رئيس التحرير: عادل صبري 03:55 مساءً | الثلاثاء 25 يونيو 2019 م | 21 شوال 1440 هـ | الـقـاهـره °

الـ«سايكو دراما».. رحلة استكشاف واستمتاع من أجل «إيقاظ الحياة»

الـ«سايكو دراما».. رحلة استكشاف واستمتاع من أجل «إيقاظ الحياة»

الحياة السياسية

في المنتصف يقف عبد الوهاب محمود بعد انتهاء فعاليات إحدى ورش السايكو دراما التي ينظمها

الـ«سايكو دراما».. رحلة استكشاف واستمتاع من أجل «إيقاظ الحياة»

سارة نور 01 مارس 2019 17:00

ينتظمون في دائرة، يقف عبد الوهاب في منتصفها يسأل كل منهم:"ما الذي يجعلك تشعر بالأمان والارتياح؟"..يتلقى إجابات متنوعة ومتسقة مع بعضها ما بين التفهم والتقبل وعدم إطلاق الأحكام، يتفق الجميع على احترام القواعد ثم ينطلقون في رحلة مثيرة نحو اكتشاف ذواتهم

 

"استمتع، استكشف".. شعارا بسيطا لكنه يبدو معبرا عن محتوى ونتائج ورشة السايكو دراما التي يديرها عبد الوهاب محمود (53 عاما) الذي لم يكن يتخيل قبل نحو 6 سنوات أنه سيصبح مدربا يساعد الأخرين على إيقاظ الحياة بداخلهم.

 

في عام 2013، فقدت الحياة معانيها، لم يعد هناك جدوى لفعل أي شيء، الأيام التي تمر على غير رغبة عبد الوهاب لم تحمل سوى مزيدا من الفشل والإحباط ومن ثم آلام لا تنتهي، كان يود أن تتوقف الأيام عن المسير، ولم لا فكل شيء انتهى بالنسبة إليه.

 

يقول عبد الوهاب لـ"مصر العربية" إن في هذه الأثناء توقف عمله الخاص ولم يكن لديه أمل في بداية جديدة أوأي خطط مستقبلية، يضيف:"الدنيا كانت ضلمة كأن الحياة انتهت في الوقت ده كنت تعبت نفسيا جدا ومفيش جديد".

 

بينما يضفى الموت بظلاله على حياة عبد الوهاب، قابل أحد أصدقائه القدامي الذي فتح له نافذة جديدة على الدنيا ومن ثم إدراكا ووعيا في لحظة فارقة، اختار فيها الحياة كأنه بُعث من جديد، نافضا غبار الموت عن كاهليه. 

 

يوضح عبد الوهاب:"بدأت اكتشف إن هناك عالم آخر وأنني كنت منغلق على نفسي، ظللت مع صديقي نشاهد السينما والمسرح ونستمع إلى الموسيقى، أحبب الفنون بصفة عامة، وهذا كان بمثابة اكتشاف".

 

"لاقيت فيه حاجات حلوة بتتعمل وفيه ناس حلوة موجودة، بدأت أندمج مع الناس رغم أني كنت رافض التواصل معاهم وعندي أحكام سابقة عليهم".. يقول عبد الوهاب الذي التحق بورشة سايكو دراما للمدرب البريطاني بن ريفرز.

 

خلال حضوره الورشة، اكتشف عبد الوهاب أن لديه أحكام مسبقة على الأخرين وليس لديه أي قدرة على القبول والتسامح، خاصة أنه كان مختلف مع باقي المتدربين في نظرتهم للحياة و طريقة تسييرهم للأمور.. يتابع:"أكتشفت أني أنا اللي محتاج أتغير".

 

كانت تلك لحظة "بصيرة" كما يسميها عبد الوهاب الذي يقول:"اكتشفت  ان فيه حاجات في الحياة لسة معرفهاش ومحتاج أشوفها، وأني عنصري ومتخندق في جزء من الوقت والزمن ، اكتشفت أن حواسي عمري ما استغلتها بشكل صحيح".

 

من هنا، قرر عبد الوهاب الذي درس لاحقا دبلوم العلاج بالدراما برنامج 3 سنوات مع بن ريفرز، أن يساعد الأخرين على إيقاظ الحياة بداخلهم من خلال الورشة التي أسسها منذ نحو 3 سنوات تحت عنوان "إيقاظ الحياة" والتي تمتد أحيانا ليومين وفي أحيان آخرى تمتد لنحو8 ساعات على مدار يوم واحد.

 

العلاج النفسي من خلال السايكو دراما يجمع بين الدراما بما تتضمنه من حركة وتعبير بالصوت والجسد واللعب وأداء الأدوار المختلفة وبين علم النفس، إذ يعتمد على نظرية نظام العائلة الداخلية التي ابتكرها عالم النفس الأمريكي ريتشارد شوارتز في أواخر القرن الماضي.

 

يقول عبد الوهاب إن السايكو دراما إحدى طرق العلاج الجمعي يشبه إلى حد ما العلاج السلوكي إذ يساعد الأشخاص على تغيير سلوكياتهم، يحدث ذلك من خلال الحكي والألعاب  حتى يصل الشخص إلى مرحلة الإبداع ومن ثم يكتشف مشكلته ويشرع في حلها. 

 

يضيف أن الفكرة قائمة على كون الإنسان يولد بفطرة فيها من روح الله مع مرور الوقت تتعرض لمؤثرات خارجية، فيصبح هناك طبقات تغطي هذه الفطرة، من خلال السايكو دراما، نعمل على إزالة هذه الطبقات من خلال اتصال الروح بالجسد والسيطرة على الأفكار عن طريق الألعاب. 

 

تنقسم ورشة السايكو الدراما إلى 3 مراحل وهم الإحماء أوالتسخين ثم سلسلة من الأنشطة (الألعاب) وهاتين المرحلتين تعززان الشعور بالأمان والسلامة بين الحضور واتصال الروح بالحسد ومن ثم التلقائية والإبداع وصولا إلى مرحلة الدراما.

 

تعتمد مرحلة الدراما على 5 عناصر  هم: خشبة المسرح وهي مساحة تسمح بالحركة ولا يستخدم فيها ديكور معين باستثناء الأقمشة الملونة، والمخرج (المعالج) ودوره التخطيط للمسرحية وتشجيع الممثلين، ثم البطل صاحب المشكلة التي سيتم تناولها في الدراما، والممثلين المساعدين الذين يشاركون البطل وفي النهاية المشاهدون الذين يتابعون الدراما.

 

عبد الوهاب يشير إلى أن خلال الورشة يتم العمل على تحرير المشاعر بمعنى أن الشخص يبدأ الإحساس بنفسه وجسده نفسه وبالأخرين أيضا ويتعاطف معهم ومن ثم يرتقى روحيا، لافتا إلى أن طوال الورشة يحرص على جعل الحضور حاضرين في هذه اللحظة متحررين من حكايات الماضي والمستقبل.

 

يكمن العلاج في الطريقة التي تعمل بها السايكو دراما، إذ يعمل المعالج على تحرير الطفل الداخلي داخل الشخص ومن ثم تذكيره بمصادر القوة والسعادة لديه ويستعيد لحظات السعادة مع الأشخاص الذين كان يحبهم أومازال يحبهم وموجودين في حياته، ليخفف من إحساسه  بالألم والفقد.

 

وبحسب عبد الوهاب فأن المجموعة تعمل كداعم للشخص من خلال الشعور بالحب والقبول والاحترام المتبادل بين أعضاء المجموعة، ومن هنا يستطيع الشخص في تخفيف أحماله  فيصبح أكثر روحانية وعندما تقوده روحه، فيرى الأخرون جماله ومن خلال المشاركات يستشعر الشخص الجمال بداخله فتصيبه حالة من الانبهار فيحصل على قدر من السعادة والتركيز.

 

أثناء الدراما، يقول عبد الوهاب أن الإنسان يتكون من أجزاء داخلية تعمل مع بعضها بتناغم وتقودها الذات، وإذ طغى جزء على باقي الأجزاء الأخرى وصار مسيطرا، يصبح هناك خلل في تكوين الشخص، ممكن يكون هذا الجزء هو الخوف أوالجزء المدير أوغيره من الأجزاء. 

 

يستطرد: من خلال الدراما، نسمع البطل ونبدأ نحدد الأجزاء المتسببة في المشكلة ونفهمها ومن ثم نتواصل معها ونستمع إليها جيدا، بعد ذلك يعود الجزء أوهذه الأجزاء بشكل تلقائي إلى مكانه الطبيعي في النظام الداخلي ويعمل بكفاءة مرة أخرى.

 

ما يحدث في هذه الأثناء، أن البطل من خلال الدراما والممثلين المساعدين يرى الأجزاء المخفية بداخله مجسده أمامه  فيبدأ بالاستماع إليها وفهم منطقها سمعها ثم يحاول عقد تصالح مع هذا الجزء بدلا من الكراهية والنفي من خلال استخدام ألفاظ: (أنا فاهمك وقابلك وشايفك ومش عاوز انفيك أوأكبتك وممتن للخدمة اللي عاوز تقوم بيها حتى لوغلط ).

 

حتى يصل البطل إلى لحظة الاكتشاف الحقيقية، يحدث ما يشبه إلقاء حجر في مياه راكدة، إذ يوضح عبد الوهاب: نبدأ ندخل مثل الدوامات من الواسع إلى الضيق حتى نصل إلى القاع أي إلى النقطة التي نريد الوصول إليها، حيث يكون الشخص في حالة من التركيز لا تسمح له برؤية أحد ونعود بنفس الطريقة لكن بشكل معاكس من الضيق إلى السعة

 

بعد انتهاء الدراما، بصبح الشخص بطل الدراما صاحب الخطوة التالية وهو وحده من يحددهاـ يقول عبد الوهاب: (هو اللي هيقول أنا ممكن أساعد نفسي أزاي عشان احنا مش بنقدم حلول في روشتة  كل اللي بنقدر نعمله أننا نخليه يشوف ويفكر يعمل ايه في اللي جاي من خلال أداء تمثال معين للخطوة القادمة).

 

يرى المعالج عبد الوهاب محمود من واقع خبرته كمدرب للسيكو دراما وكمتدرب في أوقات سابقة أنها طريقة فعالة في العلاج ومميزة خاصة في مصرحيث لا يتمتع العلاج النفسي التقليدي بسمعة جيدة، لافتا إلى أن هناك أشخاص تغيرت حياتهم تماما، بسبب دوامهم على حضور ورش السايكودراما.

 

بدأت السايكو دراما كعلاج نفسي في العام 1917، على يد الطبيب النفسي الأميركي من أصل نمساوي جاكوب مارينو من أجل إعادة الاتزان للأشخاص الذين يعانون من الصدمات أو مشاكل الطفولة، أو خلل بالشخصية أسبابه غير معروفة أو خلل في التعامل مع المجتمع أو بعض الأفراد، أو حتى كراهية النفس.

 

وتطور هذا الأسلوب العلاجي على مدى القرن الماضي في الولايات المتحدة وأوروبا، بينما لم يتم استخدامه في المنطقة العربية إلا منذ نحو8 سنوات على استيحاء، إذ لا يزال المراكز التي تعتمد على السايكو دراما قليلة الانتشار. 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان