رئيس التحرير: عادل صبري 01:35 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

بالفيديو.. بعد 4 سنوات من الثورة.. صناع يناير راقدون فوق التراب

بالفيديو.. بعد 4 سنوات من الثورة.. صناع  يناير راقدون فوق التراب

الحياة السياسية

مصابو ثورة 25 يناير

بالفيديو.. بعد 4 سنوات من الثورة.. صناع يناير راقدون فوق التراب

أحلام حسنين - آيات قطامش 28 يناير 2015 17:56

راقدون فوق التراب، حياة أقرب للموت، أحلامهم الكبيرة أثناء قيامهم بالثورة تبددت وتحول هدفهم الأوحد في الحصول على العلاج، منهم من فقد أطرافه وأصبح ملازمًا لفراش عاجزًا أبد الدهر، ومنهم من فقد بصره فبات يتحسس خطواته، وآخر وجد في الدول الأجنبية ضالته لتعيد له الحياة مرة أخرى.

خسروا الكثير في سبيل القضاء على نظام أفسد حياة المصريين، حتى يحييون حياة كريمة، تسودها الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وفي النهاية خرج من ثاروا عليهم من غياهب السجون، وعادوا للحياة مرة أخرى يتنعمون برغدها، وبات الموت أو الهجرة السبيل أمام هؤلاء الذين حاولوا صنع وطن يستحقهم، هذا هو حال كثيرين من مصابي ثورة يناير بعد مرور 4 سنوات.

 

"مخدتش من الثورة غير العجز"

كانت في عامها الـ19، حين فقدت القدرة على تحريك قدميها وذراعها الأيسر، لم تكن تعلم حين خرجت في هذا اليوم الذي لطالما تنتظره منذ عام 2008، حين اعتدى عليها وأمها أحد ضباط الشرطة أثناء مرورهن بالصدفة على تظاهرة لعمال الغزل والنسيج أمام مجلس الوزراء، أنها ستعود دون أطرافها، لتظل مقيدة أبد الدهر  على كرسي متحرك.

هذا ما جنته، منة الله أحمد، من ثورة 25 يناير، مرت أربعة أعوام وهي لاتزال حبيسة أربعة جدران بمركز تأهيل القوات المسلحة بالعجوزة، بعد رحلة علاج كادت تقودها إلى الموت، تتمنى اليوم لو أن تهاجر البلاد، بعد أن فقدت الأمل في أن يتحقق ما خسرت حياتها من أجله.


ففي جمعة الغضب 28 يناير 2011، وبينما يتدافع المتظاهرون بميدان عبد المنعم رياض، للفرار من الشرطة، والشمس وقتئذ تجمع أشعتها لتأذن بالغروب، سقطت "منة" على الأرض، فانهالت عليها أقدام جنود من الأمن المركزي، فهشمت فقرتين بظهرها، وما بين أيادي ممدودة من المتظاهرين تحاول إنقاذها، وأقدام تواصل دهسها "اتخلع" ذراع منة، ومع كثرة صراخها اضطر الجنود لتركها.

وبعد بضعة أشهر من الأحداث، خضعت "منة" لعملية بمستشفى قصر العيني الفرنساوي، وبعد أن كانت تعرج على قدميها، فقدتهما إلى الأبد، وبعد أن كانت تحرك ذراعها الأيسر رغم شدة الألم، فقدت الإحساس به نهائيًا، فهكذا تساوت الحياة والعدم عندها، نتيجة خطأ بالعملية أدى إلى نزيف بالحبل الشوكي.


لم تستطع الابتسامة التي صنعتها "منة" على وجهها وهي تحدثنا أن تخفي ما تعانيه من مرارة، فالدموع المحبوسة في عينها، لم تملك أن تحبسها مليًا، وسالت رغمًا عنها على خدها، عندما تذكرت أن المستقبل الذي كانت تنظره ربما لا يأتيها قط.

"منة "كانت زي الفراشة بتحلم بحاجات كتير، وكل أحلامها ادمرت، وأصحابها منهم اللي مات، ومنهم اللي اتصاب، ومنهم اللي جالوا اكتئاب، والبيت كله ادمر، وصرفنا اللي ورانا وقدمنا"، قالتها الأم، مفسرة بكاء ابنتها.

وبعد أن استجمعت قوتها مرة أخرى قالت منة: "أنا مندمتش إني شاركت في الثورة، وشاركت في 30 يونيو، لكن صحتي راحت هدر، الحكومة هي اللي عاجزة مش أنا، أنا مبعرفش أروح أي مكان بالكرسي، وده موقفني عن دراستي، بقالي 4 سنين في أولى جامعة، كنت في سياحة وفنادق وحولت لآداب، فيه مية عقبة في طريقي، في مية حاجة بتعجزني إني أقدر أكمل في البلد دي".

صمتت منة للحظة وعادت "أنا شايفة الأيام كلها سوداء، نفسي أسيب البلد، احنا ادمرنا ومبارك وعياله عايشين حياتهم وكأن مفيش حاجة حصلت".


أمنية واحدة ترجوها "منة"، في سبيلها لم تطلب مستحقاتها المالية التي تبلع 100 ألف جنيه، من المجلس القومي لرعاية أسر شهداء ومصابي ثورة يناير، ولم تطلب "الشقة" التي وعدتها الحكومة للمصابين، فقد تريد حقها في العلاج.

وقبل أن تنتهي "منة" من الحديث عن أمنيتها، ُطرق باب غرفتها، فإذ بأحد الموظفين بالمركز يطالبها بتسديد النفقات وإلا يتم إخراجها، وهكذا فوجئت "منة" بأن المجلس لم يسدد  النفقات، رغم وعد المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء، بأن مستشفى القوات المسلحة مفتوحة لمصابي الثورة، وقبل ساعات قليلة من الذكرى الرابعة للثورة، أخبرتنا "منة" أنه تم تسديد الإيرادات.

 

علام.. يستغيث بالهند

لم تكن "منة" وحدها التي ترغب في الرحيل عن البلاد، فهناك "فريد علام"، مصاب بشلل نصفي بقدميه، إثر تعرضه لغاز أعصاب سام محرم دوليًا، بحسب تقارير طبية، إبان أحداث محمد محمود الأولى، لجأ مؤخرًا للهند يستغيث بهم ليعالجوه، بعد أن باءت استغاثته بالحكومة المصرية بالفشل،على حد قوله.

جاء "علام" على كرسي متحرك، من محافظته كفر الشيخ، قبل بضعة أيام من ذكرى الثورة، إلى مجلس رعاية أسر شهداء ومصابي الثورة، حاملًا رسالة للحكومة المصرية "أنا طالبت بعلاجي ومحدش استجاب، شكرًا أنا خلاص لجأت للشعب الهندي".

لجوء "علام" للهند جاء بعد مرور 4 سنوات، سئم فيها ما وصفه بـ"ذل المجلس للمصابين وسعيه لموتهم ببطء"، كره فيهم شعوره بأنه "ميت على قيد الحياة"، خاصة بعد أن أصبح غير قادر على مواصلة اختراعاته التي كان يعكف عليها قبل الثورة، والتي سجل منها علاجًا لمرض الصدفية، وآخر لمرض النقرس .

ورغم ما عاناه "علام" طيلة السنوات الماضية وحاجته للعلاج، إلا إنه رفض عرض ألمانيا عليه بتكفل علاجه، مقابل التنازل عن الجنسية المصرية، بحسبه

 

ثار من أجل شقة فسكن الشارع

وأمام المجلس جلس أيضًا "حسن علي السيد مسعود"، ذو الـ 57 عاما، ينبش بيده المرتعشة بين أوراقه، التي لم يملك سواها، فهو وحيد لم يتزوج، له شقيقة لا يعرف عنها شيء باع شقته ليتعالج من مرضه النفسي، الذي يكبده 6 آلاف جنيه شهريا، وتسبب في خروجه على المعاش المبكر من إحدى الشركات الخاصة. 

عرف "حسن" الطريق إلى ميدان التحرير، قبل الثورة بثلاثة أعوام، كان سبيله بعد أن فقد كل ما يملك، قصد في البداية باب محافظ حلوان، ليوفر له سكن يأويه، ولكن غُلقت الأبواب في وجهه، فسكن الميدان، ومرت 4 أعوام بعد الثورة، ولا يزال الشارع مأواه، وإن تبدل المكان من ميدان التحرير، إلى رصيف مجلس رعاية أسر شهداء ومصابي الثورة.

ثورة يناير، كانت بالنسبة له حدثًا ربانيًا جاء ليخلصه من هلاك الشارع، لم يكن أمامه إلا أن يهتف "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، لم يسكته إلا رصاصة أصابت قدمه وأوقعته جريحا، لتنضم عاهة مستديمة بقدميه إلى قائمة أمراضه، فهكذا زادت الثورة من أعبائه، لم يجن منها سوى 5 آلاف جنيه، حتى إنه لم يحصل على المعاش المستحق له، بحجة مرضه النفسي.

 

نبيل.. ميت على قيد الحياة

وبينما  نتحدث لبعض المصابين أمام المجلس، سمعنا أحد الأشخاص بالخلف يتأوه، فالتفنا فوجدناه ملقى على الأرض متشنجا، وإلى جواره عكازه الذي يتكئ عليه، وعندما اقتربنا منه، علمنا أنه أحد المصابين بأحداث جمعة الغضب، فطلبنا أن نذهب لمنزله لنعلم كيف حاله بعد مرور 4 سنوات على ثورة راحت فيها قدميه، وعينه اليسرى.

في حجرة صغيرة بأحد المنازل القريبة من الجامع الأزهر، يرقد "نبيل فتحي سليمان"، يتنفس مثل الأحياء، ولكنه لا يستطع أن يتحرك مثلهم، فحياته ما بين النوم دائما، أو الوقوف لبضع دقائق، يفقد بعدها أعصابه، فيقع على الأرض في الحال، مثلما حدث معه في المجلس، حينما ذهب إليهم، ليطلب استكمال العلاج.

وقبل أن ينطق "نبيل" بشيء مما يعانيه، ألقى بنظرة إلى صورتين معلقتان على الحائط، إحداهما من اتحاد الأطباء العرب، وآخرى من رئاسة مجلس الوزراء، فيهما شكر لجهده في ثورة يناير، ليتنهد بعدها قائلا "كل ده أونطة، مخدناش منهم غير كلام".

"ها يافندم نضرب"، جملة عندما سمعها "نبيل" من أحد الضباط بميدان التحرير، وهو يتحدث عبر اللاسلكي، علم أنه لن يخرج من الميدان إلا ميتًا أو محبوسًا، وما لبثت دقائق، حتى أصيب بشظايا طلق ناري في الجمجمة، والوجه، والرقبة، والصدر، والعمود الفقري، وأجزاء متفرقة من الجسم، ألزمته الفراش حتى الموت، إن لم يعالج بالخارج.

72 شظية أخرجت من جسد "نبيل"، خلال 3 عمليات خضع لهم، على نفقة رجال أعمال قبل إنشاء المجلس، ولاتزال هناك شظايا بالعمود الفقري بحاجة لعملية، ولكن قررت تقارير المستشفيات الحكومية التي يتعامل معها المجلس، أن يبقى عاجزًا مدى الحياة، وقالت إن حالته ليس لها علاج، رغم ما يمتلكه من تقارير طبية أخرى، بأن له عملية بسويسرا لنزع الشظايا من المخ، و أخرى بألمانيا لنزع الشظايا من العموي الفقري، ليتمكن من الحركة مرة أخرى.

وهكذا مرت رحلة علاج "نبيل" على مدى السنوات الماضية، باع خلالها الشقة التي كان سيتزوج بها بالحي العاشر بمدينة نصر، لينفق على علاجه، الذي كلفه أكثر من 70 ألف جنيه، وانتهى به المطاف بالإصابة باكتئاب وتشنجات ومرض نفسي، ينفق عليه 570 جنيه شهريًا، بعد أن فقد كل شيء وفي المقابل يحيا من دمر حياته حرًا طليقًا.

رمضان يندم ويتمنى الموت

"ياريت الواحد كان مات بدل المرار اللي هو شايفه"، هكذا هو حال رمضان محمود عواد، بعد 4 سنوات من الثورة، ندم على كونه واحدًا من المشاركين بها وتمنى لو أنها لم تقم، فهو يرى أن شيئًا لم يتغير بعد، سوى أن الفقير زاد فقرًا.

في البداية لم يكن "رمضان"، قاصدًا المشاركة بالثورة، ففي مساء جمعة الغضب عاد إلى منزله بعد أن فرغ من عمله، وأخبرته والدته أن أخيه لم يحضر للمنزل وتخشى أن يصيبه مكروه من الأحداث المشتعلة بالبلاد، فخرج ليبحث عن أخيه، فأصابه طلق ناري بالقدم، أمام قسم حدائق القبة، وعندما عثر على أخيه وجده أيضًا مصاب بطلق ناري في الصدر.

 

وبعد أن خرج "رمضان" من المستشفى قرر أن يشارك بكل أحداث الثورة، وحتى ثورة 30 يونيه، وما جعله يندم على ثوريته، أنه فقد كل شيء مقابل لا شيء، فلم يعد قادرًا على العمل، الذي يدر له الآلاف شهريًا، حيث كان يعمل "نقاشاً"، مقابل معاش من المجلس لا يتعدى 450 جنيها، وأصيب بتهتك بالقدم اليمنى، نتيجه إهمال علاجه تسعة أشهر جعله يفقد اتزانه، مقابل 15 ألف جنيه.

"زكريا عبد الله مصطفى"، أحد مصابي جمعة الغضب، بطلق ناري في الركبة، وخرطوش بالرأس، يرى أن حال المصابين يزداد سوءًا، مقسمًا بالله أنه رأى بعينه مصابين ثورة "بيشحتوا"، بعد أن تخلى عنهم المجلس، متوجهًا بحديثه للرئيس عبد الفتاح السيسي" الثورة بتموت، والمصابين تعبانين، ولولا الناس دي مكنتش أنت قعدت على عرش مصر".

20% يفكرون فى الانتحار

أكثر من 20 % من الثوار الحقيقيين، الذين صنعوا تاريخ جديد لمصر، يسعون للهجرة، ويريدون الانتحار، بعد أن انتابتهم حالة من اليأس والإحباط، لشعورهم بأنه بعد 4 سنوات كأن ثورة لم تقم، فالنظام الذي سالت من أجل إسقاطه دماء المئات من الشباب، خرجت رموزه من السجون، وعاد يطل برأسه من جديد، هكذا حدثنا إيهاب سيد الغباشي، المنسق العام لرابطة أسر شهداء ومصابي ثورة يناير.

ويضيف الغباشي: "النظام الحالي يتعامل بعجرفة مع الثوار، ومؤسسة الرئاسة تتجاهل مصابين وأسر شهداء الثورة، وأصبح وضع المصابين موسمي، كلما اقتربت ذكرى يناير، كلما جددت الحكومة عهدها برعايتهم".

 

شاهد الفيديو

اقرأ أيضًا:

فيديو.. أمين المجلس القومي لأسر الشهداء: مصدومين

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان