رئيس التحرير: عادل صبري 08:04 مساءً | الأربعاء 24 أبريل 2019 م | 18 شعبان 1440 هـ | الـقـاهـره °

في الذكرى الـ25 للإبادة الجماعية.. كيف حققت رواندا المصالحة الوطنية؟

من خلال 6 إجراءات

في الذكرى الـ25 للإبادة الجماعية.. كيف حققت رواندا المصالحة الوطنية؟

سارة نور 10 أبريل 2019 14:06

في غضون 100 يوم فقط بدأت في إبريل 1994، وقف العالم يشاهد مقتل نحو 800 ألف شخص وفي إحصائيات أخرى نحو من قبيلة التوتسي والهوتو المعتدلين في جريمة إبادة جماعية على الأراضي الرواندية. 

 

فبمجرد أن تشي ملامحك أوبطاقة الهوية أنك أحد أفراد قبيلة التوتسي التي تمثل نحو 15% من نسبة السكان لا يمكن أن تتخيل أن مصيرك سيصبح أفضل ممن سبقوك حيث القتل والاغتصاب على أيدي قبيلة الهوتو التي تمثل نحو 80% من السكان.

 

لم تكن جريمة الإبادة الجماعية في رواندة وليدة اللحظة وإنما جرى الإعداد لها بمهارة على مدى عشرات السنين، فمنذ عام 1930  فرض المستعمر البلجيكي بطاقة الهوية الشخصية على السكان التي كانت تصنفهم طبقا للأصل الإثني (هوتو، توتسي، توا). 

 

سياسات استعمارية 

 

إبان الاستعمار البلجيكي، كانت قبيلة التوتسي التي تمثل أقلية تسيطر على النظام الملكي، و على الأراضي الزراعية، بينما تستخدم قبيلة الهوتو في العمل الإكراهي، في تصاعد للنعرات العرقية وفقا لبطاقة الشخصية التي تحدد مصير السكان هناك.

 

حركات التحرر الوطني في إفريقيا التي بدأت في مطلع خمسينات القرن الماضي، ألقت بظلالها على الوضع في رواندا، ففي 1959 حزب حركة انعتاق الهوتو الذي ارتكب لاحقا مجازر بحق التوتسي، ونتج عن الحركة عزل الملك في 1961.

 

أعقب عزل الملك إعلان شكلي لقيام الجمهورية الرواندية أو فيما باتت تعرف بالجمهورية الأولى للهوتو في 1962، وجرت مجازر عديدة بحق أفراد قبيلة التوتسي ما جعل عدد كبير منهم يهاجرون إلى دول الجوار هربا من القتل والاضطهاد. 

 

وفي 1982، أبعد الرئيس الرواندي الذي جاء عقب انقلاب عسكري  80 ألف رواندي لاجئ من التوتسي، طردهم النظام الأوغندي، ورغم كل التقارير الحقوقية العالمية التي تشير إلى انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان إلا أن النظام الرواندي حظى بدعم كبير من فرنسا.

 

الجبهة الوطنية 

ومع استمرار قمع المعارضة في الداخل  وكلهم من التوتسي؛ تشكّلت الجبهة الوطنية الرواندية في عام 1988على أيدي عدد من اللاجئين والكوادر المتعلمة في الخارج من التوتسي، وتبع ذلك مظاهرات لنحو 100 ألف رواندي في العاصمة كيجالي ضد الحكومة في 1990.

 

على إثر حملة الاعتقالات الواسعة التي جرت آنذاك، أسست الجبهة الوطنية الرواندية جناح عسكري في شمالي البلاد لكن  القوات الرئاسية بمساعدة قوات المظليين الفرنسية ضربت هذا التحرك، ما أدى لاعتقال أكثر من عشرة آلاف توتسي ومعارض في العاصمة في 6 أكتوبر 1990، بحسب يونس موشومبا الباحث الرواندي. 

 

وتصاعدت الأمور أكثر في  فبراير 1992، إذ شكّل الحزب الحاكم  ميليشيات (إنتيراهاموي) من شبان قبيلة الهوتو، وهي التي ارتكبت مجازر بحقّ التوتسي في مناطق عدة من البلاد، وبناء على تقارير دولية لمنظمات منها هيومن رايتس ووتش وصلت بعثة دولية إلى رواندا.

 

البعثة الدولية أًصدرت تقريرا أرسلته للرئيس الفرنسي،يتحدث عن وقوع مجازر بحقّ التوتسي، وكانت السلطات تنفي وقوعها، وتوصلت بعثة التحقيق لاستنتاج أساسيٍّ؛ هو أنّ المجازر التي وقعت بين 1990و 1993 ليست تلقائية، بدءاً من الإذاعة والمناشير إلى فرق الموت.

 

اتفاق أروشا 

لمواجهة هذه التطورات الخطيرة، تمّ توقيع اتفاقيات (أروشا) بين الحكومة والجبهة الوطنية الرواندية في أغسطس 1993م، وهي تنصّ على إدماج قوات الجبهة الوطنية في الجيش، وإعطاء المعارضة مناصب وزارية، لكن هذه الاتفاقية وصلت لطريق مسدود نتيجة رفض المجموعة التابعة للرئيس آنذاك ومعروفة باسم "هوتو باور".

 

وحسب أندريه ميشيل أوسونغو مؤلف (عدالة في أروشا) فأن الحكومة الرواندية صرفت  لشراء السلاح بين أكتوبر 1990م وأبريل 1994 قرابة 100 مليون دولار، ومعظم  شحنات السلاح من فرنسا.   

 

الإبادة الجماعية 

وفي 6 أبريل 1994 قُصفت الطائرة التي تقلّ الرئيس الرواندي وقُتل كلّ مَن على متنها، وفي أقلّ من 24 ساعة بدأت عمليات قتل واسعة للتوتسي في العاصمة كيجالي، وارتكاب مجازر في أبرشيات خمس مدن رواندية.

 

جرت الإبادة في صمت دولي تام، فكل شخص من التوتسي أًصبح هدفا لشخص أخر من الهوتو، واغتصب آلاف من النساء والفتيات ونتج عن تلك العمليات إصابة عشرات اللآلاف بمرض نقص المناعة المكتسبة بالإيدز.

 

وبعد أسبوع من المجازر بدأت عملية لإخلاء 1238 من الرعايا الغربيين، منهم 454 من الفرنسيين، كذلك سحبت الحكومة البلجيكية قواتها من بعثة مساعدة الأمم المتحدة، أما مجلس الأمن فخفّض عدد القوات الأممية من 2500 إلى 270.

 

تواطؤ فرنسي

في 23 يونيو باشرت فرنسا عملية (توركواز) أي (الممر الإنساني) الفرنسي الذي ساهم في هرب آلاف المشاركين في المجازر من الهوتو وفي 4 يوليو سقطت العاصمة بيد (الجبهة الوطنية الرواندية)، كما تفكك الجيش، وهربت الميليشيات نحو معسكرات اللاجئين والدول المجاورة.

 

انتهت الحرب الأهلية في رواندا من خلال اتفاق "أروشا" وبدأ الروانديين في لملمة جراحهم والاستعداد للمصالحة الوطنية الحقيقية التي نجح في إقرارها الرئيس بول كاجامي في أعقاب الأهلية ومن أبرز آليات هذه المصالحة ما يُعرف بمحاكم العشب الأخضر(غاكاكا).

 

محاكم غاكاكا

هي محاكم شعبية  يديرها المواطنون، ظهرت  للمرة في عام 2001، وساعد هذا النظام جزئياً في تسهيل التواصل بين الجناة والناجين كخطوة أولى في مجال الوصول إلى العدالة الانتقالية، وتكون العقوبة أحيانا هو أن يعمل الجاني في حقل الضحية لعدد من السنوات بعد الاعتراف بجرائمه.

 

ومن ضمن الجهود، استدعى القائمين على تحقيق تلك المصالحة الثقافة التقليدية من خلال مبادرة أوموغاندا، حيث يدعوا المواطنون أسرهم و أصدقائهم و جيرانهم لمساعدتهم على إكمال المهمة الصعبة والنتيجة كانت مجموعة من الحلول الرئيسة نتجت عنها برامج التنمية المستدامة.

 

مبادرة أوموغاندا

وحتى الآن في السبت الأخير من كل شهر يشارك  كل أفراد المجتمع،الذين تتراوح أعمارهم من 18 – 65 بمن فيهم رئيس الجمهورية بالأشغال العامة المتنوعة، كما تشجيع المغتربين الذين يعيشون في رواندا للمشاركة، وغالباً ما يشمل ذلك تطوير البنية التحتية وحماية البيئة.

مبادرة أوبوديهي

 

فيما تشير مبادرة أوبوديهي إلى ثقافة العمل الجماعي، والدعم المتبادل من أجل حلّ المشكلات داخل المجتمع الرواندي حيث يتم توزيع المواطنين إلى فئات مختلفة، من أجل رفع مستويات المعيشة للأسر الفقيرة وتحسين الرعاية الاجتماعية، هذه الفئات تبلّغ مستوى الأسر بالنسبة للدعم الذي تحصل عليه، من خلال برامج الحماية الاجتماعية الحكومية.

 

مبادرة غيرينكا

أما مبادرة غيرينكا التي تعني ليكن لديك بقرة، وهي تقليد قديم في رواندا حيث كان يتبادل الأشخاص البقر باعتبارها علامة احترام أو مهر للزواج، وبعد الحرب الأهلية أصبحت تستخدم بين الأسر الفقيرة ردا على ارتفاع سوء التغذية وكوسيلة لتسريع الحدّ من الفقر.

 

ويستند هذا البرنامج على أن توفير بقرة حلوب للأسر الفقيرة يساعد على تحسين معيشتهم، نتيجة لاتباع نظامٍ غذائيٍّ أكثر تغذية وتوازناً، وهو الحليب، وزيادة الإنتاج الزراعي من خلال تحسين خصوبة التربة، وكذلك الدخل الأكبر من خلال تسويق منتجات الألبان، بحسب يونس موشومبا  في مقاله "قراءة في تحول رواندا.. من الاقتتال إلى التعايش" . 

 

مبادرة إيتوريرو ريي

وفيما يتعلق بترسيخ الثقافة الوطنية، كانت مبادرة إيتوريرو ريي غيهوغو هي عبارة عن مدرسة وطنية قديمة من الناحية التاريخية، وقناة من خلالها نقلت الدولة رسائل إلى الشعب في عدة مجالات، مثل اللغة، والوطنية، والعلاقات الاجتماعية، والرياضة، والدفاع عن الوطن.

 

انقضاء الأحكام بالتوبة 

بالإضافة إلى ذلك، سن الرئيس بول كاجامي قوانين تسمح بالإفراج عن العديد ممن يسمون بالجزارين من السجون إذا ما قاموا بالاتصال بالضحايا الذين بقوا على قيد الحياة، وأعلنوا توبتهم، لذلك نشرت لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية في 2016 استقصاءً يبين أن ما يصل إلى 92.5٪ من الروانديين يشعرون أنه قد تم تحقيق المصالحة.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان