رئيس التحرير: عادل صبري 02:31 مساءً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

وثائق سرية بريطانية: «السادات» خطط للتنحي عن السلطة.. لولا الاغتيال

وثائق سرية بريطانية: «السادات» خطط للتنحي عن السلطة.. لولا الاغتيال

أحمد جابر 26 أبريل 2018 19:50

فيما يعد ضوءا جديدا على واحد من أكثر حوادث التاريخ المصري غموضا وإثارة للجدل، كشفت وثائق سرية بريطانية، أن الرئيس المصري الراحل «أنور السادات» كان ينوي فعلا التخلي بإرادته عن الرئاسة، غير أن اغتياله عجل بالنهاية الدرامية له ولحكمه.

 

كما تكشف الوثائق، عن أن المشير «محمد عبدالحليم أبوغزالة»، وزير الدفاع حينها، قد ضلل الأمريكيين بشأن مصير «السادات» بعد حادث المنصة الشهير.

 

وفي تقرير مفصل بعث به إلى حكومته بعد 23 يوما من الاغتيال، قال «مايكل وير»، سفير بريطانيا في القاهرة حينذاك، إن «السادات» كان جادا في كلامه عن التنحي.

 

وتوقع السفير أن يكون ذلك يوم استرداد مصر الجزء الباقي من سيناء من (إسرائيل) في 25 أبريل عام 1982، أي بعد حوالي 7 شهور من الاغتيال.

 

وقال السفير: «أعتقد أنه ربما كان في ذهنه فعلا أن يتقاعد في ذلك التاريخ الرمزي».

 

وأضاف: «إن كان قد قُدر له أن يفعل ذلك، لكان الشعور الشعبي تجاهه أعظم بكثير مما كان».

 

يذكر أن وثائق بريطانية أخرى كانت قد أشارت إلى وجود علاقة جيدة بين السفير و«السادات»، إذ كان «وير» قد التقى الرئيس المصري قبل قرابة 5 شهور من حادث الاغتيال، برفقة لورد بريطاني بارز كان يريد إقناع «السادات» بالقيام بزيارة أخرى للقدس.

 

وحضر السفير و3 من الملحقين العسكريين البريطانيين وزوجاتهم العرض العسكري، الذي قتل فيه «السادات».

 

وكان السفير يجلس، حسب روايته، مباشرة خلف المنصة الرئيسية التي كان يجلس عليها «السادات» ونائبه «مبارك» والمشير «أبوغزالة».

 

وقال السفير إن «السادات ناقش مع مبارك، كيف يجب أن يكون الاحتفال باستعادة الجزء الأخير من سيناء»، وهو الحدث الذي كان المصريون يترقبونه.

 

وكانت أجهزة الأمن قد قبضت، بأمر من «السادات»، على المئات من معارضيه السياسيين قبل أقل من شهر من اغتياله، فيما عرف حينها باسم «اعتقالات سبتمبر»، التي أثارت غضبا على نطاق واسع في مصر.

 

وتشير معلومات البريطانيين إلى أن هذه الاعتقالات كانت مدفوعة فيما يبدو بمخاوف أمنية.

 

وفي تقرير إلى السكرتير الخاص لوزير الخارجية بعد حوالي 3 أسابيع من الاغتيال، قال رئيس إدارة الشرق الأدني وشمال أفريقيا في الخارجية البريطانية إنه «يبدو واضحا أن قرار السادات شن حملته للتطهير في سبتمبر قد ساعدت في منع محاولات (اغتيال) سابقة».

 

وسرد تقرير «وير»، الذي جاء في 19 صفحة، بعض تفاصيل مشهد الاغتيال.

 

وقال إن إحدى القنبلتين الارتجاجيتين اللتين ألقاهما أحد المهاجمين أصابت وجه «أبوغزالة» لكنها لم تنفجر.

 

وأضاف أن قائد سلاح البحرية (الفريق بحري محمد علي محمد أمين) «تحلى بشجاعة استثنائية إذ ألقى بالكراسي على المهاجمين».

 

وفيما يتعلق برد حراس السادات الشخصيين الذين قال السفير إنهم كانوا جميعا خلف المنصة وبجانبها، فقد «شاركوا في الرد بلا فائدة بمسدساتهم» على المهاجمين.

 

ووفق رواية السفير، استفز هذا الرد واحدا أو أكثر من المهاجمين فأطلقوا نيران بنادقهم على منصة الدبلوماسيين التي كانت قريبة من المنصة الرئيسية، وأدى هذا فيما يبدو إلى مقتل عضو بالوفد العماني وآخر بالوفد الصيني.

 

وقال «وير» إن «أبوغزالة» اتصل من مكتبه، بعد الحادث، بالسفير الأمريكي «ليبلغه بأن الرئيس أصيب إصابات طفيفة فقط وأن ثلاثة من القتلة قبض عليهم وقتل ثلاثة».

 

وكانت شبكة «سي بي إس» الأمريكية هي أول جهة تعلن، نقلا عن مصادر في مستشفى المعادي العسكري الذي نُقل إليه «السادات» بعد الهجوم، موت الرئيس.

 

وكانت هناك احتياطات أمن واضحة قليلة، وربما منعت تغطية (أمنية) أفضل الآثار الأسوأ للهجوم.

 

غير أن «وير» يقول: «السفير الأمريكي وأنا اتفقنا على أنه رغم الاستفسارات الملحة بشكل متزايد من جانب واشنطن ولندن، لم نتمكن من تقديم رأي مستقل قبل صدور إعلان رسمي من الحكومة المصرية».

 

وأشار إلى أن زميله الأمريكي تعرض لحملة شرسة في صحيفة «واشنطن بوست» بعد أن أعلن سيناتور أمريكي أمام مجلس الشيوخ وفاة «السادات»، وحينها اتهمت السفارة في القاهرة بالتقصير وبأنها ليست على تواصل مع الحكومة أو تماس مع الرأي العام في مصر.

 

من وراء الاغتيال

 

وفضلا عن مصير «السادات»، كان التساؤل الأهم حينها هو: من وراء العملية؟ وثارت تكهنات أولية بشأن دور محتمل للجيش، غير أن البريطانيين استبعدوا من البداية أي ضلوع للجيش.

 

وقال رئيس إدارة الشرق الأدني وشمال أفريقيا في الخارجية البريطانية، في تقرير لرؤسائه، عقب الاغتيال مباشرة إنه «في ضوء الاعتقالات الأخيرة، لا بد أن المتطرفين المسلمين هم المشتبه بهم الرئيسيون».

 

واستند هذا التقييم إلى تقدير موقف أولي سريع كان قد بعث به السفير البريطاني في القاهرة إلى لندن عقب الحادث مباشرة، قال فيه «بشكل عام تعتبر مسألة وجود مؤامرة من داخل القوات المسلحة أحد أقل التهديدات للسادات احتمالا».

 

وكانت التكهنات بشأن موقف الجيش قد انتشرت بعد أن تبين أن عددا من الضباط العاملين والسابقين شارك في العملية، وهم «خالد الإسلامبولي» الضابط بسلاح المدفعية الذي كان أخوه من بين المعتقلين في حملة سبتمبر، و«عبود الزمر» الضابط بإحدى الوحدات الفنية في إدارة الاستخبارات والاستطلاع بالجيش، و«حسين عباس القناص» بالجيش و«عطا طايل»، وهو ضابط احتياط و«عبدالحميد عبد السلام» الضابط السابق بالسلاح الجوي.

 

وكانت وثائق بريطانية أخرى قد أشارت إلى أن أجهزة أمنية ودبلوماسية بريطانية تنبأت باغتيال «السادات» قبل حادث المنصة بعامين وسبعة أشهر.

 

ففي تقرير أعد في شهر فبراير عام 1979، عن «الوضع السياسي الداخلي في مصر»، قالت إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في الخارجية البريطانية إن الاغتيال هو أهم ما يهدد «السادات» شخصيا ونظامه.

 

ورتب التقرير الأخطار التي تهدد «السادات» قائلا: «لأنه يهيمن على المشهد المصري، فإن السادات شخصية عرضة للخطر، غير أن الاغتيال أو الأسباب الطبيعية أو الاستقالة، وليس الثورة، هي (الوسائل) الأكثر احتمالا لإزاحته من المشهد».

 

وعندما بدأت السلطات المصرية في التحقيق بشأن حادث الاغتيال، كانت السفارة البريطانية «على اتصال مع محققين شاركوا في استجواب المعتقلين»، كما تكشف الوثائق الجديدة.

 

وتقول: «أحاديثنا ( السفارة البريطانية) مع هؤلاء المشاركين في استجواب هؤلاء المتطرفين- وليس فقط القتلة- تشير إلى إنهم كانوا مدفوعين بدرجة كبيرة بخيبة أمل من المجتمع وكذلك بغرض سياسي محدد».

 

وتضيف أن هؤلاء «اعتقدوا أن المجتمع المصري ليس لديه ما يقدمه لهم وراودهم أمل بأن بتدميره ربما يظهر شيئا أفضل».

 

وألمحت الوثائق إلى وجود تقصير يتعلق بعدم كفاية تدابير الأمن خاصة المتعلق بالرئيس خلال العرض العسكري.

 

وقال الملحقون العسكريون البريطانيون الثلاثة الذين حضروا العرض إنه «باستثناء عدد من الحراس الشخصيين في سيارة الرئيس وتفتيش دقيق لحقائب اليد... إلخ، لدى دخول المنصة، كانت هناك احتياطات أمن واضحة قليلة».

 

وأضافوا: «ربما منعت تغطية (أمنية) أفضل الآثار الأسوأ للهجوم».

 

وفيما يتعلق بتأثير الحادث على القوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت، أشار التقرير بالتحديد إلى أن مديري سلاح المدفعية والاستخبارات العسكرية ومرؤوسيهم «سوف يواجهون أسئلة بالغة الصعوبة يتعين أن يجيبوا عليها».

 

وإلى جانب «السادات»، قتل في الحادث 7 آخرون بينهم كبير ياوران الرئيس، وكان ضابطا برتبة لواء أركان حرب.

 

وقُتل «السادات»، وسط وزرائه وقادة الجيش، خلال عرض عسكري سنوي في 6 أكتوبر عام 1981.

 

ولايزال بعض أفراد أسرة الرئيس الراحل يحملون الجيش و«حسني مبارك»، نائب الرئيس الذي أصبح لاحقا رئيسا، المسؤولية عن مقتله.

 

وحكم على «طلعت السادات»، ابن شقيق الرئيس الراحل، في عام 2006 بالسجن لمدة سنة لوصفه اغتيال «السادات» بأنه كان مؤامرة دولية شارك فيها حرسه الخاص وبعض قادة القوات المسلحة.

 

وحوكم «طلعت»، الذي توفي أواخر عام 2011، أمام محكمة عسكرية بتهمة ترويج شائعات كاذبة وإهانة القوات المسلحة المصرية.

 

وبعد ثورة 25 يناير عام 2011، التي أطاحت بالرئيس «مبارك»، اتهمت «رقية»، ابنة السادات، الرئيس المخلوع بالمسؤولية عن اغتيال أبيها قائلة إنه كان نائبه والمسؤول عن أمنه.

 

وكان «السادات» قد تحدث مرارا، في الشهور السابقة على الحادث، عن رغبته في التقاعد، غير أن حديثه لم يُكن يؤخذ، سياسيا وشعبيا، على محمل الجد.
 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان