رئيس التحرير: عادل صبري 12:00 صباحاً | الأربعاء 26 يونيو 2019 م | 22 شوال 1440 هـ | الـقـاهـره °

حب «الصم» يغير حياة «خلود».. و«الإرهاب» يعوق طريقها

حب «الصم» يغير حياة «خلود».. و«الإرهاب» يعوق طريقها

الحياة السياسية

خلود احمد تترجم الاغاني الى لغة الاشارة

تترجم الأغاني إلى «الإشارة» لإسعادهم

حب «الصم» يغير حياة «خلود».. و«الإرهاب» يعوق طريقها

أحلام حسنين 23 فبراير 2019 17:00

كانت في أشد لحظات الحزن حين اضطرت إلى التخلي عن طموحها الذي خطت أولى عتباته ومستقبلها الذي طالما عاشته في مخيلتها، بعد أن أجبرتها ظروف الحرب على الإرهاب في بلدتها على ترك جامعتها، لتلتحق بأخرى لا تحبها، لم تكن تعلم أنها ستكون بوابتها للشهرة على "السوشيال ميديا" وتعبر منها إلى حلم آخر ستكون فيه أكثر نفعا لمجتمعها.

 

هذا هو حال "خلود أحمد" صاحبة الـ 20 عاما، كانت تحلم أن تصبح صحفية كبيرة ولكن خذلها مجموع الثانوية العامة، فحال دون دخولها كلية الإعلام 2% فقط، ولكنها لم تيأس بعد، تقدمت إلى منحة في جامعة سيناء وحازت عليها بالفعل، وقبل أن تكمل عامها الأول بالكلية، حالت ظروف الحرب في بلدتها "العريش" على أن تكمل دراستها بهذه الجامعة، حسبما تروي لـ"مصر العربية".

 

فبينما كانت تدور الحرب بين قوات الجيش والجماعات الإرهابية في شمال سيناء كان  يصعب على "خلود" السفر إلى القاهرة لتتلقى تدريب عملي تطلبه جامعتها، فقررت أن تلتحق بكلية "التربية" بجامعة العريش، كانت حينها تبكي على حلمها الذي ضاع رغما عنها، أما الآن فتقول :"أحمد الله كثيرا، الآن أفعل شيء نافعا لهؤلاء الذين حُرموا السمع والكلام، وسأقدم لهم المزيد حتى لا يكون هناك أصم في بلدي لا يجيد القراءة والكتابة".

 

تمتلك "خلود" ابتسامة تدخل البهجة على من يتطلع إليها، فكانت هذه إحدى أدواتها في تحقيق حلم جديد، بدأ يرادوها حين ذهبت إلى مدارس "التربية الخاصة" كجزء من دراستها بقسم "التربية الخاصة"، وهناك وجدت نفسها في عالم آخر، كانت تأنفه في البداية وتتأفف من التعامل معهم، ولكن سرعان ما باتوا قبلتها في الحياة، تتعلم من أجلهم لغة الإشارة،حتى أصبحت تترجم أغاني بـ"لغة الإشارة" فقط من أجل إدخال الفرحة على قلوبهم.

 

تعلم لغة الإشارة ليس بالشيء اليسير ولاسيما إذا لم تجد من يعلمها، كانت "خلود" كلما ذهبت إلى مدرسة ذوي الاحتياجات الخاصة، تشعر بالحرج من "التلاميذ الصم" الذين يتحدثون إليها وهي لا تفهم ولا تعرف كيف تبادلهم التحية، فكانت تطلب من "ضعاف السمع" ترجمة بعض الكلمات إليها، وتعليمها كيف ترد عليها، ولكن لم يكن ذلك كافي بالنسبة لها.

 

مع تردد "خلود" على المدرسة باتت أكثر تعلقا بـ"الصم"، فأرادت أن تدخل هذا العالم، ولكنها لم تجد من يعلمها، فذهبت إلى "اليوتيوب" وراحت تتعلم "الإشارة" من المترجمين من مختلف البلاد، ربما كان ذلك شاق عليها أن تتعلم بمفردها، ولكن كان يهون عليها المشقة، حب أولئك الصغار لها.

 

وحين كانت تبحث "خلود" عن تعلم الإشارة، عثرت عن طريق الصدفة على أغنية مترجمة بالإشارة، وهنا قررت أن تطبق الكلمات التي تعلمتها في الأغاني ذات البهجة والتي تحوي على كلمات بها تحفيز وأمل، وتترجمها إلى لغة الإشارة، لتسعد "الصم"، فكم من مرة سألها أحدهم عن أغنية أو إعلان الجميع يتحدث عنهم على "السوشيال ميديا" وهم لا يعرفون عما يتحدث، ويطلبون منها أن تشرحها لهم.

 

تقول خلود :"الصم يحتاجون إلى الكثير، هم ليس لديهم قنوات تعلمهم، وفي بلدنا لا يوجد أحد يتقن لغة الإشارة حتى يتواصل معهم، وكثير منهم لا يجيد الكتابة، لذلك قررت أن أبدأ معهم ما يشبه فصول التقوية وطلبت من زملائي أن يشاركوني في ذلك، ولكن ظروف الحرب هنا جعلتنا نتوقف قليلا، فهنا من حين لآخر تحدث انفجارات، فنظل قيد منازلنا".

 

ولما كان تعليم "الصم" القراءة والكتابة فيه بعض الصعوبة، اتجهت "خلود" إلى ترجمة الأغاني إلى لغة الإشارة، فهم يفرحون بها كثيرا، يرون فيها اهتماما بهم وتعبيرا عنهم، حتى أنهم يطلبون منها أغاني بعينها لترجمتها وتصويرها"، حسبما تروي الفتاة العشرينية.

 

ورغم أنه لم يكد يمر عام على بداية تعلم "خلود" لغة الإشارة، إلا أنها سرعان ما باتت معروفة لدى "الصم" في محافظتها وعلى "السوشيال ميديا"، وباتت تطلبها مديرية التربية والتعليم لتقديم فقرات غنائية مترجمة بالإشارة في حفلات مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، وتضيف :"كمان بحفظ الصم الأغنية بالإشارة عشان يشاركوا معايا في الفقرات".

 

لم يكن طريق تعلم "لغة الإشارة" ممهدا أمام خلود، فرغم أنها في عامها الثالث في قسم التربية الخاصة، إلا أنه لا يوجد تخصصات في جامعتها، ولا يوجد تطبيق عملي لتدريس "الإشارة"، بل أنه لا يوجد أساتذة متخصصين في "الإشارة" فقط لديهم أستاذة تدرسها نظريا فقط لأنها ليست متنقة للغة، بحسب "خلود".

 

تقول خلود :"أنا كطالبة مش لاقية حد يعلمني، وفي العريش مفيش مدرسين بيتقنوا اللغة دي، وحاولت اجيب مترجمين من القاهرة بس ظروف السفر صعبة بسبب الحرب هنا، كل دا له تأثير سلبي علينا الصم في البلد محتاجين حد بيفهم إشارة عشان يقدر يدرسلهم في المدارس، لأن حتى في كتير من المدرسين مش متقنين اللغة".

 

ولأن لديها عزيمة للتواصل مع "الصم" وتقديم شيء مفيد لهم، استطاعت "خلود" أن تتغلب على صعوباتها عن طريق الشبكة العنكبوتية، فراحت تتلقى "تعليم الإشارة" من مترجمين من مختلفي البلاد، حتى أصبح لديها حصيلة من الكلمات التي تعلمها حاليا لزملائها في الجامعة ولمن يريد التواصل مع "الصم".

 

ترجمة الأغنية إلى لغة الإشارة ليس أمر هين، هو يتطلب مجهود قد تستغرق فيه "خلود" مدة أسبوع، لأنها لاتزال تتعلم، فتبدأ بكتابة كلمات الأغنية ثم البحث عن معناها بـ"الإشارة" وتذاكرها جيدا، ثم تعرضها على متخصص أو مترجم، وكل ذلك يضيف إليها حصيلة جديدة من الكلمات، كما أنه يعود بالنفع على "الصم" فهي أغاني تحفيزية وتشعرهم أن هناك من يفعل شيئا من أجلهم.

 

لم يلبث إلا أن أصبحت أغاني "خلود" المترجمة بالإشارة تدور عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تطل بابتسامتها العذباء التي تثير البهجة والفرح، فتدخل السرور على قلوب ليس الأصماء فقط بل كل من يشاهدها، فسار هناك من يحب "الإشارة" من عبير ضحكتها وغناها.

 

وتقول خلود:"في ناس قالتلي انها حبت الإشارة بسبب طريقتي، وناس دخلت قسم التربية الخاصة لما شافوا الفيديوهات بتاعتي، ودا هدفي إننا نقدر نحب لغة الصم ونتواصل معهم، عشان ميحسوش أنهم منبذوبين في المجتمع، على الأقل المجتمع المحيط بيهم يقدر يتعامل معهم ويفهمهم".

 

ربما بدأت "خلود" الخطى نحو حلمها وحيدة، أما الآن فهي تتلقى دعما وتشجعيا من أساتذها في الجامعة، ومديرية التربية والتعليم التي كثيرا ما تستعين بيها في حفلات مدارس التربية الخاصة، وأساتذة إشارة من خارج جامعتها ومدينيتها، لما رأوا فيديوهاتها، أخبروها أنهم على استعداد بتعليمها "الإشارة" حد الإتقان.

 

ولكن الفتاة العشرينية لم يقف طموحها عند بلوغ اتقان لغة الإشارة لبث فيديوهات أغاني فقط، لكنها تنوي استعادة فصول "التقوية" لتعليم الصم في مدينتها القراءة والكتابة، وتحقق حلمها الأول كصحفية ولكن هذه المرة بأن تترجم الأخبار بلغة الإشارة إلى الصم، وتبث برامج على "اليوتيوب" تتعلق بكل ما يهم هذه الفئة من المجتمع.

 

ولم تتوقف خلود عند نفسها فقط، فما تعلمته تحاول أن تعلمه لزملائها في قسم التربية الخاصة بجامعة العريش، وستنظم دورات تدريبية هدية منها للصم ولكل من يريد تعلم الإشارة، ولكن ذلك حين تتمكن من إتقان اللغة، هي فقط تحتاج من يساعدها لبلوغ الإتقان.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان