رئيس التحرير: عادل صبري 02:05 صباحاً | الأحد 22 سبتمبر 2019 م | 22 محرم 1441 هـ | الـقـاهـره °

معتقل كل العصور.. فوزي حبشي.. نصف قرن من النضال السياسي

معتقل كل العصور.. فوزي حبشي.. نصف قرن من النضال السياسي

الحياة السياسية

المناضل فوزي حبشي وزوجته ثريا شاكر

رحل عن عمر يناهز 95 عاما

معتقل كل العصور.. فوزي حبشي.. نصف قرن من النضال السياسي

أحلام حسنين 31 أغسطس 2019 13:45

بعد عقود طويلة قضاها مناضلا في صفوف الحركة الشيوعية المصرية، كان يدور فيها بين السجون منذ العهد الملكي حتى عصر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حتى لقبه البعض بـ"معتقلي كل العصور"، رحل عن عالمنا المناضل فوزي حبشي، أحد الرعيل الأول لليسار في مصر.

 

كان فوزي حبشي، أحد رموز الحركة الشيوعية المصرية منذ الأربعينات، وقد بدأت علاقته بالشيوعيين بعدما انتقل من محل ميلاده بمحافظة المنيا إلى حي شبرا بالقاهرة مع أسرته، ليستكمل تعليمه.

 

بدايته..

يقول المؤرخ والأكاديمي عاصم الدسوقي، إن فوزي الذي ولد في عام 1924، نشأ في أسرة عصامية، ،تعلم فيها التحدي ومواجهة الظروف القاسية منذ نعومة أطافره، فقد رأى والده الذي لم يكن له حظ من التعليم مزارعا يفلح الأرض، ثم رآه وهو يصر على تجاوز هذا الوضع وينخرط في سلك التعليم حتى يتخرج في كلية الحقوق ويصبح محامياً فكان نموذجاً مشرفاً لأبنائه.

 

تخرج فوزي حبشي من كلية الهندسة جامعة الفؤاد الأول "القاهرة الآن" عام 1946، لينتقل إلى القاهرة وسكن بحي الدقي ليكون بجوار الجامعة، ثم انتقل للعيش في شبرا، وانتقلت إليه أسرته من المنيا لتكون معه.

 

علاقته بالشيوعية

 

وفي شبرا بدأت علاقة "فوزي حبشي"  بالشيوعيين بقراءة الماركسية، بتشجيع من المهندس خضر محمود خضر، وعرف طريقه إلى مراكز الفكر الشيوعي في القاهرة، ومنها :"لجنة نشر الثقافة الحديثة قرب دار الحكمة بشارع قصر العيني، ودار الأبحاث العلمية بالمبتديان"، فضلا عن الاستماع لمحاضرات سلامة موسى بجمعية الشبان المسيحيين حول الصناعة المستقلة والديمقراطية والجلاء.


ووجد "حبشي" نفسه مندمجا في العمل السري، يقوم بتوزيع المنشورات ضد الإنجليز ويكتب على الجدران شعارات الحرية والتحرير،  بحسب ما روى الدسوقي، في مقدمة كتاب معتقل كل العصور لـ"فوزي حبشي".

 

الطريق إلى المعتقل

 

ومن هنا بدأ مشوار "حبشي" إلى السجون، ففي صيف عام 1947 أُلقي القبض عليه متلبسا بتوزيع المنشورات، واُحتجز في قسم روض الفرج، واندرج اسمه ضمن قوائم الشيوعيين "أصحاب الأفكار الهدامة" في عرف النظام الحاكم، ويظل على القوائم مرشحاً للاعتقال بين لحظة وأخرى فور حدوث مظاهرة سياسية.

 

ومنذ ذلك التاريخ البعيد أصبح حبشي ضيفا على كل معتقلات مصر، لا يخرج إلا ليعود مرة أخرى أكثر صلابة وأكثر تحديا، وقد ازداد خبرة بحياة السجون والمعتقلات والتأمل في حياة السجانين وسجنائهم من كافة الاتجاهات.

 

واعتقل بعد ذلك في 14 مايو  1948، وبقي في سجن هاكستب حتى 21 فبراير 1950، ثم تتالت الاعتقالات، حتى كان آخرها في 30 مارس 1981، وأفرج عنه تحت المحاكمة بعد ثمانية أشهر. 

 

وفي السبعينات من القرن الماضي أنضم إلى تنظيم شروق ثم شارك في تأسيس الحزب الشيوعي المصري، وكان في قيادته وقد اعتقل في قضية الانتفاضة في 18، 19 يناير 1977 .

 

وهكذا زار حبشي معظم سجون مصر ، من الاستئناف والهايكستب والعزب بالفيوم وسجن مصر إلى جبل الطور وأبو زعبل والقلعة والقناطر وطرة والواحات، وغيرها جراء آرائه اليسارية، وتكرر ذلك في كل الأنظمة التي حكمت مصر منذ الملك فاروق وجمال عبدالناصر، فأنور السادات ثم حسني مبارك عام 1987.

 

إبداع في المعتقل

 

لم ينس "حبشي" تخصصة في مجال الهندسة المعمارية وهو داخل السجن، بل جعل منه أداة تنفيس لما يتعرض له من ظلم وتعذيب، فحول الهندسة التي تعلمها في الجامعة إلى إبداع داخل السجن.

 

فكر"حبشي" كيف يجعل فناء  السجن جميلا، فهرب الجبس والبلاط والقيشاني والأنانبيب، ليصنع وسط الفناء "نافورة" تعبر عن رؤيته، حسبما يروي في كتابه "معتقل كل العصور".

 

وأسس "حبشي" ورفاقه مزرعة داخل السجن لتزودهم بالخضراوات، كما ساهم معهم بتشييد خزان مياه يروي ما زرعوه من خضرة.

 

وبعد أن شبعوا كما يقول "الروائي صنع الله إبراهيم"، عن فوزي حبشي ورفاه في المعتقل، فكروا فيما هو أبعد من الطعام العضوي، فاقترحوا تأسيس مسرح،  ليصمم لهم "حبشي" مسرحا ويبنيه، لتقدم عليه لاحقا مسرحيات مهمة في تاريخ المسرح المصري والعربي  مثل "حلاق بغداد"  للكاتب ألفرد فرج و"عيلة الدوغري" لنعمان عاشور وغيرهما.

 

ويقول عنه دكتور عبد العظيم أنيس "في سجن الواحات قام المهندس فوزي حبشي بأعمال إيجابية عديدة من بينها بناء المسرح الذي قدمت عليه العديد من المسرحيات مثل "عائلة الدوغري" لنعمان عاشور و"حلاق بغداد" لألفرد فرج، كما أنه لعب دورا أساسيا في إنشاء الجامعة الأهلية التي أسسناها في سجن الواحات".

 

"حبشي" يروي مذكراته

 

وبعد خسمين عاما قضاها فوزي حبشي مناضلا في صفوف الحركة الشيوعية، قرر أن يكتب وفي الثمانين من عمره مذكراته، لا من أجل إثبات وجهة نظره فيما مضى وانقضى، ولكن من أجل المستقبل، كما قال في مقدمة كتابه، فهو يأبى الاعتراف بنهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية، وهو الذي دفع من حياته الكثير من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، والتحرر الوطني والديقراطية.

 

سرد "حبشي" في كتابه "معتقل كل العصور..حياتي في الوطن"، سيرة نضاله التي تجاوزت ستين عاما، تنقل فيها من سجن إلى آخر ساردا ما تعرض له من تعذيب من قبل كل الأنظمة السياسية التي حكمت مصر منذ عهد الملك فاروق، ومسببات سجنه وتداعياتها.

 

واعتمد "حبشي" في كتابه على رسائل متبادلة مع زوجته المناضلة اليسارية ثريا شاكر، والتي تعرضت للسجن معه أكثر من مرة لنشاطها في منظمات الحزب الشيوعي بمصر، حيث كانا عند الاعتقال يتركان أطفالهما لدى الجيران.

 

ويقول الروائي صنع الله إبراهيم في شهادته عنه "كانت نظرة واحدة مني إلى وجهه الصريح عندما نلتقي تنبئني بأحواله المعنوية دون حديث، وأجد صداها على الفور في نفسي، رأيته مبتسما متفائلا في السبعينيات ومكتئبا في الثمانينيات والتسعينيات ومبتهجا باسما مرة أخرى في المؤتمرات المضادة للعولمة الرأسمالية التي شهدتها الألفية الجديدة".

 

اجتماع في "الصباحية"


ومن أبرز المواقف التي سردها "حبشي" في كتابه "معتقل كل العصور"، أن زوجته "ثريا" كانت عضوة في تنظيم "حدتو" الشيوعي، وقد تزوجها في 13 نوفمبر 1974، وكان حينها مقيما في شقة مع أسرته.

 


يحكي حبشي فيقول: في أول صباح لأيام زواجنا، سمعت طرقا على باب الشقة وحين فتحته وجدت مجموعة من رفاق ثريا في التنظيم يدخلون ليعقدوا اجتماعا حزبيا عندنا! سألت ثريا: كيف هذا؟ قالت لي: لقد أقنعوني في التنظيم بأن الاجتماع في يوم الصباحية لن يثير شبهات أو شكوك البوليس! وأن أفضل تأمين للاجتماع أن يتم في وقت كهذا تحديداً!.

 

ويستطرد :"حاولت ثريا أن تثنيهم عن فكرتهم تلك بلا فائدة فرضخت لهم، ورضخت بدوري وتركت البيت لأخلي المكان لاجتماع سياسي. المشكلة كانت في أمي التي حطت عليها الدهشة من ذلك الحشد الذي يجلس مع ثريا من دون حضور زوجها! وكان ذلك من أعجب الاجتماعات السياسية التي مرت في حياتي "يوم الصباحية".

 

علاماته المعمارية

 

وبعيدا عن النضال والمعتقلات، فقد كان لـ"حبشي" علامات أيضا على مستوى النشاط المهني، فقد ترك علامات معمارية باقية حتى الآن، مثل محطة السكك الحديد في بورسعيد وضريح أحمد ماهر في العباسية ومباني مهمة فهو ليس فقط معتقل كل العصور، ولكنه معماري متميز أيضا.

 

كما أن "حبشي" أعد تصميما بديلا لمدرسة بحر البقر، بعد تدميرها عقب العدوان الإسرائيلي عليها في 8 أبريل 1970 ، وقد نُشر ذلك التصميم في مجلة حركة السلام العالمي، ولكنه لم ينفذ حتى اليوم.

 

وعن خبرته الهندسية يقول محمود أمين العالم :"خبرة حبشي الهندسية لم تكن خبرة معمارية فحسب، بل كانت خبرة إنسانية أخلاقية، كان مهندسا إنسانيا قبل أن يكون مهندسا معماريا، ولهذا فكفاءته الهندسية المعمارية تطل دائما على الإنسان ومن أجل الإنسان".

 

نصف قرن اعتقال وسعادة

 

ورغم أنه حبشي قضى أكثر من نصف قرن في النضال، مترحلا من معتقل إلى آخر، إلا أنه لم ير في ذلك شقاء، بل يؤكد أنه كان سعيدا بتلك الرحلة في حياته.

 

ويقول حبشي في ختام كتابه أن أكثر من نصف قرن انقضى على المرة الأولى التي اعتقل فيها في عهد الملك فاروق، ورغم إقراره أن طريق حياته لم يكن سهلاً، إلا أنه يؤكد سعادته.

 

ويقول: "سعيد بعد ذلك العمر وتلك الرحلة، لأنني لم أغير شيئا من نقطة انطلاقي الأولى: البحث عن مجتمع عادل يوفر الكرامة والتعليم والصحة والثقافة لأبنائه من دون تمييز، وسعيد لأن القوة لم تفلح في إجباري على القبول بالظلم، كما أن العمر والأحداث لم ترغمني على أن ألعن بداياتي أو أن أتخلى عن أحلامي لنفسي، ووطني. لأن التخلي عن الأحلام انتحار وموت".

 

وبعد هذه الرحلة الطويلة غادر "فوزي حبشي" في يوم 30 أغسطس 2019 عالمنا، عن عمر يناهز الـ 95 عاما، تاركا سيرة خالدة أبد الدهر، حافلة بالنضال من أجل التحرر والديمقراطية والحرية.

 

يساريون:فقدنا رمزا تاريخيا

 

وقد نعى قيادات الحركة اليسارية في مصر رحيل المناضل فوزي حبشي، عبر صفحاتهم على فيس بوك، معتبرين أنه واحد من الرعيل الأول لليسار في مصر.

 

وعنه قال مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، رحل اليوم عن عالمنا المهندس العماري فوزي حبشي أحد رموز الحركة الشيوعية المصرية منذ الأربعينات.

 

وأشار الزاهد، عبر صفحته على فيس بوك، إلى أن حبشي اٌعتقل عدة مرات من العصر الملكي حتي عصر السادات ومبارك ولذلك سمي بـ"معتقل كل العصور"، وهي عنوان مذكراته التي نشرت منذ سنوات بنفس العنوان.

 

وأضاف :"انخرط فوزي حبشي في تنظيمات الأربعينات وتنقل ما بين مختلف السجون المصري ، وفي السبعينات من القرن الماضي أنضم إلى تنظيم شروق ثم شارك في تأسيس الحزب الشيوعي المصري وكان في قيادته وقد اعتقل في قضية الانتفاضة في 18، 19 يناير 1977".

 

وقال زهدي الشامي، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي :"وداعا المهندس فوزى حبشى، برحيله يفقد اليسار المصرى واحدا من الرعيل الأول من مناضليه الكبار متذ العهد الملكى حتى اليوم".

 

وعنه قال الباحث الاقتصادي والعمالي إلهامي الميرغني:"عمنا وأستاذ الأجيال فوزي حبشي وداعا، عم فوزي علامة مهمة في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية،  هو جزء مهم من تاريخ اليسار المصري غاب عنا اليوم".


ورثاه الميرغني قائلا :"يا قبر فيك إنسان بالقلب ما مات بين الحنايا حتى لو كان مدفون".

 

ويقول حمدي عبد العزيز :"فقدنا واحدا من أهم آباء النضال الوطني الثوري، فقدنا أستاذنا المناضل التاريخي فوزي حبشي أحد أهم قيادات اليسار المصري عبر أجياله وتاريخه الممتد، وأحد المناضلين العظام والذي كرس حياته ووقته وحريته لمبادئ التحرر الوطني، وحق الشعب المصري في حياة حرة كريمة تسودها العدالة الاجتماعية".

 

وأضاف عبد العزيز، عبر صفحته على فيس بوك، أن حبشي دفع حريته ثمنا لذلك في سجون الإحتلال الإنجليزي والنظام الملكي، ثم في سجون النظام الوطني الناصري "في مفارقة مؤلمة عاشها جيله"، ثم في سجون نظام الثورة المضادة الساداتي، وظل يقدم التضحيات والنضالات بعزيمة ظلت معه حتى انتهاء مسيرته.

 

وتابع :"وهكذا فقد استحق أن يكون أحد أهم الذين سطروا أسمائهم بحروف من ذهب في تاريخ الحركة الاشتراكية المصرية".

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان