رئيس التحرير: عادل صبري 07:24 صباحاً | الخميس 21 فبراير 2019 م | 15 جمادى الثانية 1440 هـ | الـقـاهـره 14° مطر مطر

مستر مكرم.. موجه على المعاش غلب الوقت وجلب الرزق بالرسم

مستر مكرم.. موجه على المعاش غلب الوقت وجلب الرزق بالرسم

رجلٌ يبدو أنه قد تخطى الستين، مُهندم الثياب، كان جالسًا في زاوية بإحدى شوارع المعز، واضعًا ورقًةبيضاء اللون  على إحدى المقاعد الرخامية، تراه يخط  عليها بأقلامه، هائمًا فيما يفعله، كأن تركيزه وعالمه انصب داخل تلك الوريقة.

 في الوقت ذاته؛ كانت  تجلس  مجموعة من الفتيات في مثل عمر بناته ترمقه في صمت،  بإبتسامة تعلو شفاههن، إعجابًا بصنيع يده، وانبهارًا بتلك  الطاقة التي غمرته رغم أن الشيب سلك طريقه إلى شعر رأسه فضلًا عن تجاعيد خطها الزمن سرعان ما تلاشت خلف بشاشة وجهه.

اقتربت عدسات (مصر العربية) في محاولة لمعرفة قصة هذا الرجل الستيني.

 

الرجل  يُدعى مكرم إبراهيم صالح، يبلغ من العمر 67 ربيعًا، كان موجهًا للتربية الفنية، إلا إنه بعد خروجه على المعاش، تبدل الحال وصارت الدقائق تمر عليه متثاقلة وهو لا يفعل شيئًا، فضلًا عن أن حمل البيت والأبناء بات أثقل على كاهله، أمام بضع جنيهات  يتقاضها مع نهاية كل شهر كـ "معاش"، إلا إنه سرعان ما وجد ضالته في "الرسم" مجددًا. 

فبات  يقطع يوميًا مسافة من بيته في منطقة أرض المطار بـ "بشتيل" إلى ذاك المكان ذا المباني العتيقة، في شارع المعز  الذي سرعان ما صار بمثابة بيتًا ثاني له، من كثرة تردده عليه فضلًا عن قضاء ساعات طوال من يومه به منذ خروجه على المعاش، يصحبه في تلك الرحلة من المنزل أصدقاء الثلاثة الأوراق والأقلام والألوان.

 

بدأت القصة حينما أعتاد موجه التربية الفنية في شبابه المكوث أمام المساجد والمباني الأثرية كي يرسمها،  تسائل بعد خروجه على المعاش فيما بينه وبين نفسه لماذا لا يكسر ملل الوقت  ومحاولة جلب الرزق، خاصة أنه أب لـ 4 أبناء بنتين وولدين بينهم من هم في سن الزواج، وهنا تخمرت الفكرة في رأسه وعلى الفور قرر التنفيذ.

ومنذ ذلك الحين باتت أقدام "مستر مكرم" تقوده في الساعات الأولى من صباح كل يوم إلى حي الحسين، تارة مشيًا على الأقدام على مدار ساعتين دون كلل أم ملل من بيته وتارة أخرى مستقلًا عربات النقل العام، حيث يقول:هنا أجد راحتى النفسية. 


فضلًا عن أن الرزق هنا بات يعرف طريقة إلى صاحب الـ 67، فبينما  يخط "مستر مكرم" بأنامله ما يجول بخاطره،  أصبح وقع الأقدام لا ينقطع عنه لأناس يردون منه أن يرسمهم. 


 

يقول صاحب الستين: معاشي قليل للغاية، ولا أريد أن أمد يدي لأحد بعد هذا العمر، الذي تفانيت فيه بعملي  بدءًا بإغترابي للعمل  17 عامًا بالخارج، مرورًا بعملي  معلمًا للتربية الفنية ثم موجهًا، فضلًا عن أن  ابنائي جميعًا خريجي تعليم عالي،  وأريد أن أفرح بهم،ولا أطلب من الله سوى الستر والصحة وراحة البال.

 

وتابع مكرم: أنا أرسم الأشخاص وهم جالسين أمامي لست بحاجة أن يتركوا لي صورة، حيث أجد في هذا متعة. 

 

وعن أسعار تلك البورتريهات، لفت موجه التربية الفنية أن الأسعار تتراوح بين 30 و40 و50، قائلًا: "كل واحد حسب ظروفه".

 



ولكن هناك مجموعة ثانية تأتي له دون اتفاق مسبق بين الطرفين، فقط جذبهم هو بفنه، طالبين منه أن ينقل لهم خبرته في الرسم، حيث يقول "مكرم": يأتي لي أيضًا طالبات يردن تعلم الرسم، وأنا ارحب بهن بشدة، واشرع بالفعل في تعليهم دون انتظار مقابل من أحد. 

 

 

مع غروب الشمس يلملم عم مكرم أوراقه وألوانه ولوحاته، المتراصة على المقاعد الرخامية في بساطة، وعلى استحياء ليرحل لبيته على أمل العودة مرة أخرى صباح اليوم التالي، لا يمنعه سنه ولا مركزه الوظيفي السابق، فهو قرر أن يعيش حياته كما يراه مفتخرًا بم يفعله، لا يحزنه سوى صوت أحدهم بين الحين والآخر يطالبه بالرحيل، واختتم موجه التربية الفنية قائلًا: أنا أحب الأثار وأخاف عليها واعشق تفاصيلها، وليس واردًا أن اعبث بها كما يرواد خيال البعض. 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان