" في إدارته لحملات توحيد اليسار التي قادها مذ تفوّه بأولى لاءاته المناهضة لنظام بورقيبة، حوّلته إلى رمز، وكان حري به أن يلازم تلك المنطقة، وأن لا يتعدّاها ليخوض حرب زعامات، يجزم الكثيرون من رفاقه في السياسة، بصعوبة كسبها، لسببين اثنين، أوّلهما  أنّه لا يتوفّر على كاريزما القيادة، وهذا ما يفسّر، في جانب منه، عدم توفيقه في توحيد اليسار على مدى سنوات طويلة، وثانيهما تشبّثه القاتل بالزعامة.
 

ولد الهمامي في 8 يناير 1952 بمحافظة سليانة بالشمال الغربي التونسي.. نشأ فقيرا في بيئة ريفية  تعمّدت الأنظمة المتعاقبة تهميشها، وأسقطها الحكّام من برامجهم التنموية على مرّ السنين. لكنّ الخصاصة التي خبرها ذلك الصبي، غدت زاده في سنوات السجن التي قضاها في عهدي بورقيبة والرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي. كان لا يتغيّر ولا يتراجع إلاّ بالقدر الذي يقرّبه من رفاق درب الحرية، ولا ينحني إلاّ لأبناء جلدته من الفقراء والمهمّشين والمظلومين.
 

انخرط حمة الهمامي في العمل السياسي منذ بداية سبعينيات القرن الماضي ضمن الاتحاد العام لطلبة تونس، والتحق العام 1973 بمنظمة العامل التونسي الماركسية المحظورة.



وفي عام 1986، أسّس حزب العمال الشيوعي التونسي.. رفض انقلاب زين العابدين بن علي، في 1987، على بورقيبة، وانفرد حزبه برفض الإمضاء على الميثاق الوطني الذي عرضه بن علي، آنذاك، على مختلف التيارات السياسية، ولم يكن الأخير ليغفر له مثل هذا التحدّي السافر الذي لم يكن ليجرؤ أحد على الجهر به، في أوج سطوة الرئيس التونسي الجديد للبلاد في ذلك الحين، وكان عليه خلاص فاتورة باهضة الثمن.
 

عاش الهمامي طيلة سنوات التسعينات بين السجون والسرّية، متنقّلا بين الأرياف التونسية، مطاردا من بوليس بن علي، ليدركه يوم 14 يناير 2011 (يوم هروب بن علي) وهو في أقبية وزارة الداخلية، متّهما بالتحريض على العصيان. في تلك الأثناء، كانت زوجته الحقوقية راضية النصراوي تقود المسيرة الصباحية للإفراج عنه، وإذا بها تتحوّل إلى مسيرة للإفراج عن الشعب التونسي.
 

وبمرور الوقت، ومراكمة التجارب، نضجت مسيرة الرجل السياسية، فبادر، أوّلا، إلى تخليص حزبه من نعت الشيوعية (ليصبح حزب العمال التونسي)، قبل أن ينخرط مع كامل طيف اليسار في نقاشات بغية توحيده، إلى أن تكلّلت جهوده بوحدة رأت النور في 7 أكتوبر 2012، حملت من الرمزية السياسية والتاريخية الكثير بالنسبة لرجل يجزم المتابعون بأنّه من طراز خاص جدا.. ولدت إذن تحت قيادته "الجبهة الشعبية" إثر مخاض عسير، لتشكّل ثاني المحطّات المضيئة في تاريخ اليسار التونسي، حيث كانت تلك المرة الثانية، بعد حركة "بيرسبيكتيف" (آفاق العامل التونسي) التي تفكّكت أواسط ثمانينات القرن الماضي، التي يتمكّن فيها هذا الطيف السياسي من التوحّد تحت راية واحدة.
 

وبلمّ شتات اليسار، بدا من الواضح أنّ ذلك الرجل الذي خبر الحروب على جميع الأرضيات، غير مستعدّ بالمرة للتنازل عن الزعامة، وهذا ما كان يثير حفيظة رفاقه من القياديين صلب الجبهة الشعبية. كانت الأخيرة عبارة عن  إئتلاف سياسي  يضمّ 11 حزبا وتجمّعا يساريا وقوميا إلى جانب عدد من المستقلّين، وهذه الشتلات المتفرّعة ما كانت لتسمح باحتكار القيادة من قبل شخصية أجمعوا على أنّه آن الأوان لتفسح المجال لكوادر تمتلك من الكاريزما ما يمكّنها من إدارة مرحلة التغيّرات الجذرية التي يشهدها اليسار والبلاد في تلك الفترة.
 

تأسيا بجبهة الإنقاذ المصرية التي أسقطت حكم مرسي شكل الهمامي رفقة حزب نداء تونس وجمعيات أخرى مقربة جبهة الانقاذ لاسقاط حكم الترويكا (ائتلاف احزاب النهضة والمؤتمر من اجل الجمهورية والتكتل)عشية اغتيال المعارض القومي الحاج محمد البراهمي في خطة يمكن اعتبارها تتويجا لاتصالات سبقت مقتل المعارض اليساري شكري بلعيد فبراير 2013 فقد كان الكاتب اليساري توفيق بن بريك مبعوثا لحمة الهمامي إلى رئيس نداء تونس قبل اغتيال بلعيد ربما في مهمة "تنسيق الجهود لاسقاط حكم الترويكا"
 

أصرّ الهمامي على احتكار دفّة القيادة، تماما كما حصل عقب الانتفاضة التونسية، حين خانته ملكة  التقييم، فكان أن تكبّد حزب العمال الذي كان يقوده، هزيمة في انتخابات أكتوبر 2011 للمجلس التاسيسي. صفعة أجبرته على إعادة تشخيص الوضع بطريقة أكثر نضجا، فنجح رفقة بعض رموز اليسار التونسي في تأسيس الجبهة الشعبية، والتي شفت غليله بمنحه القيادة، وحصلت على 15 مقعدا (المرتبة الرابعة) في الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا في تونس، وقدّمته مرشحا للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 23 نوفمبر الجاري.
 

نتيجة لا يستبعد المراقبون للشأن التونسي، أن تفتح الآفاق واسعة أمام الهمامي، لقلب موازين السباق الرئاسي، وكسر ذلك الاستقطاب الثنائي الطاغي عليه، والذي يشكّل قطبيه مرشّح حزب "نداء تونس" الباجي قايد السبسي، والرئيس التونسي الحالي المنصف المرزوقي.
 

لم تكفّ ماكينة اليسار منذ حوالي قرن  عن استقبال أطياف عابرة من اليسار الماركسي والعروبي وحتى من اليسار الاسلامي.. أما الآن، فقد رحل من رحل، وتوقّفت بعض القوافل عن الاستراحة في مقرّاته، غير أنّ الهمامي لازم القلعة كقائد تاريخي محاطا بهيئة أركان ضمت قيادات اليسار الأخرى.. فهل سينتصر الوزن النضالي الكبير على رقعة الأحلاف الصغيرة هذه المرة؟، خصوصا وأنّ الهمامي كان يربح كلما لعب في مناطق الأحلاف التكتيكية والائتلافات المناسباتية، ويخسر كلما لعب في منطقة حزبه.

 

اقرأ أيضا

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان