رئيس التحرير: عادل صبري 07:51 صباحاً | الخميس 21 فبراير 2019 م | 15 جمادى الثانية 1440 هـ | الـقـاهـره 14° مطر مطر

حكاية عقار وكالة «العنبريين».. 100 عام تُهدم لأجل «رجل الأعمال المقاول»

حكاية عقار وكالة «العنبريين».. 100 عام تُهدم  لأجل «رجل الأعمال المقاول»

الحياة السياسية

وكالة العنبريين

أصحاب المحال: «خراب بيوت».. وخطورة على شارع المعز

حكاية عقار وكالة «العنبريين».. 100 عام تُهدم لأجل «رجل الأعمال المقاول»

ممر ضيق يتطاير فيه الغبار من آثار الهدم، روائح الأتربة تزكم الأنوف، الرؤية تكاد تكون ضبابية، أصحاب المحال يجلسون على مقاعد خشبية أمام بضاعتهم التي كساها التراب، تلمح الغضب في أعينهم وإن صمتوا، يكتفون إذا سألهم أحد المارة ماذا يحدث فيقولوا "خراب بيوت حسبنا الله ونعم الوكيل"،  يتهامس المارة يضربون كفا على كف يتعجبون كيف لأثر كهذا يُهد؟.

 

إذا ساقتك الخطى إلى شارع المعز سترى هذا المشهد نصب عينيك، تراب مركوم وحجارة كثيرة يبدو عليها آثار التاريخ، أشخاص يتسلقون الركام يجمعون أشياء من بقايا الهدم، وآخر يجلس وزوجته فوق الحطام وبجوار "بطانية"، هنا كان العقار رقم 88 المعروف بـ"وكالة العنبريين"، ليس فقط مجرد جدران تضم بين ثناياها محال، ولكنها تاريخ يعود إلى ما يقرب من 1000 عام.

 

 

الخوف والقلق يساور جميع أصحاب المحال المجاورين لـ"وكالة العنبريين"، ترى الحزن في أعينهم ليس فقط على مصدر رزق زملائهم الذين يقبعون هنا منذ سنين فباتت بينهم عشرة لا تكرهها منافسة التجارة، ولكن على تاريخ بات حجارة مركومة وتراب تدهسه الأقدام، حسبما يقول أحد أصحاب المحال.

 

وربما يكون الأسوأ من وقع المصيبة هو انتظارها، وهكذا هو حال أصحاب المحال المجاور، إذ يقول أحدهم :"الدور الجي علينا، احنا سامعين انهم هيهدوا المربع كله عشان رجل تقيل اشترى الأرض دي".

 

يقع العقار  بالجانب الأيسر لشارع المعز لدين الله الفاطمى، ويوازي شارع الأزهر، وهو يمتد من مسجد السلطان الأشرف برسباى بشارع المعز لدين الله عند تلاقيه بشارع جوهر القائد والمبنى بتاريخ 1424م، وحتى مسجد الغورى بمنطقة الغورية، ويضم عددًا من الوكالات التجارية من بينها وكالة يعقوب بك التى تضم المئات من الدكاكين «الحوانيت»، بحسب ما جاء في كتاب علي باشا مبارك "الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومُدُنها وبِلادها القَدِيمة والشَّهِيْرَة".


حين تتجول في أرجاء المكان ترى محال تغلق أبوابها على مدار أيام الهدم وما بعدها، وآخرون عادوا يفتحون محالهم فوجودها مليئة بالأتربة فعفكوا على تنظيفها في غضب مكتوم، تسأل أحدهم عن الحال بعد الهدم، فيقول :"دا خراب بيوت والله بس هنعمل إيه الحكومة عاوزة كده".

 

البعض من أصحاب المحال الجالسين أمام بضاعتهم يترقبون المارة فإذا مر أحد بجوارهم صمتوا عن الحديث، وإذا سألهم أحد ما هذا الهدم، تتوجس أنفسهم خيفة فيقولون "مخازن اتهدت"، يخفون أنه قرار إزالة، وحين تستطرد في الأسئلة عن سبب هدمها فيختصرون الرد :"إزالة عشان آيلة للسقوط".

 

تحدثنا إلى أحد أصحاب المحال فقال لنا بنبرة يشوبها الانكسار ويرمي بعينه إلى الركام :"دي آثار مش عارفين إزي هدوها، حسبنا الله ونعم الوكيل، بقالها زمن، وتحت الأرض في سجن قديم أثري، كل دا عشان راجل مقتدر دفع فلوس واشترى الأرض".

 

ثمة شيء آخر يخشاه أصحاب المحال وسكان شارع المعز، وهو أن الحفر الكبير الذي تعرضت له المنطقة قد يشكل خطورة على الشارع بأكمله، موضحين أن الشارع مليء بالمباني الأثرية وهز ورج الأرض بهذا الشكل يهدد سلامته.

 

بحسب ما يتداوله أصحاب المحال في شارع المعز فإن هناك رجل غني يسكن في "حارة اليهود" معروف عنه أنه يعتاد شراء مثل هذه الأراضي التي عليها نزاع ويدفع في المقابل أموال ضخمة للحكومة، ثم يرمي بالفتات على سبيل التعويض لأصحاب المحال لإخراجهم منها وهدمها وبناء مشاريع أخرى استثمارية.

 

لم يقبل أصحاب المحال بوكالة "العنبريين" إخراجهم من أماكنهم التي يمتلكوها منذ سنين، ولكن جاء أمر التنفيذ ولم يبق لهم منها سوى ركام منثور، ولأنهم لا يملكون حاليا بديل أودوا ببضاعتهم إلى المحال المجاورة، ولكن يتساءلون إلى متى؟.

 

تعود قصة العقار رقم 88 أو "وكالة العنبريين" ذلك المبنى التاريخي، الذي تنفي وزارة الآثار أنه أثري، إلى ما يزيد عن 900 عام، إذ وضعت الطوبة الأولى في هذا المبنى عام 517 هجريا، بعد أن أكمل الفاطميّون إنشاء مدينتهم الملكية بأسوارها وبواباتها وقصورها ومساجدها

ولم يكن ينقصها كما تقول كتب التاريخ سوى (حبس المعونة) أو السجن فى لغتنا الحالية.

 

وهكذا يعود العقار رقم 88 إلى القرن التاسع عشر، إذ بنى المبنى السلطان قلاوون كي يكون سجنًا، ثم حوله العثمانيون لوكالة لصانعي العطور، ومن هنا جاء اسم "وكالة العنبريين".

 

ورغم أن هذا المقار الذي يوجد داخل شارع المعز الذي يعد أكبر متحف مفتوح فى العالم، غير مدرج فى عداد الآثار، فتلك الوكالة التي تشمل ما يقرب من 100 محل تجاري، حاول أصحابها كثيرا تسجيلها ضمن آثار القاهرة الفاطمية، إلا أنه كان الرد يأتيهم دائما بـ"مسكنات"، وكان ذلك مقدمة لهدمها لاحقا لبناء مول تجاري كبير.

 

ويرجع الجدل حول العقار إلى عام 2005 حين اندلع حريق ضخم ببعض المحال فيه، واضطرا المطافي لاستخدام خراطيم المياه لإطفائها فتهدم جزء من المبنى، وهو ما يعول عليه المسؤولين حاليا بأن المبنى آيل للسقوط ويمثل خطورة على شارع المعز.


بعد الحريق أصدرت وزارة الثقافة قرارا بالاستيلاء على المبنى، فما كان من أصحاب المحال إلا الطعن على القرار، ومن هنا بدأ النزاع على العقار، ولكن صدر حكم يوم 14 مايو 2005 بهدم كامل العقار، فطعن عليه الملاك لمنع تنفيذ الحكم، وبالفعل حصلوا على أحكام قضائية بالتنكيس فى عام 2009 و2012 .

 

يتردد بين أصحاب المحال بشارع المعز أن أحد رجال الأعمال المشهور بالتجارة في المقاولات، حددوا اسمه وعائلته ولكن لا يمكنا ذكره دون سند قانوني، اشترى الأرض المبني عليها الوكالة، واتفق مع الحكومة على هدم العقار الذي يضم حاليا نحو 16 مالك.

 

ورغم أن أصحاب المحال بالوكالة حاولوا كثيرا تنكيس العقار وترميمه لإبطال حُجة أنه يشوه الشارع الأثري لذا يردون هدمه،  ولكن كانت الجهات المعنية ترفض طلبهم، مؤكدين أن هذا المكان أثري وأن هدمه يعد هدم للتاريخ.

 

ونشرت بعض المواقع الإخبارية مذكرة رسمية تفيد بطلب المستشار على رزق رئيس هيئة النيابة الإدارية بتسجيل العقار محل التحقيق -الذى يحمل رقم 88 سابقا وحاليا رقم 84 بشارع المعز لدين الله الفاطمى- كأثر واتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة عليه وفقا لأحكام القانون وترميم الأجزاء المعمارية التى تتطلب ذلك مع الاستعانة بالوثائق الخاصة بالعقار، وتنكيس الأجزاء المعمارية التى بها خطورة على المبنى والمارة والتى تحتوى على شروخ وتصدعات ناتجة عن آثار الحريق الذى تعرض له العقار عام 2005.

 

وأشارت التقارير إلى أنه من واقع تحقيقات النيابة الإدارية مع السعيد حلمى رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، قرر أنه بعد معاينة العقار تبين أنه بالفعل من العقارات الأثرية، وإن كان غير مسجل كأثر، إذ أن له تاريخا وورد ذكره ببعض الكتب التاريخية، كما أن العقار يحتوى على عدد من الزخارف والكتابات الأثرية بالواجهات وقد نزع بعضها إلا أن العقار بما فيه من كتابات وزخارف من العقارات الأثرية الواجب حمايتها .

 

وبالفعل تشكلت لجنة برئاسة الدكتور محمد حمادة مدير عام آثار القاهرة وتسعة أعضاء آخرين وخلصت بتقريرها فى مارس 2016 بأن المبنى فى الماضى كان ذا قيمة تاريخية يرجع لعام 1855، ولكن يخلو من العناصر المعمارية ذات القيمة الفنية والحالة المعمارية سيئة للغاية، ولا يرق للتسجيل فى عداد الآثار الإسلامية والقبطية .

 

وانتهت النيابة الإدارية بإخطار وزير الآثار ومحافظ القاهرة بصورة من مذكرة النيابة مع توصية محافظة القاهرة باتخاذ الإجراءات المقررة قانونا لحماية الأفراد والممتلكات لشاغلى العقار وتنكيس الأجزاء المعمارية التى بها خطورة على المبنى والمارة.

 

وبعد هدم الوكالة سادت حالة كبيرة من الغضب بين المصريين معتبرين أن ما حدث هو هدم لمبنى أثري تاريخي، وهو ما ردت عليه وزارة الآثار بأن المبنى غير مسجل في عداد الآثار، ولا تمت لها بصلة، وأن النزاع عليه ليس من اختصاص الوزارة.

 

وبحسب تصريحات صحفية لمحمد عبد العزيز، المشرف العام على مشروع القاهرة التاريخية في وزارة الآثار، فإن العقار رقم 88 بشارع المعز، ليس مسجلًا في تعداد الآثار المصرية، مشيرا إلى أنه كانت هناك قضايا يين المستأجرين والمحافظة، وليس للآثار دخل فيها، وحاولوا إدخال الوزارة فيها "لكننا أكدنا أنها لا تخص الوزارة في والعقار محروق مرتين في عامي 2005 و 2017".

 

وأشار عبد العزيز إلى إلى أن وزير الثقافة السابق شكل لجنة عام 2000 للنظر في تسجيل العقار، وأكدت أنه لا يستحق التسجيل في تعداد الآثار المصرية، ورفضت تسجيله أكثر من 3 مرات، ولا يضم آثارًا داخله غير المدخل فقط، وهو عبارة عن أنقاض وأرض فقط.

 

وتابع: "هناك نزاع بين مالك العقار والمستأجرين، حيث إن المالك يريد الهدم والمستأجرين يرفضون هدمه، لأنهم لن يعودوا إليه مرة أخرى، وبالتالي أرادوا إقحام الآثار في القضية؛ بهدف منع الهدم لمصلحتهم الشخصية، لكن الوزارة أكدت أنه لا يخص الآثار إطلاقًا"، مؤكدًا أنه ليس هناك قرارات أخرى بهدم أي مبانٍ.

 

فيما رد الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، على حديث وزارة الآثار أنه رفض ضم العقار إلى الأثار، قائلا :"كنت أتابع منذ قليل برنامجك الخاص بهدم وكالة العنبريين، وأحب أن أوضح أن هذه الوكالة قد قمت بطلب تسجيلها كأثر عام 2004 ورفضت اللجنة الدائمة ذلك".

 

وأضاف حسني، خلال رسالة للإعلامي أسامة كمال مقدم برنامج "مساء DMC"، "بالرغم من حزني على مشهد الهدم الشنيع كنت أتمنى أن توافق اللجنة الدائمة على حماية الواجهة الأثرية ويتم بداخلها أي تصميمات حديثة، وكان هذا الحل الأمثل لحماية نسيج شارع المعز والذي تعلمون أنه أحد المشروعات الهامة بالنسبة لي وللمجتمع، وهذا للتوضيح فقط".

 

فيما اعتبر أثريون أن هدم وكالة العنبريين يعد بمثابة هدم للتاريخ، إذ يقول الخبير الأثري سامح الزهار، وهو أحد أبرز علماء الآثار الإسلامية في مصر، إن شارع المعز لدين الله الفاطمي والقاهرة التاريخية بكل محتوياتها مسجلة كمنطقة تراث عالمي.

 

وأضاف الزهار، خلال تصريحات صحفية، أن هدم وكالة العنبريين بمثابة بداية لسلسلة من هدم المباني التاريخية والمباني ذات الطابع التراثي للقاهرة التاريخية، متسطردا :"من اليوم سيكون لدينا مبنى جديد يتهدم كل يوم".

 

ويبدو أن هدم وكالة العنبريين لم يثير غضب كان شارع المعز والأثريين وحدهم، بل أثار غضب الكثير من المواطنين، وبدى ذلك من خلال التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا هدم هذا العقار بمثابة جريمة في حق الإرث المعماري والتاريخي.

 

ويقول مصطفى الضاوي،  أحد نشطاء الفيس بوك :"هدم وكالة العنبريين بشارع المعز 
بناها الظاهر بيبرس وإعادة إستخدامها المماليك وقام العثمانيون بتجديدها واليوم تتحول إلى تراب حضارة 1000 سنة يتم مسحها من التاريخ، هذه جريمة ف حق الإرث المعماري والثقافي والإنساني".

 

وعلق محمد الجزيري، قائلا :"هدم وكالة "العنبريين" بشارع المعز، بناها السلطان بيبرس في العصر المملوكي وجددها العثمانيون، وهدمناها اليوم، هذا التراب يمثل ١٠٠٠ سنة من هويتنا".

 

واعتبر عمرو إمام، عبر تغريدة له على تويتر، أن هدم وكالة العنبريين بمثابة كارثة جديدة بعد السكوت على كارثة الجيوشي والمنابر التاريخية، بحد قوله، إذ يقول :"ضمن الكوارث اللي بتحصل في مصر ، بنعيش كارثة أثرية جديدة بعد السكوت على كارثة الجيوشي والمنابر التاريخية وغيرها".

 

وأضاف :"هدم وكالة العنبريين بشارع المعز على مرأي ومسمع مسئولي الآثار .. الأثر عمره يزيد عن 900 سنة من العصر الفاطمي..مأساة حقيقية !!".

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان