رئيس التحرير: عادل صبري 03:36 صباحاً | الأحد 16 يونيو 2019 م | 12 شوال 1440 هـ | الـقـاهـره °

"غاندي" الـ"المهاتما" 50 عاما في الدعوة لـ"المقاومة السلمية"

في ذكرى ثورته في الهند عام 1919

"غاندي" الـ"المهاتما" 50 عاما في الدعوة لـ"المقاومة السلمية"

علي أحمد 06 أبريل 2019 12:22

في مثل هذا اليوم من عام 1919 بدأت ثورة "مهاتما غاندي" في الهند، ليصبح بعدها رائدا لـ"الساتياغراها" وهي مقاومة الاستبداد من خلال العصيان المدني الشامل، التي دعت إلى اللاعنف الكامل، وأدت إلى استقلال الهند وألهمت الكثير من حركات الحقوق المدنية والحرية في جميع أنحاء العالم.

 

 

تلك الثورة كانت بمثابة نقطة التنبيه السياسي لـ"غاندي" ذلك الذي يبدو دائما يلتحف بالأبيض ويرتدي نظارة دائرية، يأكل القليل، ويسقط أعظم إمبراطورية في العالم بـ"اللاعنف"، حتى يعتبره الكثيرون في بلاده "قديسا" مثاليا حكيما، قادهم إلى الحرية والاستقلال، فاعتبروه أبا لهم، ولقبوه بـ"المهاتما" والتي تعني الروح الفاضلة، وسجلوا أقواله في أكثر من 90 مجلدا.

 

لأكثر من 50 عاما ظل "غاندي" ينشر سياسة المقاومة السلمية أو اللاعنف، وفي سنوات الأخيرة زاد اهتمامه بالدفاع عن حقوق الأقلية المسلمة، ودعا "الهندوس" إلى احترام حقوق المسلمين، ما أثار حفيظة متعصبيهم، فأطلق أحدهم رصاصة أودت بحياة "غاندي".

 

وبينما تمر الذكرى الـ 150 على ميلاده تحتفل بها سفارة بلاده "الهند" بالقاهرة، بتنظيم فعالية لركوب الدراجات من الدقي إلى الزمالك، وتوزيع وجبات غذائية على بعض الأسر الفقيرة في المناطق المجاورة أثناء سيرهم، بهدف نشر الرسائل التي نادى بتطبيقها "غاندي"، مثل اتباع أسلوب حياة صحي وصديق للبيئة والتعاطف مع الفقراء.

 

كانت الثورة الهندية التي تزعمها "غاندي" ضد قانون "رولات الجديد" الموافَق عليه من قبل الحكومة البریطانیة بسجن المشتبه فیهم بالتحریض من دون محاكمة، فكان رد غاندي على ذلك دعوته إلى حملة "ساتیاغراها" للإضرابات السلمیة والاحتجاجات.

 

ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي سفينة "غاندي" إذ اندلع العنف الذي بلغ ذروته في الثالث عشر من أبريل عام 1919 فكانت نتیجته مذبحة "أمریتسار"، إذ أطلقت القوات البریطانیة بقیادة العمید البریطاني ریجینالد دییر النار باستخدام المدافع الرشاشة على حشدٍ من المتظاهرین العزل، وقتلت ما یقارب 400 شخص.

 

وحیئذ لم یعد غاندي قادرًا على التعهد بالولاء للحكومة البریطانیة،  وأعاد المیدالیات التي حصل علیها من خدمته العسكریة في جنوب أفریقیا،  وعارض مشروع التجنید الإلزامي للهنود للخدمة في الحرب العالمیة الأولى.

 

ومن هنا أصبح غاندي شخصیةً بارزة في حركة الحكم الذاتي الهندي، ودعا المسؤولین الحكومیین إلى التوقف عن العمل لصالح التاج البريطاني، والطلاب إلى التوقف عن الذهاب إلى المدارس الحكومیة، والجنود إلى مغادرة مواقعهم والمواطنين إلى إیقاف دفع الضرائب وشراء السلع البریطانیة في حملة مقاطعةٍ شاملة.

 

وذهب غاندي إلى استخدام عجلة العزل المجمولة لإنتاج ملابسه الخاصة، بدلًا من شرائه الملابس المصنوعة في بریطانیا، وسرعان ما أصبحت عجلة الغزل رمزًا للاستقلال الهندي والاعتماد على الذات، ثم تولى غاندي قیادة المجلس الوطني الهندي ودعا إلى سیاسة اللاعنف وعدم التهاون من أجل تحقیق الحكم الداخلي.


وهكذا بات "غاندي" معروفا في جميع أنحاء العالم باسم "المهاتما غاندي"، أي 'الروح العظيمة'،  هو تشريف تم تطبيقه عليه من قبل رابندراناث طاغور، وكذا تم تشريفه رسمياً في الهند باعتباره أبو الأمة؛ إذ أن عيد ميلاده، 2 أكتوبر، يتم الاحتفال به هناك كـغاندي جايانتي، وهو عطلة وطنية، وعالمياً هو اليوم الدولي للاعنف.

 

ولد "موهندس كرمشاند غاندي" الملقب بـ"ألمهاتما"، في 1869 في بور بندر بمقاطعة غوجارات الهندية، وينتمي لعائلة ذات باع طويل في العمل السياسي، إذ شغل جده ومن بعده والده منصب رئيس وزراء إمارة بور بندر، كما كان للعائلة مشاريعها التجارية المشهورة.

 

قضى "غاندي" طفولة عادية، ثم تزوج وهو في الثالثة عشرة من عمره، بحسب التقاليد الهندية المحلية وله أربعة أولاد.

 

عاش غاندي متواضعا في مجتمع يعيش على الاكتفاء الذاتي، وارتدى "الدوتيوالشال" الهنديين التقليديين، والذين نسجهما يدوياً بالغزل على الشاركا، وكان يأكل أكلاً نباتياً بسيطاً، وصام فترات طويلة كوسيلة لكل من التنقية الذاتية والاحتجاج الاجتماعي.

 

في عام 1888 سافر غاندي إلى بريطانيا لدراسة القانون، وفي عام 1891 عاد منها إلى الهند بعد أن حصل على إجازة جامعية تخوله ممارسة مهنة المحاماة.

 

أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف (الساتياراها)، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولا ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر.

 

ويقول غاندي في كتاباته إن اللاعنف لا يعتبر عجزا أو ضعفا، ولكن :""الامتناع عن المعاقبة لا

يعتبر غفرانا إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليا"، وهي لا تعني كذلك عدم اللجوء إلى العنف مطلقا "إنني قد ألجأ إلى العنف ألف مرة إذا كان البديل إخصاء عرق بشري بأكمله".

 

وكان محامياً مغترباً في جنوب أفريقيا، في الفترة التي كان خلالها المجتمع الهندي يناضل من أجل الحقوق المدنية، إذ سافر إلى هناك عام 1893، كان ينتوي حينها الإقامة لعام واحد، ولكن أوضاع الجالية الهندية هناك جعلته يعدل عن ذلك واستمرت مدة بقائه في تلك الدولة الأفريقية 22 عاما.


كانت جنوب أفريقيا مستعمرة بريطانية كالهند، وبها العديد من العمال الهنود الذين قرر غاندي الدفاع عن حقوقهم أمام الشركات البريطانية التي كانوا يعملون فيها، ومن هنا بدأت أهم مراحل التطور الفكري لـ"غاندي" وتعميق معارفه وثقافاته، إذ بدأت خبراته في العمل السياسي، وأثرت فيه مشاهد التمييز العنصري التي كان يتبعها البيض ضد الأفارقة.

 

وفي عام 1915 عاد "غاندي" من جنوب أفريقيا إلى الهند، وفي غضون سنوات قليلة من العمل الوطني أصبح الزعيم الأكثر شعبية، وركز عمله العام على النضال ضد الظلم الاجتماعي من جهة وضد الاستعمار من جهة أخرى، واهتم بشكل خاص بمشاكل العمال والفلاحين والمنبوذين واعتبر الفئة الأخيرة التي سماها "أبناء الله" سبة في جبين الهند ولا تليق بأمة تسعى لتحقيق الحرية والاستقلال والخلاص من الظلم.

 

وقرر غاندي في عام 1932 البدء بصيام حتى الموت احتجاجا على مشروع قانون يكرس التمييز في الانتخابات ضد المنبوذين الهنود، مما دفع بالزعماء السياسيين والدينيين إلى التفاوض والتوصل إلى "اتفاقية بونا" التي قضت بزيادة عدد النواب "المنبوذين" وإلغاء نظام التمييز الانتخابي.

 

وشارك عام 1918 بناء على طلب من الحاكم البريطاني في الهند بمؤتمر دلهي الحربي، ثم انتقل للمعارضة المباشرة للسياسة البريطانية بين عامي 1918 و1922 وطالب خلال تلك الفترة بالاستقلال التام للهند.

 

وفي عام 1922 قاد حركة عصيان مدني صعدت من الغضب الشعبي الذي وصل في بعض الأحيان إلى صدام بين الجماهير وقوات الأمن والشرطة البريطانية مما دفعه إلى إيقاف هذه الحركة، ورغم ذلك حكمت عليه السلطات البريطانية بالسجن ست سنوات ثم عادت وأفرجت عنه في عام 1924.

 

تحدى غاندي القوانين البريطانية التي كانت تحصر استخراج الملح بالسلطات البريطانية مما أوقع هذه السلطات في مأزق، وقاد مسيرة شعبية توجه بها إلى البحر لاستخراج الملح من هناك، وفي عام 1931 أنهى هذا العصيان بعد توصل الطرفين إلى حل وسط ووقعت "معاهدة دلهي".

الاستقالة من حزب المؤتمر.

 

وفي عام 1934 قرر غاندي الاستقالة من حزب المؤتمر والتفرغ للمشكلات الاقتصادية التي كان يعاني منها الريف الهندي، وفي عام 1937 شجع الحزب على المشاركة في الانتخابات معتبرا أن دستور عام 1935 يشكل ضمانة كافية وحدا أدنى من المصداقية والحياد.

 

وفي عام 1940 عاد إلى حملات العصيان مرة أخرى، فأطلق حملة جديدة احتجاجا على إعلان بريطانيا الهند دولة محاربة لجيوش المحور دون أن تنال استقلالها، واستمر هذا العصيان حتى عام 1941 كانت بريطانيا خلالها مشغولة بالحرب العالمية الثانية ويهمها استتباب أوضاع الهند حتى تكون لها عونا في المجهود الحربي.

 

وإزاء الخطر الياباني المحدق حاولت السلطات البريطانية المصالحة مع الحركة الاستقلالية الهندية فأرسلت في عام 1942 بعثة عرفت باسم "بعثة كريبس" ولكنها فشلت في مسعاها، وعلى أثر ذلك قبل غاندي في عام 1943 ولأول مرة فكرة دخول الهند في حرب شاملة ضد دول المحور على أمل نيل استقلالها بعد ذلك، وخاطب الإنجليز بجملته الشهيرة "اتركوا الهند وأنتم أسياد"،.

 

ولكن هذا الخطاب لم يعجب السلطات البريطانية فشنت حملة اعتقالات ومارست ألوانا من القمع العنيف كان غاندي نفسه من ضحاياه حيث ظل معتقلا خلف قضبان السجن ولم يفرج عنه إلا في عام 1944.

 

بانتهاء عام 1944 وبداية عام 1945 اقتربت الهند من الاستقلال وتزايدت المخاوف من الدعوات الانفصالية الهادفة إلى تقسيمها إلى دولتين بين المسلمين والهندوس، وحاول غاندي إقناع محمد علي جناح الذي كان على رأس الداعين إلى هذا الانفصال بالعدول عن توجهاته لكنه فشل.

 

وما إن أعلن تقسيم الهند حتى سادت الاضطرابات الدينية عموم الهند وبلغت من العنف حدا تجاوز كل التوقعات فسقط في كلكتا وحدها على سبيل المثال ما يزيد عن خمسة آلاف قتيل، وقد تألم غاندي لهذه الأحداث واعتبرها كارثة وطنية.

 

كما زاد من ألمه تصاعد حدة التوتر بين الهند وباكستان بشأن كشمير وسقوط العديد من القتلى في الاشتباكات المسلحة التي نشبت بينهما عام 1947/1948وأخذ يدعو إلى إعادة الوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين طالبا بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة.

 

ولكن لم ترق دعوات غاندي للأغلبية الهندوسية باحترام حقوق الأقلية المسلمة، واعتبرتها بعض الفئات الهندوسية المتعصبة خيانة عظمى فقررت التخلص منه، وبالفعل في 30 يناير 1948 أطلق أحد الهندوس المتعصبين ثلاث رصاصات قاتلة سقط على أثرها المهاتما غاندي صريعا عن عمر يناهر 79 عاما. 


 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان